8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

اغتيال ليتفيننكو: بريطانيا تحضّر لمعاقبة مقربين من بوتين

تتعرض الحكومة البريطانية لضغوط شعبية وسياسية متزايدة منذ صدور التقرير القضائي الذي يتهم الدولة الروسية بإغتيال عميل الاستخبارات الروسي السابق الكسندر ليتفيننكو عبر تسميم شاي احتساه في مقهى احد فنادق لندن العام 2006 بمادة البولونيوم المشع. فحتى الآن، اكتفى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بتجميد الاصول المصرفية للمتهمين الرئيسيين في الجريمة وهما الروسيان ديمتري كوفتون والنائب في مجلس الدوما اندريه لوغوفوي. لكن كاميرون يتعرض لضغط مستمر من نواب في حزبه المحافظين وفي حزب العمال ومن مارينا ليتفيننكو ارملة الضحية، اذ يرى هؤلاء ان الرد البريطاني ضئيل جدا مقارنة بحجم الجريمة التي شغلت الرأي العام على مدى 10 سنوات وصفها القضاة بأنها ارهاب نووي روسي في العاصمة البريطانية.
وعلمت المستقبل من مصدر متابع للملف ان الوزراء البريطانيين يحضرون لصياغة رزمة من العقوبات ضد عدد من الشخصيات الروسية المقربة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي لها عداوات مع ليتفيننكو وذات صلة بجريمة الاغتيال.

