تنشر مجلة الـنيويوركر الأميركية في 18 نيسان الجاري تقريراً بعنوان ملفات الأسد بشأن جمع مليون ومئة وثيقة تقريباً، جرى تسريب 600 ألف منها إلى خارج سوريا، تؤكد تورط بشار الأسد مباشرة بجرائم الحرب التي ترتكبها أجهزة النظام السوري ضد المدنيين السوريين.
ويتناول الملف الذي أعده بن توب وترجمته الى العربية نرمين نزار، نتائج تحقيق تجريه لجنة العدالة والمساءلة الدولية، بشأن جرائم بشار الأسد ونظامه، والآليات المعقدة التي استخدمها المحققون للوصول إلى وثائق رسمية ومن ثم تسريبها إلى خارج سوريا، وفرز تلك الوثائق، من خلال فريق من الناشطين والمختصين والقانونيين السوريين، جرى تدريبه على يد محققين استفادوا من عملهم في محاكم دولية سابقة، وتجهيزها لاستخدامها في أي محاكمة قادمة للأسد وقادة أجهزته.
والمستقبل، التي حصلت على الترجمة العربية لتقرير نيو يوركر، تنشر في ما يلي أجزاء منتقاة من التقرير، أعيد تحريرها وتبويبها، وإعداد مقدمة لها.
]إجرام بغطاء دولي
منذ أكثر من 5 سنوات وبشار الأسد يأمر بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد الشعب السوري، لمجرد أنه طالب سلمياً بحقه في الحرية، غطيت، دولياً وإقليمياً جرائمة تحت ذريعة محاربة الإرهاب تارة، وخوفاً من الفوضى تارة أخرى، فاستفاض النظام ورأسه في ارتكاب الجرائم بقناعة بالقدرة على الإفلات من العقاب.
نسي، أو تناسى السفاح ونظامه أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تتقادم، وأن كثيرين سبقوه من السفاحين طالهم قوس العدالة وأنزلهم من عليائهم إلى حيث يستحقون أن يكونوا، في غياهب السجون وعلى مشرحة التاريخ مرذولين.
ففي مقابل غي النظام وعنجهيته المحميّة، فإن العدالة الدولية متأكدة وعلى يقين من ان الحماية التي يحظى بها هذا السفاح سترفع عنه يوما ما، وعندها سيحاسب امام العالم بأسره وأمام التاريخ على الفظائع التي ارتكبها بحق المستضعفين من شعبه.
اليقين من حتمية محاكمة بشار الأسد وحلفائه على جرائمهم بحق الشعب السوري اكده المحققون الدوليون بعدما نجحوا في جمع ما وصفوه بأنه اقوى أدلة على جرائم ابادة يتم جمعها، منذ ان جمعت ادلة ضد النازيين في محاكمات نورمبرغ.
ويقول المحققون الدوليون الذين يتابعون مجريات الأحداث في سوريا، والذي تطوعوا لكشف جرائم النظام، إن أكثر من 600 الف وثيقة هربت من داخل سوريا الى الخارج تتضمن تأكيدات على تورط بشار الأسد شخصيا ومباشرة بمعظم العمليات العسكرية والقمعية التي نفذتها قواته ضد المتظاهرين السلميين في اول عامين من الثورة، وضد الثوار بعدما تعسكرت الثورة.
وتشير الوثائق التي تزن عدة اطنان الى ان نظام الاسد اسس لجنة سرية مكونة من قادة الاجهزة الامنية هدفها القضاء على الثورة. وهذه الوثائق التي حصل عليها محققو لجنة العدالة الدولية والمحاسبة (هيئة من المحامين والقضاة الدوليين يمول اعمالها عدد من الدول بينها بريطانيا) مخزنة اليوم بسرية تامة في احدى المدن الاوروبية. وتترقب اللجنة ايضا وصول 500 الف وثيقة اخرى لا تزال حتى الآن داخل سوريا بانتظار فرصة سانحة لاخراجها.
اللجنة الامنية السرية التي اوجدها الأسد للقضاء على الثورة اوكل رئاستها الى الرجل الثاني في حزب البعث السوري محمد سعيد بخيتان. لكن امين سجل اللجنة الذي يدعى عبد المجيد بركات والبالغ من العمر 24 عاما، الذي تم توظيفه ككاتب لمحاضر خلية إدارة الأزمة التي أوكل إليها سحق الاحتجاجات، كان يعمل سرا لصالح المعارضة السورية وتمكن في سنة 2013 من الفرار بكل ما تمكن من حمله من هذه الوثائق الى تركيا. وبحسب بركات والوثائق فإن بشار الأسد شخصياً كان يراجع ويوقع اي قرار تتخذه اللجنة ويعطي الضوء الاخضر لتنفيذه ميدانيا ضد المتظاهرين.
