8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لم يكن يحلم امان الله خان الذي هاجر من باكستان الى المملكة المتحدة عام 1970، بأكثر من الحصول على وظيفة سائق حافلة في لندن يتمكن بها من تأمين لقمة العيش له ولأسرته، ولم يكن يدري انه عندما سينقل زوجته الى المسستشفى لولادة ابنهما الخامس ان هذا المولود الاول الذي يولد للعائلة في موطنها الجديد سيصبح يوماً رئيس بلدية هذه العاصمة الكبرى.
ولم يكن اهالي مدينة ليستر المتواضعة يحلمون في ابهى احلامهم عند استقدام كلاوديو رانييري (المدرب الايطالي المطرود من عمله في اليونان) لتدريب فريق مدينتهم الذي تفادى السقوط من الدوري الممتاز الى دوري البطولة بشق الانفس نهاية الموسم الماضي، انهم سيكونون على موعد مع الفوز ببطولة الدوري الممتاز هذا الموسم، فكيف لليستر سيتي ان يحقق فوزا كهذا او حتى التفكير به في وجود نواد عملاقة تتلاعب بمليارات الجنيهات الاسترلينية وتشتري اغلى اللاعبين من شتى الدول.
لكن المملكة المتحدة اثبتت ان اي بلد في العالم عندما يسود العدل في مؤسساته العامة والمساواة في الحقوق والواجبات بين افراد مجتمعه، بوسعه ان يكون مصدرا لمعجزات قادرة على الهام اي انسان واي مؤسسة على سطح المعمورة وحمل الجميع الى الايمان بأن من يجد يجد ومن يزرع يحصد بغض النظر عن الوضع المادي والدين واللون.
قصة صادق خان منذ ولادته بعد اشهر قليلة من هجرة اهله الى لندن حتى انتخابه امس من قبل اللندنيين رئيساً لبلديتهم، قصة تشبه الى حد بعيد قصص الخيال التي يقرأها الصغار في العطل الصيفية.
وقد يرى البعض انها امر بديهي واقعي، فهو شغل سابقاً مناصب وزارية في حكومات عمالية سابقة، كما انه انتخب نائباً في مجلس العموم عن حي توتينغ في جنوب لندن منذ العام 2005، ولكن يفوت هؤلاء ان حي توتينغ تقطنه اغلبية مسلمة، ولهذا من الطبيعي جداً ان ينتج عنه نائب مسلم.
ويقول آخرون انها قصة ليست بأهمية قصة الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي اصبح اول رئيس اسمر اللون للولايات المتحدة. لكن هؤلاء مخطئون، فلقصة صادق خان رونق خاص بها، فعرقياً هو ابن باكستاني وباكستانية، بينما اوباما هو من اب كيني مسلم وام اميركية بيضاء.
دينياً، خان مسلم، وقد ادى مناسك الحج، ويطبق فروض الصوم والصلاة والزكاة، بينما اوباما مسيحي بروتستانتي مثل والدته. كما ان انتخاب خان رئيساً لبلدية لندن جاء في وقت عصيب بالنسبة للجاليات الاسلامية التي تعيش في الغرب في ظل تفشي مظاهر التطرف والهجمات الارهابية، والمنطق كان يستبعد استبعاداً تاماً انه بعد اعتداءات باريس وبروكسل التي نفذها في الاشهر القليلة الماضية شبان مسلمون من مواليد هاتين العاصمتين الاوروبيتين، قد يقدم اهالي لندن على انتخاب شاب مسلم ليدير شؤون مدينتهم.
وقد حاول حزب المحافظين عبر مرشحه لرئاسة بلدية لندن زاك غولدسميث الارستقراطي المسيحي ـ اليهودي الذي ورث مليارات الجنيهات بعد وفاة والده، التعامل بهذا المنطق ضد خان، مرشح حزب العمال، مركزاً حملة شعواء على ديانة خان، واتهمه بالتطرف وبعلاقات مع الارهابيين الذين نفذوا اعتداءات لندن عام 2005، لكن محاولات المحافظين تلك، لم تولد سوى تعاطف جماهيري اكبر مع خان.
