ادت الانتهاكات المستمرة لحقوق الانسان في الشرق الاوسط وشمال افريقيا الى تسونامي هجرة غير شرعية الى الجنة الموعودة في اوروبا. وفشلت كل التحصينات التي وضعتها الدول الاوروبية على حدودها في منع المهاجرين غير الشرعيين من التسلل اليها، فحتى المملكة المتحدة التي هي جزيرة لم تتمكن من منع بعض الشبان المستميتين من التسلل الى اراضيها على متن شاحنات او في حقائب السيارات او حتى سباحة عبر القناة الانكليزية. ومع استمرار البركان الامني المتفجر في قلب الشرق الاوسط وتحديدا سوريا ورفض الاوروبيين استقبال لاجئين مسلمين على اراضيهم، فإن الازمة لا تتجه ابدا نحو الحل بل الى المزيد من التصعيد الى درجة بدأت فيها المخاوف من وقوع حروب اهلية في بعض البلدان الاوروبية تتعاظم.
اخطاء كلامية لزعماء اوروبيين ممتزجة بتزايد كبير لشعبية الجماعات والاحزاب القومية والمسيحية والمتعصبة ترسم لوحة قاتمة لمستقبل العيش المشترك والانفتاح الحضاري في ابرز البلدان الاوروبية. هذا هو الوضع الراهن الذي يلخص حالة اوروبا التي بدأت تغلي داخليا كبركان يترقب لحظة الانفجار. فوسائل الاعلام تهول من خطر التهديدات الارهابية الاسلامية بشكل شبه يومي وتسلط الضوء بشكل موسع وفضفاض على جرائم داعش الوحشية، مما يسهم بشكل مباشر في تأجيج مشاعر الاسلاموفوبيا.
الجرائم التي يرتكبها المتطرفون الاوروبيون قوميا او مسيحيا ضد المهاجرين المسلمين اصبحت تحدث بصورة شبه يومية وقلما يتحدث الاعلام العالمي عنها. لكن سهولة التواصل عبر شبكة الانترنت تصعب من قدرة اي بلد اوروبي على اخفاء عيوبه الاجتماعية والجرائم التي يرتكبها ابناؤه المتطرفون، والتقارير الآتية من المانيا نواة الاتحاد الاوروبي مقلقة للغاية حيث سجلت خلال هذا الصيف ارقاما غير مسبوقة في الاعتداءات التي تستهدف المهاجرين الى حد دفع ببعض طالبي اللجوء الى المانيا الى تمزيق طلباتهم قبل تقديمها رسميا بسبب شعورهم بالمهانة والخوف على حياتهم من الصليبيين والنازيين الجدد.
وتناقلت بعض وسائل الاعلام قصة لاجئ سوري معارض للديكتاتور بشار الأسد عمره 27 يدعى طاهر دفعت به الحالة المزرية في بلده الام وتدمير النظام السوري المنزل الذي كان يعيش فيه الى مغادرة سوريا، ووصل به القدر الى المانيا التي زعمت مستشارتها انغيلا ميركل انها اكثر بلد اوروبي احتضانا للاجئين وخاصة الآتين من سوريا. لكن شريحة كبيرة من شعب ميركل رأيها مخالف ولا تود ابدا احتضان هؤلاء المشردين الاسلاميين. وقد بدأت عصابات منهم متماهية مع حركة بيغيدا (القوميون الاوروبيون ضد اسلمة الغرب) باستغلال موجة الاحتجاجات في المدن الالمانية (لا سيما في درزدن) على منح اللجوء للمزيد من المسلمين، لكي يرتكبوا جرائم بحق المهاجرين. ولا تزال ارقام الضحايا غير واضحة حتى الآن بسبب صعوبة معرفة هوية اللاجئين وحصر عددهم لمعرفة عدد المفقودين منهم. هذا الواقع المرعب الذي اصطدم به السوريون الفارون من وحشية الأسد وداعش دفع بمجموعة منهم بينها طاهر الى تمزيق طلبات اللجوء الى المانيا ومطالبة السلطات هناك بإعادتهم الى بلادهم. ولكن اي بلاد هذه التي سيعودون اليها؟ خمس سنوات ولم يحرك المجتمع الدولي ساكنا لوقف الابادة الجماعية التي يرتكبها نظام الأسد وحلفاؤه الايرانيون والروس وخصومه الشكليون الداعشيون بشكل يومي في سوريا.
