عمم حلف شمال الاطلسي (ناتو) الاسبوع الماضي تحليلا دقيقا بعنوان نهج روسيا تجاه داعش: مصالح الشر الخفية، شرح فيه الخدمات التي يقدمها تنظيم داعش الأممي لسياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. واتهم الحلف موسكو مباشرة بأن وجود داعش وتزايد نفوذه يخدم مصالحها، وان تدخل الجيش الروسي في سوريا ليس الهدف منه القضاء على الارهابيين بل فرض روسيا كقوة جديدة قادرة على جلب الاستقرار الى منطقة الشرق الاوسط.
داعش بعين الأطلسي
وقال التقرير الذي نشرته المجلة الرسمية للحلف ناتو ريفيو ان العديد من المراقبين الغربيين يشبهون تنظيم داعش بأنه بعث جديد لبرابرة القرون الوسطى. ولكن في الواقع من الأجدى مقارنته مع حركات ثورية من الماضي، ولا سيما الثورة البولشفية التي حصلت في روسيا عام 1917. فداعش يشاطر البلاشفة امميتهم الغريبة، التي تخوله تجنيد الناس بغض النظر عن العرق أو الأصل أو مكان المنشأ. ومن المفارقات، ان هذه الخاصية في داعش لها آثار إيجابية بالنسبة لروسيا، فقد ساهمت عولمة داعش في تفكيك واضعاف مقاومة الاسلاميين الاصوليين في داخل روسيا لأن العديد من هؤلاء انتقلوا إلى الشرق الأوسط، الامر الذي قلص حجم التهديد الداخلي الذي كانوا يشكلونه على روسيا. علاوة على ذلك، قدم داعش لموسكو فرصة للانخراط في منطقة الشرق الأوسط، حيث ـ على الرغم من تصريحات الكرملين حول اسباب التدخل العسكري في سوريا ـ فإن مصالح روسيا لا تتعلق مباشرة بمكافحتها داعش.
أضاف الناتو مثل البلاشفة، داعش تنظيم مناهض لمبدأ الدولة. وهذا جانب من أهم جوانب الأيديولوجية الثورية. فلا البولشفيين ولا الدواعش بنوا دولة بالمعنى المعهود: هيكل مع بيروقراطية تراتبية صارمة؛ مصالح جيوسياسية محددة، ورغبة في أن تكون جزءا من مجموعة من القوى. مع البلاشفة، حصل بناء الدولة في وقت لاحق بعد سنوات الانتصارات في الحرب الأهلية. ففي السنوات الأولى للثورة، كان البلاشفة في مزاج مشابه لمزاج عناصر اليوم. كانوا يريدون ثورة في جميع أنحاء العالم، وخلق طوباوية اسمها جمهورية العمال والفلاحين تعيش في وئام وخالية من الظلم. الداعشيون اليوم بدورهم لا يخططون لإنشاء دولة بالمفهوم الاعتيادي للدولة لأنهم لا يرون دولتهم كنموذج مشابه لأي من الدول الحالية، واعلانهم الخلافة وتشبهمم بما يعرف بالخلافة الاسلامية الأولى ما هي الا اعلانات صورية فقط. فالنماذج السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يتبنوها في مناطقهم هي نتاج الحداثة وليست وفق نصوص القرون الوسطى. واسلوبهم هذا يجعل من الدواعش اشبه بثوريي الحقبات التاريخية السابقة: كالثوار الفرنسيين الذين تمردوا على تقاليد اليونان القديمة وروما. وتجدر الاشارة الى ان البلاشفة لطالما امتدحوا فضائل الثورة الفرنسية. ومع ذلك فإن الثوار الفرنسيون لم يكونوا من قدامى الرومان، ولا البلاشفة كانوا ثوارا فرنسيين.
كيف تستفيد روسيا؟
وتابع التقرير من الجوانب الأساسية الاخرى لفكر داعش وممارساته، قدرته على الاستقطاب ليس عبر توجيه النداء إلى الخلافة العالمية كنقطة أوميغا ولكن أيضا قدرته على الاتسام بما اسماه البلاشفة الأممية او العالمية. وبالطبع بنى البلاشفة ثورتهم على العقائد الماركسية، اذ كانت العقيدة الرئيسة الصريحة الشعار الشهير يا عمّال العالم اتحدوا، هذه النظرية ترتكز على التخلص من القومية بوصفها ايديولوجية بورجوازية تفصل البروليتاريين عن بعضهم البعض وتمنعهم من الاتحاد في اتجاه هرمجدون نهائي يلغي الصراع الطبقي ويؤدي إلى الشيوعية التي تعني قفزة في أبعاد مختلفة. يمكن أيضا أن يقال هذا عن متطرفي داعش، فأنصارها اعلنوا أنه لا يوجد انقسامات عرقية، أو بمعنى ادق، أن الانقسامات العرقية لا معنى لها. وانجذابهم للإسلام المبكر له أسباب، فالشعوب قبل العصر الحديث لم يكن لديهم شعور الانتماء العرقي. لكن رغم ذلك يبقى تقليديا ان العمود الفقري الأصلي للإسلام انه عربي أساسا. ولهذا فإن التركيز الداعشي القوي على الأممية، أي التجاهل التام للخلفية العرقية والانفتاح على ضم الأجانب يعتبر امرا حديثا او على الاقل من وحي الزمن المعاصر. وفي هذا السياق البلاشفة ايضا رحبوا بالأجانب. فما هي آثار هذا النهج على روسيا، وكيف اسهم في تحديد سياسة بوتين؟.
