احتفلت روسيا اول امس بالعيد الوطني السنوي للبحرية العسكرية. وحدد الكرملين الاستراتيجية الجديدة التي سيعتمدها الاسطول الحربي الروسي خلال السنوات المقبلة في مواجهة النفوذ الموسع المتزايد لحلف شمال الاطلسي (الناتو) في المناطق المحيطة بروسيا. وترتكز هذه الاستراتيجية على نقطتين: الاولى زيادة عديد القطع البحرية في المحيط المتجمد الشمالي الذي يعتبر بوابة للاسطول الروسي على المحيطين الاطلسي غربا والهادئ شرقا، والثانية تعزيز التعاون الاستراتيجي مع كل من الصين في مياه الهادئ والهند في مياه المحيط الهندي.
ففي حفل اقيم في قاعدة بالتيسك الروسية في اقليم كاليننغراد الرابض على ضفاف بحر البلطيق، بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عمم المنظمون على المشاركين ووسائل الاعلام منشورا من 46 صفحة تشرح تفاصيل الاستراتيجية البحرية الروسية الجديدة. وتحدث نائب رئيس الوزراء الروسي ديميتري روغوزين بشكل ملخص عن ابرز ما ورد في المخطط الجديد، فقال ستعزز روسيا من قوتها البحرية في المحيطين المتجمد الشمالي والاطلسي كرد على تحركات حلف شمال الاطسي بالقرب من الحدود الروسية. اضاف سنرسل اسطولا جديدا من كاسحات الجليد الى المحيط المتجمد الشمالي الذي ستكون له الاولوية القصوى في المرحلة المقبلة فعبره يمكن الاسطول الروسي الوصول دون اي قيود الى مياه المحيطين الاطلسي والهادئ.
واوضح روغوزين تسمح الاستراتيجية الجديدة لنا بتحقيق مرادنا على جهيتن. الاولى جهة المحيط الاطلسي التي يجب دائما الحذر منها فتحركات حلفاء الاطلسي الاخيرة ونشر قوات الناتو بالقرب من الحدود الروسية يدفعنا حتما الى الرد. الجهة الثانية هي للمحيط الهادئ حيث سنسعى الى تعزيز تعاوننا الاستراتيجي والتنسيق التقني مع كل من الصين في مياه الهادئ والهند التي تشرف على مياه المحيط الهندي. وختم نائب رئيس الوزراء بالتأكيد على ان روسيا ستنشر ايضا قطعا بحرية جديدة في قواعدها في كل من القرم وسيفاستوبول وستعمل على تعزيز الوصع الاقتصادي في هاتين المنطقتين. وسنقوم بإيجاد محطات لأسطولنا في البحر الابيض المتوسط.
وتعارض روسيا نشر الاطلسيين درعا صاروخية في بولندا وهي كانت في وقت سابق ارسلت صواريخ بالستية قصيرة المدى من طراز اسكندر الى اقليم كالينينغراد الذي له حدود مباشرة مع بولندا. وكاليننغراد هي منطقة منفصلة جغرافيا عن روسيا، لكنها تابعة سياسيا لها. فقد قررت موسكو بعيد انفراط الاتحاد السوفياتي ابقاء هذه المنطقة جزءا منها نظرا الى أهميتها الاستراتيجية الحساسة، فهي موطئ قدم للروس في مياه بحر البلطيق وهي المعقل الرئيسي لاسطول الحرب الروسي في البلطيق. ويبلغ تعداد سكانها نحو مليون نسمة وهي تشكل الحدود الوحيدة لروسيا مع كل من بولندا وليتوانيا. ولهذا فإن الحشد العسكري الروسي فيها في الآونة الاخيرة اذا كان يقلق بولندا فهو يرعب بشكل اكبر ليتوانيا ومن ورائها لاتفيا واستونيا، لأن كاليننغراد تعتبر همزة وصل تلك الدول مع باقي الدول الاوروبية، والانتشار العسكري الروسي فيها يثير مخاوف البلطيقيين من ان موسكو تسعى الى محاصرتهم وعزلهم عن حلفائهم في الاتحاد الاوروبي والناتو.