ومن المعروف ان اكثر الفظائع التي ارتكبها النظام كانت في اول عامين من الثورة عندما كانت لا تزال تحمل طابعا سلميا، اذ قام رجال الاسد وزبانيته خلال تلك الفترة بشتى صنوف الاعتقال والتعذيب وسفك الدماء، وحولوا المستشفيات الى زنزانات للتعذيب، وكدسوا جثث ضحاياهم في الحمامات والمراحيض بعدما فاضت المشارح وامتلأت.
]لا إفلات من العقاب
واكد ستيفن راب، المدعي العام السابق في المحكمة الدولية التي انشأتها الامم المتحدة لمجازر رواندا لمجلة الـنيويوركر الاميركية انه عندما يأتي يوم العدالة سيكون بحوزة القضاة الدوليين ادلة ووثائق مبينة لم تحظ العدالة الدولية بمثلها منذ محاكمات نورمبرغ. اضاف لم ار ادلة بهذه الغزارة في اي قضية نظرت فيها سابقا من قضايا جرائم الحرب والابادة.
وقد خطف تقرير مجلة الـنيويوركر الأضواء ودفع وسائل اعلام اخرى الى التدقيق في مدى قدرة العدالة الدولية على النيل من بشار الأسد. وفي هذا السياق اجرى رئيس قسم الشؤون الدولية في صحيفة التلغراف البريطانية دايفيد بلير اتصالا بالمحامي العالمي المعروف جيفري ربورتسون المتخصص في قضايا حقوق الانسان لسؤاله عن مصير الاسد قضائيا فأجاب ان بشار الأسد آمن بصورة مؤقتة. فطالما هناك غطاء اممي له من قبل روسيا سيبقى مجلس الامن عاجزا عن احالة ملف جرائم الاسد الى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته. اضاف لكن هذه الحماية قد لا تستمر الى الابد. فعلى الرغم ان العدالة الدولية لا تزال في نشأتها الا انها تتغير وتتطور. فعلى سبيل المثال رئيس ليبيريا السابق تشارلز تايلور الذي اطيح بحكمه عام 2003 حصل على حصانة دولية عندما لجأ الى نيجيريا، لكن هذه الحصانة رفعت عنه وسلم الى العدالة عام 2006 ثم ادانته محكمة دولية تابعة للامم المتحدة على ارتكاباته في ولايته الرئاسية وهو الآن يمضي عقوبة السجن 50 عاما في احد السجون البريطانية. هؤلاء الزعماء وان حصلوا على حصانة من دولة او بعض الدول لفترة معينة قد يصل بهم المطاف الى تلك اللحظة التي تتخلى فيها تلك الدول عنهم.
]رحلة الوثائق المعقّدة
يتحدث تقرير الـ نيويوركر عن الرحلة المعقّدة لتسريب الوثائف إلى خارج سوريا، وتقول إن أحد مهرّبي الوثائق، كان يعبر يومياً على متن شاحنة بالية عبر 11 حاجزاً باتجاه الحدود التي تبعد 40 ميلاً، ومئات المرات، وكان الجنود يعتقدون أنه أحد السكان المحليين. ويضيف: كان يأتيهم أحياناً بالوجبات الخفيفة والمياه، وكان يحرص على شكرهم على حماية المدنيين من أمثاله. عبَّأ الشاحنة لأجل هذه الرحلة بأكثر من مائة ألف وثيقة حكومية سورية، كان قد جرى دفنها في حفر وتم إخفاؤها في كهوف وبيوت مهجورة. انطلق مع الغروب تتقدمه ثلاث مركبات استطلاع، وأكدت إحداها عبر الراديو ما كان المحقق يرجو سماعه: لا نقاط تفتيش جديدة. كالعادة كانت الحدود مغلقة ولكن الجنود من الدولة المجاورة [تركيا] سمحوا بمروره. أخيراً وصل إلى سفارة غربية حيث أوصل البضاعة بأمان إلى محامٍ أميركي يدعى كريس إنجلز.