وقد اعترف عديد من السياسيين المحافظين امس ان لهجة حملة غولدسميث كانت خاطئة، وانتقدوه وانتقدوا رئيس الوزراء دايفيد كاميرون بسبب تركيزهما على الخلفية الدينية لخان.
وبين ابرز المنتقدين جيمايما شقيقة زاك غولدسميث (كانت متزوجة سابقاً من بطل الكريكت السابق الباكستاني عمران خان) التي اعربت عن خيبة املها في الاسلوب الذي انتهجته حملة شقيقها زاك الذي وصفته بانه كشخص افضل بكثير مما بدا فيه بهذه الحملة المشوهة بفعل تأثيرات حزبه عليه.
اما الوزيرة السابقة في حكومة كاميرون، البارونة وارسي، فاعتبرت ان حزب المحافظين اساء مجدداً الى علاقته بالجالية الاسلامية، فيما اكتفى وزير الاعمال الحالي ساجد جافيد، وهم مسلم ايضاً من حزب المحافظين، بالتغريد مهنئاً خان بالقول من ابن سائق حافلة باكستاني الى آخر.ـ تهانينا.
وفي سياق آخر، فإن المعجزة التي حققها نادي ليستر سيتي لكرة القدم بفوزه ببطولة الدوري الممتاز هذا العام، لا تقل اهمية هي الاخرى عن قصة صادق خان.
ففي دوري يضم 20 فريقاً بينها اندية عريقة مثل مانشستر يونايتد وليفربول والارسنال وتوتنهام واخرى فاحشة الثراء، مثل مانشستر سيتي وتشلسي، تخطى ناد مغمور مثل ليستر سيتي الذي لا تتعدى اغلى صفقة شراء لاعب اجراها في تاريخه، حدود الـ8 ملايين جنيه استرليني (سعر شراء مهاجمه الارجنتيني ليوناردو اولوا عام 2014)، كل هذه الاندية الضخمة التي تصرف اموالا طائلة في سوق اللاعبين ويفوز باللقب.
انها حقا قصة تاريخية تلهم اي رياضي واي ناد في العالم، ان الطريق الى القمة ممكن بالجهد والجهد وحده، وليس بالاتكال فقط على الامكانيات المادية.
ولكن قد يصعب حصول مثل هذه المعجزة في بلدان يسود الاتحادات الرياضية فيها الفساد والرشاوى، وبالتالي فإن النادي الذي يصرف اموالاً اكثر، قادر دائماً على شراء ضمائر الحكام واللاعبين، وما حققه نادي ليستر سيتي أن اكد على شيء، فهو يؤكد نزاهة الاتحاد الانكليزي لكرة القدم ونظافة اللعبة في بريطانيا من نفوذ المال.
فوز ليستر سيتي اعاد للعبة كرة القدم بريقها البريء وطابعها الممتع بعدما حولتها الاندية الكبرى في اوروبا الى قطاع لجني الاموال فحسب. والبعد الثاني لهذا الفوز هو ان الفريق يضم مدرباً ولاعبين واجهوا اجحافاً بحقهم في نواديهم السابقة، فجمعتهم السماء في هذا النادي لينتقموا لانفسهم جميعاً من كل ممن ظلمهم في السنوات السابقة.
فالمدرب الايطالي كلاوديو رانييري طرد من فرق عدة دربها خلال الفترات الماضية مثل تشلسي وفالنسيا وجوفنتوس، ولم يمدد موناكو عقده معه، وقدم استقالته طوعاً من تدريب بارما وروما والانتر، ولعل اسوأ ما حصل له في حياته الاحترافية كمدرب كان طرده من تدريب منتخب اليونان بعد خسارات مذلة تعرض لها ابطال اوروبا عام 2004 امام منتخبات صغيرة، وفشلهم في التأهل الى بطولة الامم الاوروبية التي تستضيفها فرنسا في حزيران المقبل.
اما الحارس الدنماركي كاسبر شمايكل، فهو ابن اسطورة حراسة المرمى في مانشستر يونايتد بيتر شمايكل، بدأ حياته الاحترافية في مانشستر سيتي، لكن النادي لم يمنحه مكاناً في صفوف فريقه الاول، وكان يعيره الى نواد صغيرة مثل بيري وفالكيرك قبل ان يصل به المطاف عام 2011 الى نادي ليستر سيتي الذي اشتراه بمبلغ بخس قدره مليون وربع مليون جنيه استرليني.
