8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاتفاق بين أوباما والكونغرس

بمجرد اعلان الاتفاق مع ايران امس، بدأ الرئيس الاميركي باراك اوباما معركته الديبلوماسية الاخيرة قبل ادخال الاتفاق حيز التنفيذ، وهي معركة داخلية بحتة حيث يأمل اوباما الحصول على دعم كامل من الكونغرس لـاتفاق مهم بهذا الحجم بحسب تعبيره. وسيكون امام الكونغرس ابتداء من الاسبوع المقبل مدة 60 يوما (بما فيها العطلة الصيفية ضمنا) لدراسة الاتفاق بحذافيره وهي مدة كافية لمناهضيه لايجاد المبررات الكافية لرفض بعض ما ورد فيه والمطالبة بتعديله. ورغم احتمال رفض مجلس واحد على الاقل من مجلسي الكونغرس (اي اما الشيوخ واما النواب) للاتفاق بصيغته الحالية، الا ان اوباما كان واضحا عندما قال انه سيستخدم الفيتو ضد اي تشريع قد يتبناه الكونغرس لعرقلة تطبيق الاتفاق.
فمن البيت الابيض رحب أوباما بالاتفاق الموقع بين الدول الكبرى وإيران في فيينا. ووصفه بـالفرصة التي يجب اقتناصها. وحذر الكونغرس من أنه سيستخدم حق النقض ضد أي تشريع يعرقل التطبيق الناجح للاتفاق. نحن الآن لا نلعب لعبة سياسية داخلية في اشارة تحذيرية الى معارضيه الجمهوريين. وشدد أوباما على ان الاتفاق يقطع أي طريق أمام إيران للحصول على أسلحة نووية مؤكدا ارتكاز الاتفاق على التحقق من قيام ايران بالتزاماتها وليس على الثقة بالقادة الايرانيين.
والمسار الديموقراطي الذي سيسلكه الاتفاق الآن في واشنطن سيتم على الشكل التالي:
اولاً يشرع رئيس الاستخبارات الوطنية ابتداء من اليوم بكتابة تقرير يضمنه تقويماً لشرعية الاتفاق لجهة التزام الولايات المتحدة بالقوانين الدولية لحظر انتشار الاسلحة النووية.
ثانياً يقدم هذا التقرير مطلع الاسبوع المقبل مرفقا بالنص الكامل الشامل للاتفاق الى مجلسي النواب والشيوخ اللذين يشكلان الكونغرس الاميركي وتبدأ بالتالي رسميا فترة 60 يوماً لدراسة محتوى الاتفاق.
ثالثاً في السابع من آب المقبل تبدأ العطلة الرسمية للكونغرس.
رابعاً يعود النواب والشيوخ من عطلتهم في السابع من ايلول لاستئناف النقاش.
خامساً يطرح الاتفاق للتصويت في مجلسي الكونغرس منتصف شهر ايلول.
سادساً في حال صوتت الاغلبية ضد الاتفاق واستخدم اوباما الفيتو لمنع عرقلة تنفيذه يتم النظر في امكان تعطيل الفيتو بطرحه للثقة امام مجلس الشيوخ ويحتاج الرئيس الاميركي عندها الى دعم ثلث اجمالي اصوات الكونغرس فقط لتفعيل الفيتو وتمرير الاتفاق، يعني رقمياً هو بحاجة الى 34 صوتاً لصالحه في مجلس الشيوخ لكي يصبح الاتفاق أمراً واقعاً.
وتجدر الاشارة الى ان التصويت ضد الاتفاق كي يصبح فاعلاً، يجب ان يمرر المشرعون في المجلسين تشريعاً او تشريعات جديدة يوضحون من خلالها اسباب الرفض والشروط التي يجب ان تعمل بها الادارة الاميركية قبل ادخال الاتفاق مع ايران حيز التنفيذ كتأخير اعطاء ايران اي مبالغ مالية حتى العام المقبل على سبيل المثال. وفي حال عجز المشرعون خلال مهلة الـ60 يوما في تمرير اي تشريع او فرض اي قيود بحق الاتفاق عندها يدخل الاتفاق بصيغته الحالية اوتوماتيكا حيز التنفيذ بمجرد انتهاء المهلة. وتجدر الاشارة الى ان اوباما عارض بشدة منذ نيسان الماضي عرض الاتفاق النهائي مع ايران للتصويت في الكونغرس لكنه وافق على المسار الديموقراطي في نهاية المطاف ملوحا بحقه في استخدامه الفيتو.
