يوماً يعد يوم يتكشف عمق التورط الإيراني في سوريا، فبعد الزج بآلاف المقاتلين اللبنانيين والعراقيين والأفغان والباكستانيين ومئات الضباط والخبراء من الحرس الثوري في القتال، كشف الصحافي نيكولاس بلاندفور في مجلة كريستشن ساينس مونيتور أن احد المصادر نقل عن الموفد الدولي للسلام في سوريا ستافان دي ميستورا قوله بأنه يقدر الموازنة التي تخصصها ايران سنويا للحرب في سوريا بنحو 35 مليار دولار اميركي.
واشار الصحافي الاميركي في تقريره الى انه على الرغم من هذا الدعم الهائل، الا ان المشكلة الاساسية التي يعاني منها نظام الأسد الآن هي عدم قدرته على استقطاب شبان سوريين للقتال في صفوفه، وبالتالي هو يتجه اكثر فأكثر الى تسليم الحرب الدائرة في سوريا الى الايرانيين.
وذكرت المجلة الاميركية ان هناك آلاف المقاتلين الذين تجلبهم ايران من الحرس الثوري وحزب الله والميليشيات الشيعية من العراق وافغانستان لنصرة الأسد، مشيرة في الوقت عينه الى ان طهران ساهمت ايضاً في تأسيس ما يعرف بقوات الدفاع الوطني التي عديدها 80 الف مقاتل من الميليشيات الموالية للنظام تقريبا، اغلبهم من الطائفة العلوية.
لكن على الرغم من ذلك، فإن الامور ميدانياً بدأت تتجه اخيراً لصالح الثوار. ونقلت المجلة عن احد المسؤولين السابقين في النظام السوري ان الاسد ليس لديه الحشد الشعبي المؤيد الكافي لتأمين قوات مسلحة قادرة على تحقيق النصر. فالخروج منتصرا يحتاج الى قوات مسلحة قوامها بين 200 الف و300 الف مقاتل، ولكن من اين يأتي بشار الأسد بهذا العدد؟ فلماذا ستوافق ام سنية او اب سني على ارسال ابنائهم للقتال والموت في سبيل الأسد؟.
ولا يجدي كل هذا الزخم الإيراني في دعم نظام الأسد نفعاً ميدانياً، إذ تتوالى المدن الكبرى والقواعد الإستراتيجية في السقوط بيد الثوار واحدة تلو الأخرى، وآخرها سقوط مدينة جسر الشغور ومعسكر القرميد في محافظة إدلب بيد الثوار.
وذكّرت المجلة الاميركية بالاهمية الاستراتيجية الكبرى التي توليها ايران لسوريا في مشروعها الشرق اوسطي، واستشهدت بكلام رجل دين الايراني مهدي طالب الذي قال في شباط 2014 اذا هاجمنا العدو، وخيرنا استراتيجيا بين الحفاظ على سوريا او اقليم خوزستان الايراني، فإننا نفضل الحفاظ على سوريا لأنه اذا حافظنا على سوريا يمكننا ان نسترجع خوزستان لاحقا، اما اذا خسرنا سوريا فلن يكون بامكاننا لاحقا الحفاظ على طهران.
وعزت المجلة الاميركية الفضل في انقلاب موازين القوى على الارض لصالح الثوار، الى الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز الذي سعى منذ تسلمه الحكم الى تجاوز الخلافات مع تركيا والتعاون والتنسيق معها ومع قطر والأردن من اجل توحيد صفوف الثوار وإلحاق الهزيمة بالأسد. واشارت الى ان الملك سلمان والرئيس التركي رجب طيب اردوغان اكدا في لقائهما في آذار الماضي ضرورة دعم المعارضة السورية بشكل يحقق نتائج ملموسة ميدانيا.
وعددت المجلة الأميركية كيف خسر نظام الاسد المناطق بشكل متتال في الاسابيع الماضية: مدينة ادلب في الشمال ثم بصرى الشام في الجنوب وممر نصيب عند الحدود الاردنية ويوم السبت الماضي سقطت جسر الشغور ايضا بيد الثوار، بما قد يفتح الطريق لهؤلاء لمهاجمة اللاذقية ومناطق اخرى موالية للنظام. هذا فيما لم تنجح حملة شنتها قوات بقيادة ايرانية في محافظتي درعا والقنيطرة في تحقيق الاهداف التي رسمت لها اذ انها جبهت بمقاومة اشد مما كان متوقعا، وهذا ما ادى ايضا الى تأجيل حملة عسكرية بقيادة حزب الله في القلمون الى وقت لاحق.