ويشرح التقرير أن إنجلز بعد تدريب ممارسي العدالة الجنائية في البلقان وأفغانستان وكمبوديا لعقد من الزمن يقود اليوم وحدة جرائم النظام في لجنة العدالة والمساءلة الدولية، وهي جهة تحقيق مستقلة أُسست في 2012 لرصد الارتكابات في الحرب السورية.
ويوضح التقرير أن العلملين مع لجنة العدالة والمساءلة قاموا في السنوات الأربع الماضية بتهريب أكثر من 600 ألف وثيقة حكومية خارج سوريا، الكثير منها من منشآت استخباراتية شديدة السرية. وأشارت إلى أنه يتم جلب كمية الأوراق إلى مقر للمجموعة في إحدى الدول الغربية، وأحيانا تحت غطاء ديبلوماسي.
ويقول التقرير إنه عندما انطلقت الاحتجاجات في أكثر من دولة عربية، أعلن بشار الأسد ثقته بعدم وصول تلك الاحتجاجات إلى سوريا، فقد بدأ الناس بمطالبة الحكومة بتنازلات ـ على استحياء في البداية (...) وقد قوبلت الاحتجاجات بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص، ولكنها سريعا ماً جذبت عشرات الآلاف. وفي 30 آذار 2011 خاطب الأسد الأمة من الغرفة الدائرية في مبنى البرلمان السوري، وبدلاً من الحديث عن إصلاحات، أعلن الحرب على المتظاهرين، بذريعة أن سوريا تواجه مؤامرة كبيرة تمتد أذرعها إلى قوى خارجية تخطط لتدمير البلاد.
عمد الأسد إلى تشكيل خلية إدارة الأزمة وكان أعضاؤها ذوي مناصب رفيعة في حزب البعث والجيش وأجهزة الاستخبارات، وكانت تلتقي كل ليلة في مكتب في الدور الأول من مبنى الأمن القومي السوري في وسط دمشق لمناقشة إستراتيجيات سحق الثورة. وقررت المجموعة توظيف شخص كأمين سر لحفظ الوثائق. وكان أحد المتقدمين عبد المجيد بركات البالغ من العمر 24 عاما، الذي كان قد تخرج لتوه بدرجة ماجستير في العلاقات الدولية وكان يعمل في وزارة التعليم، وهو من قام بتسريب تلك الوثائق.
لم يسمح لبركات أبدا بدخول غرفة الاجتماعات، ولكنه كان يرى كبار المسؤولين الذين يدخلون إلى المقر، ومن بينهم ماهر الأسد شقيق بشار الأسد، الذي وضعه الاتحاد الأوروبي في قائمة العقوبات كونه المشرف الرئيسي على قمعد المتظاهرين. في نهاية كل اجتماع كانت خلية الأزمة تتفق على خطة لكل مسألة أمنية. ثم كان بخيتان يوقع محضر الاجتماع ويحمله مراسل إلى الأسد في القصر الرئاسي. وعلم بركات أن الأسد يراجع الاقتراحات ويوقعها ويعيدها إلى خلية الأزمة للتطبيق. أحيانا كان يجري مراجعات بشطب توجيهات وإضافة أخرى. كما أصدر قرارات بدون مراجعة خلية الأزمة. كان بركات واثقًا أن أي قرار أمني مهما كان صغيرا، لا يتم بدون موافقة الأسد.
في سنة 2012، كان الوضع يميل لغير صالح بشار الأسد، إذ ارتفع عدد المنشقين عن الجيش ومن مؤسسات الدولة الإدارية والسياسية، بشكل ملفت، وان كان العسكريون المنشقون ينضمون إلى الجيش السوري الحر الذي كان قد أسسه ضباط منشقون. وتمكن الجيش الحر من السيطرة على أجزاء من شمال سوريا وفتح ممرات آمنة باتجاه تركيا.
وفي هذا الوقت قرر بركات الانشقاق، لكنه لم يغادر البلاد إلاّ بعد حصوله على محاضر الاجتماعات التي كانت تحفظ في المقر. كما خطط أيضا للاستيلاء على المراسلات بين خلية الأزمة ومكتب الرئيس ورئيس الوزراء ووزير الداخلية. وفي يوم عطلة تمكن بركات من أخذ أكبر عدد استطاع الحصول عليه من الوثائق قبل الانتقال عبر مسافة تقدر بمائتين وخمسين ميلًا شمال دمشق إلى الحدود التركية.
وكانت القوات السورية تسيطر على نقطة المرور، ولكن بركات استطاع التسلل عبر النقطة بأكثر من ألف صفحة ملصقة بجسمه وحجز غرفة في فندق باسم مستعار قبل أن يلاحظ أي شخص في دمشق أنه قد رحل.
