يرصد الخبراء السياسيون والاقتصاديون في مراكز الدراسات الاستراتيجية في لندن ونيويورك تصاعد الشعور المناوئ لموسكو في ارمينيا. فقد بدأت منذ منتصف الشهر الجاري في العاصمة الارمينية يريفان تظاهرات منددة بسياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسط مخاوف لدى شريحة كبيرة من الشعب الارميني ان تجدد الاشتباكات الذي حصل في ناغورني قره باخ مطلع الشهر الجاري لم يأت صدفة انما في سياق مؤامرة قد يكون الكرملين بصدد حياكتها مع كل من اذربيجان وايران الشيعيتين من اجل دفع الاذريين الى تقليص حجم صداقتهم مع تركيا وتحالفهم الاستراتيجي معها.
وما يزيد شكوك الارمن في نوايا روسيا تجاه الاقليم المتنازع عليه هو رفض الادارة الروسية الصريح لوقف بيع الاسلحة الروسية الى الجيش الاذري، وهذا الرفض ايقظ الارمن الى حقيقة ان روسيا يهمها بالدرجة الاولى مصالحها المادية وتجارة الاسلحة ولا تنظر الى الامور الاقليمية من منظار التاريخ والديانة او حتى من منظار واقع ان ارمينيا تستضيف على ارضها قاعدة عسكرية روسية.
ويرى مراقبون ارمن ان ما جرى في قره باخ أخيرا هو امتداد للخلاف الروسي ـ التركي حيال سوريا، ويشيران الى مؤامرتين محتملتين ضد ارمن قره باخ قد يكون بوتين طرفا فيهما. الاولى هي انه انتقاما لوقوف تركيا ضد بشار الأسد يسعى بوتين الى تقليص حجم نفوذ تركيا الاقليمي عبر التقرب اكثر من حليفتها التاريخية اذربيجان لاقناع الاخيرة بأن روسيا هي حليف افضل من تركيا، ولهذا السبب قد تتم مثل هذه الصفقة بين الروس والاذريين على حساب ارمن قره باخ. اما سيناريو المؤامرة الثانية فيلحظ الزيارات الاخيرة التي قام بها مسؤولون اتراك الى ايران التي يبدو من خلالها ومن الوقائع الميدانية الاخيرة في حلب ان تركيا ربما وافقت ضمنا على المشروع الروسي ـ الايراني في سوريا شرط ضرب الاكراد في شمال سوريا لصالح تركيا والارمن في قره باخ لصالح اذربيجان.
وتزامنا مع الزيارة الاخيرة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الى ارمينيا الاسبوع الفائت، تظاهر أكثر من الف شخص امام السفارة الروسية في يريفان ورشقوها بالبيض والزجاجات الحارقة. وقال احد المتظاهرين وهو ناشط يدعى دافيت ساناساريان لموقع الاخبار الاميركي الالكتروني انترناشونال بزنس تايمز لسنا نتظاهر ضد روسيا ولكن ضد السياسة الروسية والبوتينية. اضاف العديد من الارمن يعتبرون روسيا حليفا وصديقا ولكن حليفك وصديقك لا يبيع السلاح لخصمك.
وهذه التظاهرات تتكرر اسبوعيا امام السفارة الروسية منذ الاشتباكات الاخيرة بين ارمن قره باخ والجيش الاذري التي اودت بحياة أكثر من 100 شخص. وتأتي هذه التظاهرات احتجاجا على ما يعتبره الارمنيون مؤامرة روسية ضد الشعب الارميني في قره باخ. ويرصد المستثمرون في المنطقة كل هذه المتغيرات، وفي هذا السياق كتب تيموتي آش الباحث الاستراتيجي في شؤون الاسواق الذي يعمل لصالح شركة نومورا انترناشونال اليابانية في لندن في مذكرة مخصصة للمستثمرين ان ارمينيا تبدو مضطربة جدا في هذه الآونة لأنها غير واثقة من ماهية المخطط الروسي. فالعديد من الارمن يتساءلون عما اذا كانوا هم كبش الفداء الذي قد تضحي به روسيا في اللعبة الاممية التي تلعبها ضد الغرب في عدد من الاماكن مثل اوكرانيا وسوريا.
من جهته، اعتبر مدير المركز الارميني للدراسات الوطنية والدولية مانويل سركيسيان ان روسيا تستخدم ارمينيا كأداة استراتيجية لها تستخدمها كما يحلو لها عندما تريد ان تتعامل باسلوب ما مع الجمهوريات ذات الاثنية التركية في المنطقة. هكذا كانت الحال دائما وما يحدث الآن ليس بجديد. الارمن اليوم اصبحوا واعين لهذه الحقيقة ولهذا اظن ان روسيا في طريقها لتخسر ارمينيا كحليف.
ولكن رغم معارضة هذه الشريحة من الارمن لسياسات بوتين تبقى الحكومة الارمينية ومعها اغلبية الشعب الارمني تلتمس الاعذار لجارتها الكبرى. وبهذا المنطق تحدث رئيس معهد دراسات القوقاز في يريفان الكسندر اسكندريان قائلا ان روسيا هي مورد اسلحتنا. اذا لم تعطنا روسيا الاسلحة فكيف نقاتل؟. وانتقد اسكندريان المتظاهرين امام السفارة الروسية قائلا للاسف ان هؤلاء الاولاد الذين يتظاهرون بالبيض امام السفارة لا يرون الامور من هذا المنطلق. لكنهم يجب ان يوقنوا بأن ارمينيا قد تصبح يوما عضوا في الاتحاد الاوروبي او حلف شمال الاطلسي او اي منظمة اخرى، ولكن روسيا ستبقى دائما هنا وستظل تلعب دورا رئيسيا في سياسات المنطقة ومستقبلها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.