واشارت المجلة الى ان حلب لا تشكل اهمية استراتيجية في المشروع الايراني ولهذا يركز الايرانيون على المناطق الاخرى في سوريا ولا سيما الساحلية والحدودية مع لبنان. ويرى مراقبون ان ابرام اتفاق بشأن النووي بين المجتمع الدولي وايران قد يساعد طهران على تأمين المزيد من الدعم لنظام الأسد كي يصمد مدة اطول، ولكن في حال استمر التعاون والتنسيق بين القوى السنية في المنطقة كالسعودية وتركيا فإن ايران ستخسر في النهاية المعركة وان طال امدها.
وفي سياق متصل بهزائم النظام الأخيرة، شككت صحيفة واشنطن بوست الاميركية في مدى قدرة الأسد على الصمود فكتبت مراسلتها في بيروت ليز سلي تقريرا وصفت فيه المرحلة الصعبة التي يمر بها حاليا النظام السوري على وقع هزائم متتالية الحقها به الثوار.. بما يدل على وهن متعاظم في القدرات القتالية لجيش الأسد والقوات المسلحة الحليفة له كـحزب الله والميليشيات الشيعية. واشارت الصحيفة الى ان التقدم الذي احرزه الثوار حصل في وقت اهملت فيه ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما الصراع السوري وصبت جل تركيزها على محاربة داعش وابرام اتفاق نووي مع ايران، ولكن المراقبين بحسب الصحيفة يتوقعون ان تؤدي المستجدات الميدانية الاخيرة الى اعادة الاميركيين لحساباتهم والنظر مجددا الى كيفية حل الازمة في سوريا، فإيران تدعم الأسد والسعودية تدعم الثوار واي تغير في موازين القوى في سوريا سيؤثر حتما بعمق في المعارك الاخرى الدائرة في اليمن والعراق.
وبدورها عزت واشنطن بوست التقدم الذي احرزه الثوار ميدانيا في الفترة الاخيرة في جنوب سوريا وشمالها الى التعاون بين السعودية وتركيا بالتنسيق مع قطر والأردن ما اثمر توحيدا لصفوف العديد من القوات الاسلامية المسلحة (بينها جبهة النصرة) ومجموعات المعارضة المعتدلة تحت اسم جيش الفتح. وقد نجح هذا الجيش في احراز انتصارات ميدانية بدرجة اكبر مما كان متوقعا.
واعتبرت الصحيفة الاميركية انه على الرغم من امكانية صمود نظام الاسد فترة اطول في دمشق لكن قدرته على السيطرة على اماكن اخرى في البلاد بدأت تتلاشى، واشارت الى ان ملامح انهيار النظام بدأت تظهر تحت وطأة الحرب الطويلة المستمرة منذ اربعة اعوام. وتحدثت عن مقتل رستم غزالي وبدء التشقق في الدائرة الصغيرة المقربة من رأس النظام بعد الاستغناء ايضا عن خدمات رئيس الاستخبارات رفيق شحاده.
وقال ديبلوماسيون غربيون يعملون في بيروت للصحيفة ان النظام قام بالتخلص من الرجلين بعدما اعترضا على الدور المتعاظم الذي تلعبه إيران في الصراع السوري. كما اشار هؤلاء الديبلوماسيون الغربيون ان بوادر انهيار النظام بدأت تظهر اكثر على عائلة الأسد نفسها فحافظ مخلوف قريب بشار تم الاستغناء عن خدماته كمشرف على امن محافظة دمشق وقد فر منذ ذلك الحين الى خارج البلاد. كما قامت قوات النظام باعتقال قريب آخر لبشار هو منذر الأسد بعد ورود معلومات بأنه ربما يحضر لانقلاب.
ورجح السفير الاميركي السابق في سوريا روبرت فورد باننا ربما نرى الآن بداية نهاية نظام الاسد فهناك العديد من مظاهر الضعف التي بدأت تبدو عليه.
وبحسب جميع المراقبين يبقى حجم الدعم الايراني معيارا لقدرة الأسد ونظامه على الصمود، لكن قدرات ايران آخذة هي الأخرى في الشح بسبب العقوبات المفروضة على اقتصادها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.