وبعد انشقاق بركات بوقت قصير نقلت خلية الأزمة اجتماعاتها من قيادة حزب البعث الإقليمية إلى مقر مكتب الأمن الوطني شديد الحراسة.
وفي تموز 2012 ووسط شائعات عن ترقب انقلاب، دوى انفجار داخل غرفة الاجتماعات متسببا بمقتل رئيس خلية الأزمة ورئيس مكتب الأمن الوطني ووزير الدفاع وزوج شقيقة الأسد آصف شوكت الذي كان قد تولى مؤخرًا منصب نائب وزير الدفاع.
أقام المحققون السوريون في لجنة العدالة تحالفات مع كتائب محورية في الجيش السوري الحر بينما كانوا يكسبون أرضًا. لم يكن لدى الثوار في البداية اهتمام بالتوثيق فقد كانوا يهتمون عندما يستولون على منشأة تابعة للنظام، بالأسلحة والذخيرة، فيما كانت تتلف الكثير من الوثائق.
ويقول ويلي إن لجنة العدالة قالت للثوار: استولوا على الوثائق أولًا، ثم نحوها جانبا حتى يمكن إخراجها من البلاد. واحتفظوا بملاحظات ـ ملاحظات بسيطة جدًّا ـ من أين تم الحصول على الوثائق وفي أي تاريخ. احفظوها في صناديق. اقفلوا الصناديق بأفضل شكل تستطيعونه بمغلف بلاستك أو شيء شبيه ـ أي شي متاح. ثم مع انتقال المواد، احتفظوا بجدول لتلك الحركة. ولكن لا تعبثوا بتلك المواد أو تقلبوها.
وكثيرا ما كان المحققون السوريون يصحبون الثوار المعتدلين بينما يهاجمون مباني الأمن ولكن القوات الحكومية حاولت تدمير أي ملفات لم يستطيعوا أخذها معهم. في الأيام التالية للانسحاب يكون هناك قصف بلا هوادة لمواقع محورية كما قال لي المحقق الرئيسي في لجنة العدالة. تنفجر مواسير المياه مدمرة مئات الآلاف من الصفحات قبل أن يتمكن هو وزملاؤه من الدخول. وأحيانا تتصل بهم مجموعات مسلحة بغرض أن يأتوا ويجمعوا الملفات بعد انتهاء تبادل إطلاق النار.
ويقول ويلي: تسلسل الحيازة مهم، ولكنه لا يفسد الأمور كليا.. لقد قتل وأصيب أشخاص خلال نقل تلك الأشياء. أول الضحايا كان مرسال (الذي يتولى مهمة تهريب الوثائق)، تم إطلاق النار عليه وإصابته في 2012 بينما كان يجري نحو طريق تهريب خارج سوريا بحقيبة ملابس ممتلئة بالوثائق. منذ ذلك الوقت أصيب اثنان آخران خلال إخراج (الوثائق) وأحدهما ـ شقيق نائب رئيس محققي اللجنة ـ قتل في فخ نصبته القوات السورية. في 2012 أيضا وصل مرسال وزوجته إلى نقطة تفتيش غير متوقعة خارج حلب. كان يقوم عليها مقاتلون منتمون لجبهة النصرة. وجد المقاتلون وثائق المرسال في خلفية السيارة. تركوا زوجته تذهب ولكنهم احتجزوه. هددوا بأن يحاكموه ويعدموه كجاسوس للنظام... تمكن من الوصول إلى صفقة حيث تمت إدانته بشيء ما في المحكمة الشرعية وكانت الغرامة خمسة آلاف دولار فقام بدفع الغرامة.
واختطفت مجموعات إسلامية متطرفة خمسة أو ستة محققين ولكن أُطلق سراحهم جميعا. محقق واحد فقط، تم إلقاء القبض عليه قبل عامين، يحتجزه النظام السوري حاليًّا. نقل الوثائق إلى الحدود الدولية هو أخطر الخطوات على الإطلاق في عمل لجنة العدالة. الأوراق ثقيلة وتدين المرسال ولكن الصور، مع أنها أكثر قابلية للحمل إلا أنه من الصعب التأكد من صحتها في المحكمة.
وعلى الرغم من تسريب عدد كبير من الوثائق، يقول ويلي، لا يزال لدينا في سوريا كميات كبيرة من المواد لن ننقلها (...) ربما نصف مليون صفحة.
