لطالما وزعت الاتهامات جزافاً ضد تركيا ودول عربية وغربية بأنها هي التي صنعت داعش وتسهّل له الحصول على الاسلحة والعتاد وأنها هي التي تموله بوسائل عدة أهمها شراء النفط منه. وآخر الاتهامات المباشرة التي عزفت على هذه النغمة الاتهامات الروسية المتواصلة في اليومين الأخيرين لتركيا بأنها تشتري النفط من داعش لإبقاء مصادر التمويل للتنظيم الارهابي حية.
لكن هذا الاتهام الروسي لا يتمكن من محو حقيقة دامغة ممهورة بأدلة استخباراتية ومالية ميدانية بأنه حتى موعد أقربه شهر أيلول الفائت كان نظام الأسد لا يزال يشتري النفط من داعش، لغرض وحيد هو تمويل التنظيم وإبقائه على قيد الحياة، إذ من غير المعقول ان تحتاج المناطق التي يسيطر عليها الاسد الى نفط داعش في ظل وجود مضختي نفط ضخمتين مثل ايران وروسيا قادرتين على اغراق سوريا بالنفط لو أرادتا. وبالتالي فإن الهدف الرئيسي من شراء النظام السوري لنفط داعش هو خدمة مالية يقدمها الأسد للارهابيين لأن استمرارهم على الساحة فيه ديمومته هو.
ففي العقوبات المالية الأخيرة التي قررتها واشنطن قبل اسابيع ضد رجل الاعمال السوري جورج حسواني دليل قاطع على التمويل الأسدي لـداعش، إذ إن هذا الوسيط كان يدير عمليات تبادل الخدمات النفطية ـ المالية بين المشتري (النظام) والبائع (التنظيم) طوال الفترة التي تلت الظهور السريع الفجائي لـداعش في خريف سنة 2013 حتى مدة أقربها بحسب الاستخبارات الاميركية شهر أيلول الماضي، اي قبيل بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا.
وقد لا يبرئ بعض المراقبين تركيا من غض النظر عن بعض التسللات والتحركات التي يقوم بها الدواعش عبر الحدود التركية ـ السورية، لكن موضوع تمويل التنظيم وتحديداً شراء النفط منه فهو امر يستحيل ان تقوم به تركيا لسببين: أولهما أن هناك دعماً تركياً مادياً وعسكرياً واضحاً لشتى مجموعات ثوار المعارضة المعتدلة بما في ذلك الجيش الحر وجيش الفتح والمسلحون التركمان فما صالح أنقره في تمويل تنظيم مثل داعش لا يقوم بأي مواجهة ضد قوات الأسد لا بل على العكس يقوم كلما سنحت له الفرصة بمهاجمة المجموعات المدعومة من تركيا؟ وثانيهما ان تركيا عضو ملتزم بقوانين حلف شمال الاطلسي (ناتو) وبعد حصول اعتداءات داعش الخارجية سواء في سوسة التونسية حيث قتل عشرات السياح البريطانيين او في هجمات باريس الاخيرة التي راح ضحيتها 130 شخصاً، فإن الاتراك أصبحوا مسؤولين عن امن المواطنين البريطانيين والفرنسيين تماماً كمسؤوليتهم حيال المواطنين الاتراك، وعليه فإن من غير المنطقي بتاتاً في ظل الوجود الاستخباراتي الغربي المكثف في المنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا أن يقوم الأتراك بخيانة حلفائهم الاطلسيين وتقديم دعم مالي لـداعش، لا بل على العكس، فقد أكد مصدر استخباراتي بريطاني لـالمستقبل مراراً في الاشهر الثلاثة الماضية ان تركيا تلعب دور البلد الاكثر استقامة مع الشعب السوري منذ بداية محنته. وهم يتعاونون بشكل كبير في سبيل تخليص السوريين من براثن داعش والأسد على السواء. ولولا الدور الانساني الكبير الذي تلعبه تركيا لكان ملايين اللاجئين الآن يجتاحون اوروبا، ولكان الأسد وحلفاؤه تمكنوا منذ اكثر من عام من القضاء على الثورة وسفك دماء ملايين الناس بعيداً عن العيون.
وهناك من يتهم الولايات المتحدة ودول عربية كقطر والسعودية بتمويل وتسليح داعش لكن هذه الاتهامات هي الأخرى محض افتراء. فالأراضي السعودية مثلاً كانت مسرحاً في الاشهر الماضية لعدة هجمات إرهابية داعشية. ومهما نسب الى وكالة الاستخبارات الاميركية سي أي آي واحياناً لـالموساد الاسرائيلي بتحريك داعش عن بعد، إلا أن هناك حقيقة وحيدة تبقى واضحة كعين الشمس وهي ان نظام الاسد مول داعش فعلياً بشراء النفط منه، كما ان شركة هيسكو التي يديرها حسواني لا تشتري نفط داعش فحسب، بل تكرره له ايضاً إذ إنها هي التي تدير المنشآت النفطية الداعشية.
وبالنظر في تقارير أطلسية تقارب بين المصالح المشتركة الموجودة بين داعش وموسكو، ربما من الأجدى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الموافقة على التحدي الذي وجهه له الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عندما رد له اتهامه لتركيا بشراء نفط داعش قبل يومين، قائلاً: اذا كان لديك دليل واحد ان السلطات التركية تشتري النفط من داعش اظهره وسأستقيل في الحال. وان لم يكن بحوزتك اي دليل، أظن أنه يجدر بك أنت أن تستقيل.
إلا أن ما ينقذ الرئيس الروسي من اتهام مباشر لموسكو بدعم داعش هو حادث طائرة الركاب الروسية التي أسقطتها مجموعة تابعة لداعش في صحراء سيناء بعيد مغادرتها شرم الشيخ، فلولا تلك الحادثة لكان بوتين اليوم المتهم رقم واحد في تمويل التنظيم الإرهابي، نظراً لحجم الخدمات السياسية والاستراتيجية التي يقدمها الاخير لروسيا سواء عبر منحها فرصة لنشر المزيد من قواتها في سوريا او عبر انعكاس الهجمات الارهابية في أوروبا إيجاباً على التيارات السياسية الحليفة لبوتين كحزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في فرنسا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.