لقد اعترفت وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي بالأمس انه رغم السياج عند مدخل نفق المانش وتعزيز امن الحدود فإن العشرات من المهاجرين غير الشرعيين المستميتين لبلوغ بريطانيا يتمكنون من تحقيق مرادهم بالتسلل على متن بعض العربات القادمة من فرنسا. وربما يكون اجدى ببريطانيا والدول الاوروبية الاخرى دراسة وضع هؤلاء المهاجرين بشكل دقيق فمن كان بلده الام غير صالح للعيش كما في سوريا اليوم فليتم منحه حق الاقامة بصورة شرعية مؤقتة الى حين انتهاء الحرب في موطنه. لكن عدم وجود هذا النوع من الرغبة لدى اي زعيم اوروبي يثير القلق بشكل جدي من ان زعماء العالم فعلا لا يرغبون في انهاء البركان السوري وان هذه الصراع قد يطول لفترة اقلها نهاية العقد الحالي
نحن الشعب وليس هؤلاء، اطردوا هؤلاء المجرمين الى بلدانهم، اعيدوا لنا وطننا الام. من السهل جدا على هؤلاء المتطرفين الاوروبيين رفع شعاراتهم المقززة المفعمة بالكراهية ضد مهاجرين محتاجين لا ديار لهم ينامون فيها. ومن السهل لأمين عام الامم المتحدة بان كي مون وزعماء الدول الكبرى الاستمرار في الاعراب عن قلقهم حيال ابادة سوريا وتدميرها، ولكن شاشات الاعلام وشبكة الانترنت واللاجئين انفسهم يشهدون على وقوف العالم بأسره متفرجا على معاناة الابرياء تحت اقدام البرابرة. وما المعركة التي تخوضها الآن الحكومات والشعوب الاوروبية ضد تسونامي اللاجئين ما هي الا بداية موسم حصاد ما زرعته الاسرة الدولية من تجاهل لظلم يرتكب يوميا بحق العرب وتحديدا السوريين والفلسطينيين والعراقيين والليبيين واليمنيين واللبنانيين.
ان من لا يدافع عن حقوق الانسان في كل مكان دون تمييز، ومن لا يعمل جهده لنصرة المظلوم في وجه الظالم، لا يمكنه ارتداء زي الحضارة ولا بد وان يأتي اليوم الذي يدفع فيه ثمن الوقوف متفرجا، فالفرجة لم تكن يوما مجانية والتاريخ ينطق بالبراهين. نعم لا زال هناك شريحة كبيرة من الشعوب الاوروبية ترفض الظلم الذي يجري وتحاول احتضان اللاجئين اليها لكن هؤلاء صوتهم بالكاد مسموع والمساحات الاعلامية المتاحة لهم ضئيلة جدا، شجاعتهم دفعت بهم الى الشوارع لمواجهة التظاهرات المتطرفة الحاقدة، لكن الحضاري لا يقتل انما الحاقد مجرم. والحروب الاهلية غالبا ما يدفع ثمنها الابرياء ويتفنن في اشعالها الجهلة الحاقدون. فهل تستمر دقات الساعة الاوروبية قدما الى حين وقوع معارك اهلية بين الطرفين؟ ام ان قادة الدول الكبرى سيدركون قبل فوات الاوان ان تصحيح اخطائهم الشرق اوسطية الفادحة اولوية طارئة لا تحتمل التأجيل. وابرز هذه الاخطاء: التفرج على اجرام الأسد، والسكوت الدائم عن جرائم اسرائيل، والاجتياح اللا شرعي للعراق الذي كان بمثابة المسمار الرئيسي الذي دق في نعش استقرار الدول العربية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.