شهدت فاليتا (عاصمة مالطا) امس ختام اعمال القمة الاوروبية ـ الافريقية حول شؤون الهجرة، وقمة سريعة للاتحاد الاوروبي قام خلالها القادة الاوروبيون بمراجعة ابرز ما نتج عن محادثاتهم مع نظرائهم الافارقة، محاولين اعادة حساباتهم وتقليص حجم الانقسامات التي ولدتها ازمة اللجوء والهجرة غير الشرعية بينهم. لكن نتائج القمتين لم ترقيا الى مستوى تطلعات القيمين على الاتحاد الاوروبي، اذ فشل الاووربيون في الاولى باقناع الافارقة بضرورة التعاون في موضوع ترحيل المهاجرين الذين ترفض طلبات لجوئهم، ولم تنجح الثانية في ثني عدد من الدول الاوروبية عن تجميد العمل باتفاقية شينغن، ما دفع رئيس مجلس الاتحاد دونالد توسك الى التحذير من احتمال انهيار هذه الاتفاقية التي تمنح حرية التنقل بين البلدان الاوروبية الموقعة عليها وتعتبر احدى المعاهدات الرئيسية التي يرتكز عليها كيان الاتحاد.
في القمة الاوروبية ـ الافريقية اصطدمت احلام الزعماء الاوروبيين بواقعية نظرائهم الافارقة الذين رفضوا الموافقة على خطوات مشتركة يتعاون فيها الطرفان على تسهيل عملية ترحيل المهاجرين الافارقة الذين ترفض طلبات لجوئهم الاوروبية واعادتهم الى بلدانهم الام في افريقيا. كما اعتبر القادة الافارقة ان صندوق الائتمان الذي اطلقته المفوضية الاوروبية في القمة وعد بمبلغ مليار و800 مليون يورو ليس بمبلغ كاف لإحداث تنمية حقيقية في بلدان افريقية فقيرة وخلق فرص عمل كافية لإغراء الشبان الافارقة بالبقاء في اوطانهم والعدول عن الهجرة الى اوروبا.
رغم ذلك، تم الاتفاق على خطة عمل مشتركة ترتكز على هذا الصندوق كبداية. وفي هذا الاطار، اعلن رئيس وزراء مالطا جوزف موسكات في مؤتمر صحافي في ختام القمة ان مقررات القمة ليست سوى خطوة على الطريق الصحيح من أجل التصدي للهجرة غير الشرعية، فلا أحد كان يتوقع التوصل إلى حلول كاملة، لكن النقاش كان صريحا وجادا. وبالطبع هناك نقاط خلاف واتفاق. وشدد البيان الختامي لمؤتمر فاليتا على عدة بنود ابرزها باختصار ضرورة التصدي للأسباب الرئيسية للهجرة غير الشرعية، مثل ضعف الاقتصاد والتنمية في افريقيا، دعم التوجه نحو شرعنة الهجرة بين افريقيا واوروبا من خلال تدابير مدروسة تسهل على الافارقة الشباب كسب الخبرات الاوروبية والعودة الى ديارهم لتطبيقها، محاربة شبكات تهريب البشر.
وأرفق المؤتمرون بالبيان الختامي تفاصيل خطة عمل مشتركة تتضمن إجراءات محددة يتعين على الدول التي شاركت في القمة العمل بها وتنفيذها قبل حلول نهاية العام المقبل 2016. وتلخص المستقبل اهم ما ورد في خطة العمل هذه على الشكل الآتي: اولا إطلاق صندوق إئتماني خاص بأفريقيا بقيمة قدرها مليار و800 مليون يورو، الهدف منه انشاء مشاريع تنموية وخلق فرص عمل في شرق افريقيا وغربها، هذا بالاضافة الى استمرار المساعدات السنوية التي يقدمها الاتحاد الاوروبي سنويا للتنمية في افريقيا وتقدر قيمتها بعشرين مليار يورو. ثانيا رفع مستوى وقيمة المنح العلمية المقدمة للشباب والباحثين الأفارقة عن طريق توسيع أفق برنامج إيراسموس للبحث العلمي. ثالثا التأكد من نجاح مشروع النيجر لجمع المهاجرين الراغبين في التوجه الى اوروبا ودراسة طلباتهم في مراكز في النيجر والسماح فقط لمن يستوفي شروط اللجوء بالتوجه الى أوروبا، على ان يتم تعميم هذه التجربة على بلدان افريقية اخرى في حال نجاحها. رابعا موافقة الدول الافريقية على استقبال المهاجرين الذين ترفض طلبات لجوئهم في اوروبا او الذين تنتهي مدة اقامتهم القانونية في دولة اوروبية، واستعداد اوروبا لتحمل بعض نفقات الترحيل مع تشجيع فكرة العودة الطوعية على ان وافق الدول الافريقية على تسريع مسار الترحيل وتسهيله.
