كذبت صناديق الاقتراع البريطانية شتى استطلاعات الرأي التي سبقت اليوم الانتخابي الطويل، اذ بدلا من ولادة برلمان معلق، استيقظ البريطانيون على مجلس عموم جديد يملك فيه حزب المحافظين بزعامة رئيس الوزراء دايفيد كاميرون اكثرية كافية لتشكيل حكومة من لون واحد. لكن الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات كانت الهوية البريطانية الجامعة، فقد سقطت المملكة المتحدة في مستنقع نزاعات قومية بدأ بتسونامي سببه اجتياح الحزب القومي الاسكتلندي لكامل الخارطة الانتخابية الاسكتلندية وانتهى بردة فعل قومية انكليزية ادت الى اهداء فوز كاسح لحزب المحافظين في اغلب المقاعد النيابية التي تمثل انكلترا.
عملية الاقتراع هذه التي عاقبت جميع الاحزاب التي تمثل الهوية البريطانية في شتى بلدان المملكة المتحدة انكلترا واسكتلندا وويلز وايرلندا الشمالية وفي مقدمها العمال والليبراليون الديموقراطيون واستقلال المملكة المتحدة، قد ينظر اليها يوما في التاريخ على انها الانتخابات التي مهدت الى تقسيم المملكة المتحدة. فالمشهد المقبل للشارع السياسي البريطاني لا يبدو مشجعا ابدا حيث ستكون السلطة بيد المحافظين الذين يمثلون انكلترا بشكل شبه حصري، وفي المقابل ستضم المعارضة التكتل النيابي القومي الاسكتلندي الذي يمثل حصريا اسكتلندا، ومن الوعود التي قطعتها نيكولا سترجن زعيمة القوميين الاسكتلنديين لناخبي حزبها رفض اي تقشف تفرضه الحكومة البريطانية على الشعب الاسكتلندي وهذا يعني ان اي سياسة تقشف قد تفرضها حكومة دايفيد كاميرون يرجح ان تطبق فقط على انكلترا وويلز، مما سيعزز حالة الانقسام الداخلية وقد يؤدي في نهاية المطاف الى تزايد المطالب بإجراء استفتاءات شعبية في كل من انكلترا وويلز واسكتلندا وايرلندا الشمالية لفرط عقد المملكة المتحدة.
وفي التفاصيل الرقمية للنتائج بلغت نسبة المشاركة نحو 66 في المئة وتوزعت المقاعد النيابية بحسب صناديق الاقتراع في 650 دائرة انتخابية على النحو التالي: حزب المحافظين 330 مقعدا (320 عن انكلترا، 11 عن ويلز، مقعد واحد عن اسكتلندا)، حزب العمال 232 مقعدا (206 عن انكلترا، 25 عن ويلز، مقعد واحد عن اسكتلندا)، الحزب القومي الاسكتلندي 56 مقعدا (جميعها عن اسكتلندا)، حزب الليبراليين الديموقراطيين 8 مقاعد (6 عن انكلترا، مقعد واحد عن ويلز، مقعد واحد عن اسكتلندا)، حزب الاتحاديين الديموقراطيين 8 مقاعد (جميعها عن ايرلندا الشمالية)، حزب شين فين 4 مقاعد (عن ايرلندا الشمالية)، الحزبالاجتماعي الديموقراطي 3 مقاعد (عن ايرلندا الشمالية)، حزب ويلز 3 مقاعد عن ويلز، حزب اتحاديي الستر (مقعدان عن ايرلندا الشمالية)، حزب الخضر مقعد واحد عن انكلترا، حزب استقلال المملكة المتحدة مقعد واحد عن انكلترا، مقعد للمتحدث في مجلس العموم عن انكلترا ومقعد لمرشح مستقل عن ايرلندا الشمالية.
واتهم مرشحو المحافظين حلفاءهم السابقين في الحكومة الائتلافية الليبراليين الديموقراطيين فابتلعوا اغلب المقاعد التي كانت لهؤلاء في انتخابات 2010، ما ادى الى خسارة قاسية جدا لليبراليين الديموقراطيين الذين لم يتمكنوا من الحفاظ سوى على 8 مقاعد فقط من اصل 57 كانت لهم في الانتخابات السابقة. ومن ابرز الشخصيات التي خسرت مقاعدها وزير الاعمال فينس كايبل والمستشار الاول لوزارة المالية داني الكسندر (ليبراليين ديموقراطيين)، وزيرا الخارجية والمالية في حكومة الظل دوغلاس الكسندر واد بالز (العمال)، فيما لم يتمكن زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة نايجل فاراج من الفوز بمقعد دائرته في ساوث تينانت (انكلترا)، وكذلك الامر حصل مع ناتالي بينيت زعيمة الخضر في دائرة هولبورن في لندن. كما فقد زعيم حزب الاحترام جورج غالاوي مقعده النيابي بفارق شاسع امام مرشحة عمالية مبتدئة.
هذه الهزائم الكبيرة التي لحقت بأحزاب العمال والليبراليين الديموقراطيين واستقلال المملكة المتحدة دفعت زعماءها اد ميليباند ونيك كليغ ونايجل فاراج الى اعلان استقالتهم من مناصب القيادة وافساح المجال امام قيادات جديدة تكون لديها القدرة على تحقيق نتائج افضل في المناسبات الديموقراطية المقبلة.
أما الفائز الأكبر زعيم حزب المحافظين دايفيد كاميرون فتوجه ظهر امس بصحبة زوجته سامانثا الى قصر باكينغهام للقاء الملكة اليزابيث الثانية في خطوة بروتوكولية تمهيدية تعلن اتمام العملية الديموقراطية وولادة مجلس العموم بشكل رسمي وحصول رئيس الوزراء المجدد له على الضوء الاخضر لتأليف حكومة جديدة تدير شؤون البلاد في المرحلة المقبلة. وبالرغم من ان السلطة ستكون بأكملها في يد حزبه سيواجه كاميرون امتحانين عسيرين قد يغيران موقع بريطانيا على الخارطة السياسية العالمية هما: الحفاظ على وحدة المملكة المتحدة في ظل الانقسامات القومية الحادة، والاستفتاء على مصير عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي الذي وعد الشعب بإجرائه في 2017.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.