وكانت مارينا ليتفيننكو وجهت الاسبوع المنصرم رسالة الى الحكومة البريطانية طالبت فيها بمعاقبة 22 شخصية و5 هيئات روسية ذات صلة بإغتيال زوجها. وقد اكدت الصحف الكبرى الصادرة في لندن امس ان وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي ستلتقي الارملة الروسية هذا الاسبوع لتناقش واياها الاسماء التي ادرجتها في الرسالة والخطوات الاخرى التي يمكن الحكومة البريطانية القيام بها في سياق تحقيق العدالة. مع العلم ان موسكو رفضت جميع مذكرات الجلب التي اصدرها القضاء البريطاني يحق لوغوفوي وكوفتون المدانين بتنفيذ الجريمة.
ومن الاسماء الواردة في الرسالة ووصلت الى وسائل الاعلام: فلاديمير بوتين شخصيا، ورئيس الاستخبارات الفدرالية الروسية بين عامي 1999 و2008 نيكولاي بارتوشيف، والرئيس الحالي لوكالة مكافحة المخدرات الروسية فيكتور ايفانونف ومساعده نيكولاي اولوف، فمارينا تتهم الاثنين بامتلاك دوافع للتحريض على قتل زوجها اذ انهما يرتبطان بشبكات اجرامية ومافيوية في روسيا واسبانيا. وتشمل اللائحة ايضا اسم وزير الزراعة الروسي السابق الكسي غوردييف الذي اتهمه ليتفيننكو باستغلال السلطة لمنافع شخصية، وفلاديمير جيرينوفسكي رئيس الحزب القومي الروسي الذي اتاح للوغوفوي تمثيل حزبه كنائب في مجلس الدوما وايضا نائب آخر من الحزب نفسه مقرب من لوغوفوي هو سيرغي ابيلتسيف. ولم تقتصر الاسماء على السياسيين ورجال الاعمال فحسب بل تعدتها الى الاعلاميين اذ تضمنت اللائحة رئيسة التحرير في القناة الروسية الناطقة بالانكليزية روسيا اليوم مارغاريتا سيمونيان التي كانت دانت ليتفيننكو مرارا في تقاريرها. وبين الهيئات المطلوب معاقبتها ايضا المركز الفدرالي النووي الروسي في ساروف وهو المركز الذي يعتقد ان منفذي العملية حصلوا على البولونيوم منها.
ويستغرق كاميرون وقته في تقويم رد الفعل البريطاني. وما يؤخر قراره هو الانقسام العمودي الحاصل داخل حكومته حيال الرد الانسب اعتماده. فبينما تبدو وزيرة الداخلية تيريزا ماي الاكثر حماسة لرد مشدد ضد الروس، يحذر وزير الخارجية فيليب هاموند من ان الوقت غير مناسب لتجميد القنوات الديبلوماسية بين لندن وموسكو في هذا التوقيت الحرج حيث العديد من الملفات الدولية والامنية الملتهبة مثل الحرب على داعش تحتاج الى التواصل المستمر بين البلدين.
وبالطبع مهما كان قرار كاميرون، فإن بوتين حتما لن يدرج على لائحة العقوبات البريطانية. رغم ذلك اشار اللورد باديك الذي شغل سابقا منصبا رفيع المستوى في الشرطة البريطانية الى ان بريطانيا يجب ان تتهيأ لاتخذا تدابير مستقبلية ضد بوتين. واوضح قائلا في الوقت الراهن منع الرئيس الروسي من السفر الى بريطانيا امر غير وارد. ولكن هذا لا يمنع ان تتخذ الحكومة تدابير حظر السفر ضد بوتين على ان تدخل حيز التنفيذ بمجرد مغاردته منصب الرئاسة الروسية.
وعن سبب ترجيح لجنة التحقيق القضائية المستقلة التي حققت في الجريمة ان بوتين شخصيا متورط بإصدار الاوامر لاغتيال ليتفيننكو، فند رئيس اللجنة السير روبرت اوين في تقريره النهائي المكون من 300 صفحة عدة دوافع تشير الى احتمال وقوف الدولة الروسية وبوتين وراء الجريمة، ابرزها ان الدولة الروسية كانت تعتبر ليتفيننكو خائنا. الاستخبارات الفدرالية الروسية كانت تعتقد ان ليتفيننكو يعمل لصالح جاز الاستخبارات الخارجية البريطانية (ام اي 6). الجاسوس السابق كان معارضا لبوتين ومناهضا بشدة لسياساته وقد اتهم الرئيس الروسي في احدى المرات بالبيدوفيليا. كما كشف ليتفيننكو في كتاباته عن العلاقات التي تربط بين بوتين وحاشيته والمافيا الروسية.
وكانت التحقيقات القضائية بدأت فور وفاة ليتفيننكو وزار محققون بريطانيون موسكو عامي 2006 و2007، لكن السلطات الروسية عرقلت عملهم مرارا، فرفضت طلبهم معاينة الطائرة الروسية التي استقلها لوغوفوي وكوفتون عائدين من لندن بعيد تسميمها الضحية وهذا ما اكد للقضاء البريطاني ان الروس يمنعون المحققين من الوصول الى الطائرة لأنها حتما لا تزال تحمل آثارا من مادة البولونيوم 210 النووية القاتلة.
ولم تكتف السطات الروسية بذلك، بل صادرت اشرطة تسجيل جمعها المحققون البريطانيون بعد اجرائهم مقابلات مع المتهمين الرئيسيين، ووعدت بارسالها لهم الى لندن لاحقا. ولما أرسلت روسيا الاشرطة الى لندن، وجد المحققون ان الشرائط ناقصة كالشريط الذي سجلت عليه مقابلة لوغوفوي. كما تمكنت اجهزة الاستخبارات البريطانية من الاطلاع على محتوى هدية ارسلها لوغوفوي للمعارض الروسي بوريس برزوفسكي الذي فر الى لندن العام 2000 وفيه قميص اسود كتب على صدره عملية البولونيوم 210 - لندن، هامبورغ مستمرة، وعلى ظهره سي اس كاي موسكو. الموت النووي يطرق بابك.
وكانت لندن طالبت موسكو مرارا بترحيل كوفتون ولوغوفوي الي بريطانيا للمحاكمة، لكن موسكو رفضت القيام بذلك، مما لم يترك شكا في ضلوع لوغوفوي وكوفتون في اغتيال ليتفيننكو. وعلاوة على كل ما سبق والتفاصيل الواردة في التقرير القضائي المطول، أكدت السفارة البريطانية في موسكو ان المتهمين عندما زاراها لاستجوابهما من قبل المحققين خلفا وراءهما آثارا اشعاعية. واعلن اوين ان هناك احتمالا قويا ان تكون الاستخبارات الفدرالية الروسية هي التي امرت بتنفيذ الاغتيال وذلك يرجح ان يكون قد حصل بأمر من رئيس الاستخبارات حينها نيكولاي باتروشيف وربما ايضا بإيعاز شخصي من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. اضاف اوين لا يوجد لدينا ادنى شك في ان ديمتري كوفتون واندريه لوغوفوي هما من نفذ.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00