لكن معظم القادة الافارقة المشاركين في المؤتمر لم يوافقوا على جميع ما ورد في خطة العمل المشتركة هذه، التي قد يكون اعدها الاوروبيون قبل انعقاد القمة. وعلمت المستقبل من ديبلوماسي اوروبي في القمة ان 10 دول افريقية وافقت على الخطة كما هي. كما ان الخطة والبيان الختامي لم يحتويا ايا من النقاط الجوهرية التي تعتبر بحسب المراقبين والخبراء اسبابا اساسية تدفع المواطنين الافارقة الى مغادرة بلادهم ورمي انفسهم في امواج المتوسط املا في الوصول الى اوروبا. وابرز هذه الاسباب على سبيل المثال: موضوع الفلتان الامني وتفشي الإرهاب وانعدام الاستقرار وكتم الحريات، وكل هذه امور، بغض النظر عن المشاكل الاقتصادية والبيئية، تجعل الحياة في كثير من الدول الأفريقية امرا شبه مستحيل.
ولم يتردد الرئيس السنغالي ماكي سال الذي تحدث الى جانب توسك وموسكات في المؤتمر الصحافي الختامي للقمة، في التعبير عن عدم رضا الإفريقيين من الخطة المعلنة، داعيا الى ضرورة تحسين هذه الخطة، بما في ذلك زيادة الأموال المخصصة لتنفيذ ما جاء فيها. واكد ان جل ما حصل في القمة كان الحوار المباشر الذي يفيد الطرفين. وعلينا الإستمرار في هذا النهج لمعالجة مسألة مهمة جدا بالنسبة لنا نحن هنا في افريقيا وهي كيفية ايجاد صيغة قانونية واضحة لموضوع سفر وتنقل الأشخاص بين القارتين. وكان الهدف من القمة الأوروبية ـ الأفريقية توطيد التعاون بين دول القارتين من اجل التصدي لأزمة الهجرة غير الشرعية الآخذة في التفاقم على نحو متواصل، وانهاء المآسي الانسانية بعد غرق الآلاف من المهاجرين في مياه البحر الابيض المتوسط. وأمل القادة الاوروبيون في هذه الاجتماعات، اقناع اصدقائهم الافارقة بضرورة التكاتف بمسؤولية من اجل تطويق هذه الأزمة التي بدأت تسبب ارقا مستديما لصناع القرار في القارة البيضاء وتخلق ما يشبه ثورات شعبية في بلدان اوروبية ضد تسونامي اللاجئين الزاحف اليها.
اما القمة الاوروبية التي عقدت مساء فضمت دول الاتحاد الـ28 بالاضافة الى دول اوروبية من خارجه موقعة على شينغن مثل سويسرا والنروج. ولكن القمة لم تسفر عن الشيء الكثير لجهة تجاوز الانقسامات الحادة حول كيفية التعامل مع ازمة اللاجئين، بل دارت النقاشات فيها بشكل اكبر حول مدى قدرة كل دولة اوروبية على الاسهام في تأمين مبالغ مالية كافية لدعم الخطة الاوروبية - الافريقية المشتركة. واعلنت المانيا انها عادت الى تطبيق قوانين الهجرة وفق اتفاقية دبلن التي تحرم اي لاجئ مرفوض من دولة اوروبية ما من تقديم طلب لجوء جديد الى دولة اوروبية اخرى، وفي هذا دليل على ان برلين متجهة الى تشديد الخناق على المهاجرين الزاحفين اليها. كما ان سلوفينيا اقامت سياجاً شائكاً على حدودها لوقف سيل اللاجئين القادمين اليها عبر كرواتيا. وبما ان العديد من الدول الموقعة على اتفاقية شينغن بدأت بإعادة نقاط التفتيش الى حدودها فمعناه انه كلما طال امد هذه التدابير التي تفرضها موجات اللاجئين كلما اصبحت تلك الاتفاقية مجرد حبر على ورق.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.