وبينما يجمع السوريون وثائق يوظف ويلي محللين عسكريين وسياسيين ومحققين ومترجمين ومحامين في أوروبا. بحلول 2015 تضخمت ميزانية لجنة العدالة إلى ثمانية ملايين دولار سنوياً وبلغ موظفوها نحو مئة وخمسين بما في ذلك الموظفون في المقر الرئيسي وفي مكتب تحليل أفلام الفيديو في مكان ما من أوروبا بالإضافة إلى المحققين في الشرق الأوسط.
تشير الوثائق المسربة إلى قرارات اتخذتها خلية إدارة الأزمة، ولكنها لم تكن ثمينة بنفس قدر الملاحظات التي أتت من داخل تلك الاجتماعات.
]الأوامر
تشير الوثائق والشهادات إلى أنه في مساء 5 آب 2011 عقدت خلية إدارة الأزمة السورية جلسة في المقر الإقليمي لحزب البعث في دمشق، وناقشوا استمرار الاحتجاجات على مدى خمسة شهور وامتدادها إلى عدة مقاطعات أخرى. وأرجع أعضاء لجنة الأمن هذا الأمر إلى ضعف التنسيق والتعاون بين الأجهزة الأمنية. في ذلك المساء قاموا بوضع خطة لاستهداف فئات محددة من الناس. أولًا كان على جميع الأفرع الأمنية أن تشن حملات يومية ضد منظمي الإحتجاجات الذين يتحدثون إلى الصحافة الدولية. ثانيًا بعد تنظيف كل قطاع من المطلوبين سيقوم عملاء الأمن بالتنسيق مع الموالين للبعث ومليشيات الأحياء وقادة المجتمع، لضمان ألا يستطيع نشطاء المعارضة العودة إلى تلك المناطق. ثالثًا سيتم تشكيل لجنة تحقيق مشتركة في المحافظة مكونة من ممثلين لكل الأفرع الأمنية يقومون باستجواب المعتقلين. رابعاً سيتم تعميم نتائج التحقيق على كافة الفروع الأمنية لاستثمارها في توزيع الأهداف الجديدة والجدية في ملاحقتهم.
كان الهدف الأساسي التوصل إلى أسماء التنسيقيات المحلية، منظمي الاحتجاجات، وتوقيفهم. كما تم إعطاء أوامر لعملاء الأمن بـ موافاة رئيس مكتب الأمن القومي يومياً بتقرير عن نتائج التفتيش يتضمن أسماء المطلوبين الذين تم توقيفهم. بعد ذلك بوقت قليل انتقل أعضاء من خلية الأزمة إلى مناطق تشكل ملتهبة بما فيها دير الزور، للإشراف على تشكيل لجان تحقيق مشتركة.
يقول ويلي عن أعضاء خلية الأزمة أسماؤهم في كل مكان في هذه الوثائق. استطاع المحللون في أوروبا أن يتتبعوا، بين وثائق بركات من دمشق والوثائق الستمائة ألف الخاصة بلجنة العدالة، توزيع تلك الأوامر إلى عدة سلاسل قيادية موازية مختلفة من خلية الأزمة. أرسل هشام بختيار رئيس مكتب الأمن القومي تعليمات إلى السكرتيريات الإقليمية لحزب البعث الذين يرأسون مجلس الأمن في كل مقاطعة بأوامر إضافية بالتقيد بالمطلوب للإسراع في إنهاء الأزمة.
يضيف: أرسل رؤساء أجهزة الأمن الأربعة: المخابرات العسكرية ومخابرات القوات الجوية والأمن السياسي وإدارة المخابرات العامة، توجيهات إلى المقاطعات ورؤساء الأفرع الإقليمية الذين حولوها بدورهم إلى عملاء الأمن المحليين.
]لقاء مع ناشط
التقى كاتب تقرير الـنيويوركر في أمستردام، مع ناشط سوري، بجسم هزيل، يبلغ من العمر 38 عاما، ويدعى مازن الحمادة. الحمادة، وهو ليس شاهدا للجنة العدالة، تقدم فرصة لتعقب الأثر المحدد لسياسات النظام السوري على المواطنين التي كانت تحاول باستماتة إسكاتهم.
ولد الحمادة في 1977 وهو الأصغر بين سبعة عشر طفلًا في عائلة متعلمة من الطبقة الوسطى في مدينة دير الزور الشرقية. أصبح إخوته صيادلة ومدرسين ومحامين، بينما أصبح هو أخصائي ميداني في شركة شلمبرجيه، شركة خدمات البترول الدولية والتي لديها قاعدة عمليات في حقول البترول الغنية حول دير الزور.