ويضيف التقرير ان هجرة الأجانب إلى الأراضي التي تسيطر عليها داعش لها آثارها على المجتمع الدولي. كما كان الحال مع أولئك الذين انضموا للحركات الثورية في الماضي ـ بما في ذلك البلاشفة ـ هناك مجموعة متنوعة من الدوافع والأسباب التي دفعت هؤلاء الى الهجرة من اجل الجهاد. أعدادهم كبيرة، ازدادت من عدة مئات إلى عدة آلاف في خلال اشهر. بضعة آلاف منهم من الاتحاد السوفياتي السابق. ويوجد المئات من مسلمي آسيا الوسطى. ويرجح ان مئات منهم ايضا قدموا من الجيوب المسلمة في قلب روسيا مثل تتارستان وبشكيريا. ومع ذلك، فإن الأغلبية بوضوح هم من شمال القوقاز الروسي، لا سيما من الشيشان. وهذا يعود بالفائدة على الكرملين إلى حد كبير، اذ انه يخفف من المشاكل التي عانى منها كل من يلتسين وبوتين في الحقيبة التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي. وعلاوة على ذلك، فقد وفرت هذه الهجرة لبوتين الفرصة للمشاركة في الصراع السوري دون خوف من عواقب محتملة. ولفهم هذا، ينبغي للمرء النظر في تاريخ تعامل الكرملين مع شمال القوقاز. ويتابع التقرير: لقد أثار انهيار الاتحاد السوفياتي العديد من الأقليات داخل الاتحاد الروسي. ومع ذلك، فإن الصراع في شمال القوقاز الروسي هو الوحيد الذي أخذ منحى عنيفا. وقد خيضت الحرب الشيشانية الأولى بين سنتي 1994 و1996 تحت شعارات قومية. ودعمت الولات المتحدة وتركيا الشيشان بشكل مباشر وغير مباشر. ومع ذلك لم يتردد صدى القومية الشيشانية لدى العديد من القوميات الأخرى في القوقاز وما وراءها. وكانت الشيشان قادرة على تحقيق الاستقلال، إن لم يكن بحكم القانون على الأقل بحكم الأمر الواقع، عندما اضطرت موسكو للتوقيع على اتفاق مهين في خاسافيورت في آب 1996. ومع ذلك، لم يكن اي من الطرفين راض عن نتائج الاتفاق، وفي سنة 1999، اندلعت حرب الشيشان الثانية. وفي ذلك الوقت، فهم بوتين أنه لن يتمكن من اخضاع الشيشان بالقوة أو على الأقل، ان هذا من شأنه ان يكبده خسائر مكلفة. وهذا ما دفعه الى تبني تكتيكات مختلفة. فجاء بعشيرة قديروف على انهم خلفاء في الشيشان، ومنحهم حرية الحكم تقريبا مقدما لهم اعانات ضخمة.
واستطرد التقرير قوضت سياسات بوتين الجديدة موقف القومية الشيشانية كأيديولوجية للقتال. وهذا ما ادى في عام 2007 الى اعلان دوكو عمروف، زعيم دولة الشيشان الوهمية، انها امارة داعيا الى نبذ القومية الشيشانية ومناديا بالدعوة الإسلامية الأممية. نجح هذا النهج، على الأقل في المدى القصير، وجذب إلى جانب عمروف مسلمين من جميع أنحاء شمال القوقاز وما وراءها. لكن مع مرور الوقت، اصبحت الأممية على نحو متزايد، خاصة في السنوات الثلاث الماضية، عبئا على هذه الإمارة وذلك لازدياد عدد مقاتلي شمال القوقاز الذين اتخذوا قرارا بالهجرة والجهاد في الشرق الاوسط. وزادت هذه الهجرة بشكل ملحوظ تحت اشراف علي اسخب كيباكوف الذي تولى القيادة بعد عمروف. وفي موازاة ذلك، أجرى الكرملين حملة مستمرة وبلا هوادة ضد قوات الإمارة. وبعد مقتل كيباكوف في عام 2015، وكذلك خلفه، محمد سليمانوف، الذي كان على رأس العمل لبضعة أشهر فقط، لم يتم تثبيت أي زعيم جديد لـالإمارة. وهذا دل على تفكك المقاومة القوقازية الشمالية كقوة متماسكة اذ تقلص عدد الهجمات الإرهابية التي تقوم بها في المنطقة بشكل ملحوظ. واليوم بعد 25 عاما، يبدو ان الحرب في شمال القوقاز الروسي قد وصلت إلى نهايتها. وفي حين لا يزال هناك احتمال أن بعض الجهاديين سيعودون إلى روسيا، لكن اي عودة جماعية غير مرجحة الحدوث.
