دانت فرنسا أمس بشدة قيام وكالة استخبارات الأمن القومي الأميركية (أن أس آي) بالتنصت على آخر ثلاثة رؤساء للجمهورية الفرنسية، الحالي فرنسوا هولاند والسابقين نيكولا ساركوزي وجاك شيراك بين عامي 2002 و2013. وأكد هولاند أن فرنسا لن تتهاون في التصدي لأي خطوة تهدد أمن فرنسا القومي ومصالحها العالمية.
فرداً على ما تناقلته صحيفة ليبراسيون الفرنسية وموقعا ويكيليكس وميديابارت الالكترونيان عن عمليات التجسس الاميركية على الرؤساء الفرنسيين، دعا الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند امس مجلس الدفاع الى جلسة طارئة في قصر الإليزيه أكد المجتمعون فيها بحسب بيان رسمي أصدره الإليزيه رفضهم السلوكيات الاميركية ومطالبتهم واشنطن باحترام الالتزامات المتعارف عليها بين فرنسا والولايات المتحدة.
وقال بيان الرئاسة الفرنسية: اجتمع مجلس الدفاع اليوم (امس) للنظر في طبيعة المعلومات التي نشرت في الإعلام والمتعلّقة بسلوك وكالة الأمن القومي الأميركي تجاه فرنسا بين عامي 2006 و2012. وأضاف: بعد التدقيق والمتابعة تبين حصول وقائع غير مقبولة بتاتاً بين بلدين متقدمين كالولايات المتحدة وفرنسا، وخاصة أننا طالبنا الأميركيين بإيضاحات منذ أن بدأت تظهر تسريبات في هذا الصدد في أواخر العام 2013 وإبان زيارة الدولة التي قام بها الرئيس هولاند الى الولايات المتحدة في شباط 2014.
وشدد البيان على أن السلطات الأميركية كانت تعهدت بالتزامات ينبغي أن تتذكرها وتحترمها بحذافيرها. وختم الإليزيه بيانه بالتأكيد أن فرنسا التي اتخذت تدابير لتعزيز قدرتها على السيطرة والحماية، لن تتسامح في وجه أي خطوة تنطوي على تهديد لأمنها ومصالحها.
وفي أول رد فعل عملي من قبل السلطات الفرنسية، استدعت وزارة الخارجية الفرنسية أمس السفيرة الأميركية في باريس جاين هارتلي لإبلاغها سخط الادارة الفرنسية من سلوكيات الاستخبارات الاميركية. وعبر الناطق باسم الحكومة الفرنسية ستيفان لوفول عن غضبه تجاه هذه الحقائق قائلًا: هذه سلوكيات غير مقبولة أبداً، موضحاً إننا لا نفهم ما قد يدفع الأميركيين الى التنصت على دولة حليفة غالباً ما تتخذ وإياهم المواقف عينها من الملفات الدولية.
وتبدي الوثائق الاستخباراتية الأميركية الممهورة بطابع سري للغاية مضمون بعض التسجيلات لمحادثات دارت في الإليزيه ولائحة بالهواتف الشخصية لعدد من الرؤساء والوزراء الفرنسيين وأيضاً سفير فرنسا السابق في واشنطن بيار فيمون، بما يشير الى حجم التجسس الممنهج الذي تمارسه واشنطن على المسؤولين الفرنسيين. وشملت عمليات التنصت أيضاً مستشاري ساركوزي جان دافيد لوفيت وكلود غيان والناطق السابق باسم الخارجية الفرنسية برنار فاليرو. وندد غيان بهذه الوقائع، واصفاً إياها بأنها غير مقبولة، في حين اعتبر لوفيت الأمر طبيعياً للغاية. فمن حيث المبدأ الجميع يعلم أن هناك من يراقبه على الدوام وليس من قبل حلفائنا الأميركيين فقط.
ورغم أن المعلومات التي نشرها ويكيليكس تتعلق بعمليات تنصت يعود اقدمها الى عام 2006 وأحدثها الى عام 2012، إلا أن إحدى الوثائق لفتت الى معلومات سرية تعود الى العام 2002. كما ان استمرارية التنصت بشكل دوري طوال هذه السنوات يشير الى احتمال كبير بأن التنصت استمر (على الأقل) الى حين انفضاح أمره للمرة الأولى أواخر العام 2013.
ورفضت الخارجية الأميركية أمس التعليق على ما نشره ويكليكس، بينما سارع الناطق باسم مجلس الامن القومي الأميركي نيد برايس الى التأكيد على ان الاستخبارات الاميركية لا ولن تتنصّت على الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند.
وكان أول من تحدّث عن عملية التجسس الواسعة هذه مؤسس موقع ويكيليكس الاسترالي جوليان آسانج في مقال نشرته صحيفة ليبراسيون اليسارية الفرنسية وشدد فيه سجين سفارة الاكوادور في لندن على انه في عالم الجاسوسية لا يوجد اصدقاء. الكل عرضة لأن يكونوا هدفاً.
وربما ما أجّج غضب باريس بصورة أشد قيام الاستخبارات الأميركية بتوزيع بعض هذه التسجيلات والمعلومات المقرصنة من مفاصل الإدارة الفرنسية الى استخبارات البلدان الانغلوفونية الاخرى اي بريطانيا وتوابعها كندا واستراليا ونيوزيلندا.
والمفارقة في هذه الرواية انها تأتي غداة تمرير فرنسا قوانين جديدة تمنح اجهزة استخباراتها صلاحيات اكبر للتنصت على المكالمات الهاتفية وتشديد الرقابة على شبكة الانترت وذلك في اطار الاستراتيجية الجديدة الموضوعة لدرء خطر الجماعات الارهابية على الامن القومي الفرنسي.
وفرنسا ليست الدولة الاوروبية الحليفة الوحيدة التي تبين تجسس الاميركيين عليها. فقد أثارت الحقائق نفسها في مرحلة سابقة سخط المانيا ومستشارتها انغيلا ميركل التي لم يسلم هاتفها الخاص هي الاخرى من التنصت الاميركي.
ويرجح على نطاق واسع ان يكون الجاسوس الاميركي المنشق، اللاجئ في موسكو، إدوارد سنودن وراء عمليات التسريب الجديدة هذه. وان دلت هذه الوقائع على شيء، فإنها تدل على ان العالم الانغلوفوني الذي يضم الخماسي الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واستراليا ونيوزيلندا ما زال يقيم متانة حلفه مع الدول الغربية الناطقة بلغات اخرى، وبالتالي فإن النظام العالمي الجديد الذي يقوده الناطقون بالانكليزية ما زال بحاجة الى تعزيز الثقة بين اطرافه ونواته.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.