كان أعضاء عائلة الحمادة ينتقدون النظام وكان يتم تعقبهم واعتقالهم بشكل دوري حتى قبل الثورة. كانوا غاضبين بشكل خاص بسبب فشل الحكومة في فعل أي شيء بخصوص الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء. قال لي الحمادة كان كل شيء مرتبًا لاستفادة الصفوة.
في 2011 قام رئيس مكتب الأمن الوطني بكتابة مذكرة سرية لرئيس خلية الأزمة عازيا فيها قلة الوطنية في دير الزور إلى النظام القضائي الفاسد والتأخر الطويل في الفصل في القضايا والمحسوبية واللجوء إلى الرشوة.
في أولى إشارات الاضطراب في شباط 2011، أرسل قائد فرع دير الزور في المخابرات العسكرية اللواء جامع جامع تعليمات لجميع من هم تحت إدارته أن يحضروا الكاميرات... لتصوير المشاركين والمحرضين كي يتم تحديد هويتهم وتحميلهم المسؤولية في المستقبل.
وفي 4 شباط وقع رئيس مكتب الأمن الوطني في دمشق على أوامر بالتحقيق حول والبحث عن والقبض على أيًّا كان من كتب يسقط بشار على ماسورة قطرها عشر بوصات، عند الطريق السريع بالقرب من دير الزور.
أمضى رئيس الأمن السياسي للمقاطعة شهرًا في التحقيق حول الواقعة ثم أجاب لم يكن لدينا أي معلومات عن الفاعلين.
في 18 آذار كانت هناك مبارة لكرة القدم في دير الزور بين الفريق المحلي، الفتوة وفريق تشرين من اللاذقية والذي يفضله الأسد. كان الحمادة يعيش بجوار الاستاد وكان يستطيع سماع صوت الجمهور بدأ الناس في الجمهور يهتفون من أجل الإصلاح وضد النظام ويتذكر أن فريق الأسد قد فاز.
كان الجمهور غاضبًا ولكن الحمادة ضحك. كان يتصور أن نتيجة المباراة محددة سلفًا. يقول: فور أن أطلق الحكم صفارة إيقاف المباراة خرج الجميع إلى الشارع كان ذلك أول احتجاج ذي وزن في دير الزور. تم إلغاء جميع مباريات كرة القدم لبقية الموسم.
يصف جامع جامع الاضطرابات تلك في برقية إلى رؤسائه يقول فيها إن الاحتجاجات هي بتأثير من بعض البلدان العربية التي انفجرت فيها ثورات شبابية تطالب بالتغيير وإرساء الديموقراطية والحريات وإجراء إصلاحات لتوفير فرص العمل للشباب وتحسن مستوى المعيشة ومكافحة الفساد.
وفي نهاية الشهر ذاته تبنى رؤساء الأجهزة الأمنية في دير الزور لغة المؤامرة التي تنبثق من دمشق.
وبعد ساعات من إلقاء الأسد لخطابه التلفزيوني في مبنى البرلمان يوم 30 آذار وافق أعضاء لجنة الأمن بدير الزور على اعتباره مرجعًا وأساسًا لعملنا وكانت أغلب مناقشاتها التالية يتخللها قلق من الخيانة والتحريض والاختراق الأجنبي والمشروع الصهيوني الأميركي.
كان الحمادة وأصدقاؤه متحمسين للثورة وبدأوا كل يوم أربعاء بعقد اجتماع داخل مسجد عثمان بن عفان الواقع في الحي الذي يسكنون فيه، لتنظيم احتجاجات تعقب صلاة الجمعة.
يقول الجميع يذهبون إلى المسجد يوم الجمعة والجميع يخرجون منه، إن كنا نستطيع ان نخرج من الكنائس كنا خرجنا من الكنائس.
حسبما ورد في محضر اجتماع تم الاستيلاء عليه من لجنة الأمن بدير الزور فإن أعضاءها قرروا أن يخترقوا السجون بموالين لحزب البعث، ويقول المحضر: قمنا بتوزيع الرفاق على المساجد بمعدل من مائتي رفيق في المسجد الواحد والتعامل مع أية حالة تثير الفتنة.
قسمت اللجنة كل مجموعة إلى ثلاث فرق: واحدة داخله وواحدة للاستطلاع خارجه
(التتمة ص13)








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.