ورأى التقرير أن التحرر من المخاوف الجهادية في الداخل منح بوتين مطلق الحرية في الانخراط في مشاريعه السورية. وهذا هو السبب الذي ينبغي للجميع ان يفهمه ليدرك ان روسيا لا تتخذ خطواتها العسكرية في سوريا خوفا من داعش؛ لأن التنظيم الارهابي ساعد بوتين على تدمير المقاومة القوقازية الشمالية والغائها كقوة منظمة. وبالتالي فإن هدف روسيا الحقيقي من مغامرتها السورية هو أن تثبت وصولها الى الشرق الأوسط وتعزز اهمية دورها فيه. وبتحركاتها هذه أرسلت روسيا رسالة ليس فقط للولايات المتحدة بل لجمهور أوسع من ذلك بكثير، فهي تشير إلى كل من العرب في الشرق الأوسط وإلى إسرائيل ـ في الوقت الذي حلفاء واشنطن في المنطقة قلقون من تردد الولايات المتحدة ـ بأن موسكو يمكن أن تكون البديل الاجود.
ووفق التقرير فإن الجانب الثاني المهم من مشروع بوتين السوري هو نداء ضمني إلى أوروبا لإعادة ادخال روسيا إلى الغرب. فمنتقدي بوتين غالبا ما يتهمونه بالتهور واللاعقلانية وبانه قومي روسي يريد توسيع إمبراطوريته مهما كان الثمن حتى وان لزم ذلك المواجهة مع الغرب. لكن في الحقيقة ليست هذه حال بوتين. فالرئيس الروسي والنخبة الروسية، التي يمثل مصالحها، لا يريدون حقا الانفصال عن أوروبا بطريقة الحرب الباردة، لأن هذا يتطلب تضحيات كبيرة من النخبة والطبقة الوسطى في روسيا. توقعات بوتين الإمبريالية هي أيضا محدودة نوعا ما فحتى في أوكرانيا، لم تقم روسيا بغزو علني ولم ترسل جيوشها إلى كييف كما تنبأ كثيرون. ليس فقط الإمبراطورية تتطلب استثمارا اقتصاديا كبيرا ولكن توسعها غربا سيدفع أوروبا اكثر الى معاداة روسيا والاقتراب اكثر من الولايات المتحدة. غزل بوتين مع الصين وإيران يعكس الرغبة في الإظهار للغرب أن موسكو لديها خيارات أخرى، وليس مظهرا من مظاهر التفكير آحاديا باحتضان آسيا وقطع جميع العلاقات مع الغرب. فالتقرب من الغرب، وخاصة من أوروبا، لا يزال احد الأهداف الرئيسة لبوتين ـ وهذى الهدف يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند مراقبة التحركات التي يقوم لها بوتين في سوريا. فمن خلال الانخراط في سوريا، بوتين يسعى لأن يثبت لأوروبا أن روسيا يمكن أن تكون قوة رائدة في إنقاذ أوروبا والحضارة الغربية من خطر العنف والتطرف الإسلامي، ولذلك يجدر بالأوروبيين عدم نبذ موسكو.
وختم الناتو مراجعته التحليلية بالسؤال ما هي الآثار العملية لهذه الإجراءات؟ والجواب من جهة، التخلص من تهديد التمرد الإسلامي داخل روسيا، والاستفادة من قوة جذب داعش للمتطرفين الروس، فموسكو واثقة بما فيه الكفاية من بقائها في الشرق الأوسط لفترة طويلة مما يفرض احترام مصالحها في المنطقة. من جهة أخرى، موسكو ليست ملزمة بمواجهة حرب باردة مع أي قوة قائمة وستكون سعيدة للتعاون مع أي من القوى التي تحترم مصالحها. ومع ذلك، يجب أن نتذكر أنه في حين أن موسكو وعواصم أخرى لديها خططها الخاصة في منطقة الشرق الأوسط، الا ان مجريات الأحداث على ارض الواقع قد لا تكون دائما متوقعة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.