ويشار الى ان عدد مقاعد مجل الشيوخ 100: 54 جمهورياً و44 ديموقراطياً و2 مستقلان لكنهما مقربان من الحزب الديموقراطي. اما عدد مقاعد مجلس النواب فهو 435: 245 جمهورياً و188 ديموقراطياً ومقعدان شاغران. وليس بالضرورة ان تصوت كامل كتلة الحزب الديموقراطي لصالح اوباما لأن هناك بعض المعارضين الديموقراطيين للاتفاق مع ايران.
ويرجح أن يبقى القرار النهائي، الى حد كبير، بيد اوباما لادخال الاتفاق المبرم حيز التنفيذ حتى وان صوت مجلسا الكونغرس ضده. ولكن حصول سيناريو الفيتو اي مرور الاتفاق من بوابة فيتو اوباما سيعني انه اتفاق ضعيف اميركيا مما سيؤثر حتما على استمراريته مع ولوج الرئيس الاميركي المقبل البيت الابيض مكان اوباما في كانون الثاني 2017، خاصة وان اغلب المرشحين الرئاسيين من الحزب الجمهوري اكدوا رغبتهم في الغاء الاتفاق منذ اليوم الاول لهم في السلطة.
وتدرك ايران جيدا خطورة هذا السيناريو ولهذا السبب اصر الوفد الايراني في المفاوضات ان يتم تأمين غطاء دولي للاتفاق في مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة، وسيتم طرح مشروع قرار بهذا الصدد عندما يتم تمرير نص الاتفاق الى مجلس الامن. والقرار الدولي المتوقع تبنيه سينص على رفع العقوبات الدولية المفروضة على الاقتصاد الايراني، مما قد يعرقل قدرة الرئيس الاميركي المقبل على التنصل من الاتفاق الا بمبرر حقيقي مثل انتهاك الايرانيين شروط الاتفاق ورفضهم الاجابة على طلب ما من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولم يبخل معارضو الاتفاق سواء من الجمهوريين او الديموقراطيين في التعبير عن اعتراضهم الشديد عليه، ويأتي في طليعتهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري بوب كوركر والمرشح الديموقراطي للرئاسة الاميركية السيناتور السابق جيم ويب اللذان انتقدا بشدة كيف خفف المفاوضون الاميركيون لهجة الحزم في الاتفاق بشكل تدريجي. فبعدما كان الحديث بداية عن تخلي ايران تماما عن برنامجها النووي اصبح في ما بعد من المسموح لايران الاستمرار في تخصيب اليورانيوم، وانتهى المطاف في الجدل حول نسبة التخصيب المسموح بها وامكان زيارة المفتشين الدوليين المواقع بإذن مسبق.
ويؤكد المعارضون من النواب والشيوخ كرئيس مجلس النواب الجمهوري جون بونر ورئيس الاكثرية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل ان آخر شيء تريده الولايات المتحدة هو ايصال رسالة الى اصدقائها وحلفائها في الشرق الاوسط مفادها ان الطريق اصبح مفتوحا لايران كي تمتلك سلاحا نوويا بحلول العقد الثالث من القرن الجاري. بهكذا اتفاق نحن نوافق على انعاش الاقتصاد الايراني ومنح ايران 150 مليار دولار اميركي ستوزعها حتماً على جماعاتها الارهابية كحزب الله وحماس وتستمر في الوقت عينه في بسط هيمنتها على الشرق الاوسط وتخصيب اليورانيوم الذي سيؤدي في مرحلة لاحقة الى امتلاك سلاح نووي. كل هذا عندما نفكر فيه يتضح لنا كم هو ضرب من الجنون ابرام هذا الاتفاق مع ايران.
وفي المقابل، وصف رئيس الاقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ الديموقراطي جون ريد الاتفاق بـالتاريخي فيما اثنت عليه ايضا بدورها رئيسة الاقلية الديموقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي التي اعتبرت انه ثمرة سنوات طويلة من الجهد والقيادة السديدة للرئيس اوباما. ويرتكز مناصرو اوباما في الكونغرس في تأييدهم له على بند اساسي جداً في الاتفاق هو قدرة واشنطن وحلفائها على البت بموضوع اعادة فرض العقوبات على ايران في حال رأى الاميركيون وحلفاؤهم بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان طهران انتهكت الاتفاق برفضها السماح للمفتشين بدخول موقع ما او ما شابه ذلك. فالاتفاق يسمح لـ5 اعضاء من اصل 8 من الدول والكيانات التي شاركت في ابرام الاتفاق القدرة على اعادة فرض العقوبات الغربية على ايران، وهذا يعني سد الطريق على اي مساعدة يمكن للصين وروسيا ان تقدمها الى ايران في اطار القرارات الحاسمة مستقبلاً لمجموعة المفاوضين الـ8 التي تضم اضافة الى الولايات المتحدة وايران والصين وروسيا كلاً من الاتحاد الاوروبي وبريطانيا وفرنسا والمانيا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00