8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مطالب بريطانيا تهدّد كيان الاتحاد الأوروبي

يواجه الاتحاد الاوروبي مع بدء العد العكسي لتحديد مستقبل عدد من بلدانه الأعضاء، تحديات جساما تعتبر الأشد في تاريخه. ولا احد يعلم في بروكسل اليوم ما اذا كان هذا الاتحاد، قادرا على الاستمرار بأعضائه الـ28 على المدى الطويل.
فجميع المؤشرات تبين غماماً شديد السواد يتجمع في افق الوحدة الاوروبية بعد وصول ازمة اليونان الى طريق مسدود، وتشديد بريطانيا على مطالبها بتعديل الاتفاقات التي على اساسها يقوم الاتحاد، واعلان اليسار البرتغالي الثورة على سياسات التقشف، ما يثير المخاوف بأن تتحول البرتغال قريباً الى يونان أخرى.
الأزمة التي زلزلت الاقتصاد العالمي عامي 2007 و2008، لا تزال تداعياتها مستمرة في القارة الاوروبية، لا بل تبدو كأنها تجدد نفسها مع مرور الوقت.
فالاقتصاد البريطاني رسميا اليوم في حالة التضخم السلبي للمرة الاولى منذ العام 1960، والبرتغال واليونان ترزحان تحت وطأة ديون لا يبدو اي من البلدين راغبا في تسديدها، او حتى قادرا على ذلك، بغض النظر عن اي منظومة انقاذ مالية قد تطرحها عليه المؤسسات المالية الاوروبية والعالمية.
وعلى الرغم من ان الحكومة البريطانية سارعت الى نفي اي خطورة على الاقتصاد البريطاني من التضخم السلبي الذي يعيشه اليوم، موضحة انه لن يصل الى حالة الانكماش، وانها مجرد فترة يحصل فيها المستهلك على اسعار مخفضة لكافة السلع ينبغي ان يستفيد منها.
الا ان حالة ثبات القيمة التي ينعم بها الجنيه الاسترليني، قد لا تستمر على المدى الطويل لعدة حسابات، ابرزها احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي خلال العامين المقبلين، وولادة منظومة اقتصادية مالية اوراسية برعاية روسية ـ صينية ستفتك اوتوماتيكيا بالعملات الغربية.
سياسياً وديبلوماسياً، تتجه الانظار الى قمة غير رسمية تجمع زعماء دول الاتحاد الـ28 غدا في العاصمة اللاتفية، ريغا، حيث سيطرح رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون مطالب بلده بتعديل اتفاقية لشبونة بطريقة تمنح المملكة المتحدة ما تحتاجه لكي تسترجع عددا كبيرا من الصلاحيات التي حصلت بروكسل عليها بحسب الاتفاقية، وابرز النقاط المهمة للندن هي استرداد قدرتها على الحد من هجرة الاوروبيين الى بريطانيا.
ولكن الرياح لن تجري بما تشتهي السفن البريطانية بسهولة، فأمس وجهت باريس انذارا بأن على البريطانيين نسيان امكانية تعديل اتفاقية لشبونة.
وقد اوضح الوزير الفرنسي للشؤون الاوروبية هارلم دزير مدى معارضة بلاده لمطالب بريطانيا، قائلا: سنستمع الى الاصلاحات التي ترغب فيها بريطانيا، لكن اتفاقية لشبونة لن يمسها احد. واضاف: على البريطانيين ايجاد صيغة ما للحصول على ما يريدون من دون المساس بالاتفاقات التي على اساسها يقوم الاتحاد الاوروبي.
البريطانيون يعلمون ان اي مطالبة بتعديل هذه الاتفاقات، لن يلقى معارضة شديدة من فرنسا فحسب، بل من اغلب الدول الاعضاء.
ويحاول كاميرون الضغط على شركائه الاوروبيين بالتلويح بإستفتاء شعبي حول انفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوروبي يرجح ان يجرى في عام 2017، وقد تلجأ الحكومة البريطانية الى تقريبه الى موعد ما في العام المقبل 2016 في حال حصلت على التعديلات والتنازلات التي تريدها من بروكسل.
وكان كاميرون وعد الناخبين البريطانيين بثلاث نقاط رئيسة في العلاقة البريطانية ـ الاوروبية هي: اولاً: اعادة التفاوض بشأن الاتفاقات. ثانياً: استرجاع العديد من السلطات من بروكسل الى لندن. وثالثاً: تعديل شروط عضوية بريطانيا في الاتحاد.
وقد حذرت المؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى في بريطانيا من ان حالة عدم اليقين حول مستقبل بريطانيا مع الاتحاد الاوروبي، تجمد الاستثمارات، وتبقي قيمة الاسهم تحت التهديد، لأن المستثمرين يفضلون دائما الرؤيا الواضحة في ما يتعلق بقضايا رئيسية حساسة كهذه.
ولهذا سيحاول كاميرون بذل قصارى جهده لإقناع الاوروبيين بأن من الافضل للطرفين الاسراع بإجراء التعديلات المطلوبة على العلاقة بينهما، ثم اتمام الاستفتاء في بريطانيا في 2016 بدلا من 2017، محذرا من ان نتائج الاستفتاء قد تأتي لمصلحة استمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد فقط في حال تمت الموافقة على المطالب البريطانية.
ويرى المراقبون ان اغلبية الزعماء الاوروبيين، وفي مقدمهم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، يرفضون تعديل الاتفاقات ومنح بريطانيا خصوصية تميزها داخل الاتحاد، لأن هذا يعني ان جميع الحكومات ستواجه عندها ضغوطا شعبية لاجراء استفتاءات على غرار الشعب البريطاني.
ونظرا لأن نتائج هذه الاستفتاءات قد تأتي لمصلحة الانفصال عن الاتحاد، فإن هذا يهدد كيان الاتحاد الاوروبي بالزوال لا سيما وان شعبية التيارات القومية المتطرفة في شتى انحاء القارة الاوروبية، تبلغ الآن اعلى مستوياتها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وفيما يستمر الوضع الاقتصادي في اوروبا الجنوبية مهزوزا، ولاسيما في اليونان والبرتغال واسبانيا، يتخوف الاوروبيون من تحالف اشتراكيي البرتغال مع شيوعييه واليسار المتطرف واستيلائهم على السلطة كما حصل مع اليسار المتطرف في اليونان، بما قد يضع الاتحاد الاوروبي امام تحديات مالية وسياسية اشد وطأة، خصوصاً وان المانيا تحاول بشتى الطرق ابقاء اليونان ضمن الاتحاد ليس خوفا على مستقبل اليونايين، انما خشية انفراط السبحة في حال خروج اليونان، فهناك عدة بلدان تراقب ما سيحصل لليونان لتحدد بوصلتها، هي ومستقبل عضويتها في بروكسل.
وتبقى المفارقة المضحكة المبكية هي ان يساريي اي بلد من البلدان الاوروبية في ظل دفاعهم المستميت عن حق شعبهم بحياة افضل ورفاهية اكبر، يدقون من دون ان يشعروا، المسامير في نعش أكبر مؤسسة اشتراكية ولدت منذ الحرب العالمية الثانية، ويمنحون التيارات القومية الفاشية ما تحلم به، اي الاستقلال التام والانعزالية وكره الآخر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00