وبنت بولندا في الشهرين الأخيرين 6 ابراج مراقبة بارتفاع 50 مترا لمراقبة الحدود بين بولندا وكاليننغراد الممتدة بطول نحو 200 كيلومتر. أما الجارة الشمالية لكاليننغراد اي ليتوانيا فيسود حكومتها قلق بالغ من التحركات العسكرية الروسية خاصة بعدما اكدت الرئيسة الليتوانية داليا غريبوسكايتي لشعبها ان روسيا ارسلت في آذار الفائت الى كاليننغراد صواريخ من طراز اسكندر القادرة على حمل رؤوس نووية. وقد عزز الجيشان الليتواني والبولندي مواقعهما على الحدود الشمالية والجنوبية لكاليننغراد، لكن قدرتهما الدفاعية تبقى محدودة امام قدرات الجيش الروسي واسلحته الفتاكة كصواريخ اسكندر هذه القادرة على ضرب عواصم اوروبية ابعد من وارسو كبرلين مثلا.
ميدانيا، وفي اطار التحصينات الاوكرانية الدفاعية لصد اي عمل عسكري روسي مفاجئ، أرسلت وزارة الدفاع الاوكرانية فرقة مكونة من 7000 جندي الى حدودها الجنوبية الغربية مع اقليم ترانسنيستريا الذي يقطنه غالبية من الاثنية الروسية ويحاول بدعم من موسكو الانفصال عن مولدوفا. وتزامنت الخطوة الاوكرانية مع تقارير اعلامية تفيد بأن وزارة الدفاع الروسية ستنشر طائرات حربية ضخمة وقاذفات بعيدة المدى للقنابل من طراز توبوليف تي يو 22 ام 3 في شبه جزيرة القرم في توجه عسكري جديد لم تتضح حتى الآن الغاية منه، ولكنه يثير مخاوف كييف من ان روسيا تعمد الى حشد قدراتها العسكرية في شرق اوكرانيا وجنوبها في عملية تطويق محتملة قد تسبق اجتياحا شاملا لا يزال مجرد التفكير به يسبب الكوابيس للاوكرانيين.
وتدوالت وسائل الاعلام الروسية الاسبوع الفائت موضوع نشر القاذفات الروسية البعيدة المدى في القرم، واول من نقل الخبر عن مصدر مجهول في وزارة الدفاع الروسية كان وكالة انترفاكس. ويحاول الخبراء العسكريون في اوكرانيا والغرب فهم هذه الخطوة استراتيجيا وعسكريا. ويرى البعض انها قد تكون تحركا روسيا استباقيا في مواجهة المخطط الاميركي لنشر درع صاروخية في رومانيا، لكن البعض يستبعد المنحى الدفاعي لهذا التحرك ويرى فيه ناحية هجومية اذا كان الهدف الروسي هو اوكرانيا. ويشار الى ان حلف شمال الاطلسي بدأ ببناء الدرع الصاروخية ونشر مضادات للصواريخ الروسية في قاعدة ديفيسيلو الجوية في رومانيا منذ تشرين الاول عام 2013 والعمل لم ينته هناك حتى الآن. وتعتبر قاذفات التوبوليف البعيدة المدى سلاحا ماضيا محتملا ضد اي حاملات طائرات اطلسية قد تدخل مياه المنطقة للدفاع عن اي دولة تتعرض لهجوم روسي.
ويستمر مسلسل حشد القدرات العسكرية وتبادل العقوبات الاقتصادية بين روسيا والناتو منذ استيلاء موسكو على القرم العام المنصرم. وتواجه موسكو حاليا هجرة شاملة لكبار المستثمرين الدوليين من الاقتصاد الروسي الذي بدأ يتجه جديا الى الركود للمرة الاولى منذ عام 2009 (اثر تداعيات ازمة 2008 المالية العالمية). وآخر المغادرين مؤسسة بي ان بي باري با الفرنسية التي رأت من الافضل مغادرة السوق المالية الروسية رغم انه لم يمض على بدء مشاريعها هناك اكثر من 6 اعوام. وقدرت وكالة بلومبرغ للأنباء اجمالي رؤوس الاموال التي غادرت حتى الآن الاقتصاد الروسي منذ احداث القرم العام الفائت بنحو 240 مليار دولار اميركي، فيما انخفضت قيمة النفط الروسي الى نحو النصف عما كانت عليه العام الفائت.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.