وقصة المدافع الانكليزي داني سيمبسون لا تختلف كثيراً، فهو خريج اكاديمية فريق مانشستر يونايتد الذي لم يمنحه فرصة حقيقية للتألق في صفوفه، واعاره الى انتويرب وساندرلاند قبل ان يبيعه عام 2010 الى نيوكاسل يونايتد الذي باعه بدوره الى كوينز بارك راينجرز. ثم اشتراه ليستر سيتي عام 2014 بمليوني دولار فقط.
المدافع النمسوي كريستيان فوكس الذي برز هذا الموسم في صفوف ليستر سيتي وصل اليه مجاناً بعدما حرره نادي شالكه الالماني من عقده معه نهاية الموسم الماضي.
اما قائد الفريق المدافع الجامايكي ويس مورغان، فوصل الى ليستر سيتي عام 2012 مقابل مليون استرليني قادماً من مواسم عدة في دوري الدرجة الاولى في صفوف نوتنغهام فورست.
وقلب الدفاع الالماني روبرت هوث تنقل بين نواد عدة هي: تشلسي وميدلزبره وستوك سيتي الذي اعاره الى ليستر سيتي، فاشتراه الاخير العام الماضي مقابل 3 ملايين استرليني. واللافت ان ستوك سيتي عانى هذا الموسم من خط دفاع ضعيف مهزوز بينما حقق ليستر افضل النتائج من حيث عدد مرات الشباك النظيفة.
وبين النجوم التي لمعت في فضاء ليستر بشكل كبير، لاعب خط الوسط الفرنسي انغولو كانتي الذي عيرته النوادي الفرنسية الكبرى بسبب قصر قامته. وبعدما امضى مواسم عدة في فريقي بولوني وكاين، اشتراه ليستر سيتي العام الماضي، من النادي الاخير مقابل 5 ملايين و600 الف استرليني.
وبعد هذا الموسم الرائع في صفوف ليستر، يتوقع ان تتجاوز اي صفقة انتقال له اضعافاً مضاعفة المبلغ الذي اشتراه به ليستر.
اما لاعب الوسط الانكليزي داني درينكواتر، فقصته مشابهة للمدافع سميبسو، فهو ايضا خريج اكاديمية مانشستر يونايتد، لكنه امضى سنواته الاحترافية في الاعارة الى نواد صغيرة مثل هادرسفيلد وكارديف وواتفورد وبارنزلي قبل ان يشتريه ليستر سيتي عام 2012 مقابل 675 الف استرليني فقط.
لاعب الجناح الانكليزي مارك البرايتون، بدأ مع استون فيلا الذي اعاره فترات عدة الى ويغان قبل ان يحرره من عقده عام 2014 ويصل مجانا الى ليستر سيتي.
وفي خط الهجوم، طبعاً لم يلمع احد بقدر الثنائي الجزائري رياض محرز والانكليزي جايمي فاردي. فالاول امضى سنواته الاحترافية في نواد فرنسية صغيرة مثل سارسيل وكويمبر ولوهافر الذي باعه لـليستر سيتي عام 2014 مقابل 400 الف جنيه استرليني، وبعد موسمين فقط في الدوري الانكليزي الممتاز، اختير محرز افضل لاعب في البطولة، ليصبح اول افريقي يحصل على هذا الشرف بعد تسجيله 17 هدفا وتمريره 11 تمريرة حاسمة.
اما الثاني (اي فاردي)، فامضى فترة من شبابه في السجن، وبدأ مع اندية صغيرة مثل ستوكسبريدج وهاليفاكس وفليتوود الذي باعه لـليستر عام 2012 مقابل مليون استرليني فقط، والآن يُعتبر احد اهم اسلحة الهجوم لدى منتخب انكلترا.
من قصص صادق خان وابزر نجوم ليستر سيتي يمكن الاستنتاج ان حادثة نصر الشاب النبي داود على العملاق الشرير جالوت قابلة للتكرار في اي زمان ومكان، طالما كان الانسان او المجموعة يؤمنون بقدراتهم على تحقيق الانجازات ويتجرأون على مقارعة الآخرين مهما علا شأن هؤلاء وبلغت قدراتهم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00