تعمل بريطانيا على اعادة حساباتها في ما يتعلق بالسياسات التي تعتمدها حكوماتها المتعاقبة، في الشرق الأوسط، فبركان الصراعات المتفجر في المنطقة، يؤثر مباشرة على الامن القومي للمملكة المتحدة، ويهدد علاقاتها الاقليمية الاقتصادية والاستراتيجية على السواء.
ومن هذا المنطلق، يحاول البريطانيون دائماً أن يكونوا منصفين في أحكامهم وسياستهم الخارجية، ويعترفون بالاخطاء في حال ارتكبوها كحرب العراق مثلاً.
لندن أكدت مجدداً أمس، أنها لا ترى سلاماً يحل في الشرق الأوسط، إلا إذا توقف حمام الدم في سوريا، بحل سياسي يقصي بشار الأسد عن السلطة وتمت تسوية النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي على أساس حل الدولتين.
حسابات السلام الشرق أوسطي كما تراها بريطانيا، أعلن عنها سفيرها لدى منظمة الامم المتحدة مارك ليال غرانت خلال اجتماع مفتوح خاص بالمنطقة في مجلس الأمن.
وقال غرانت الشهر الماضي كان بداية السنة الخامسة للصراع السوري. وقد عمد بشار الأسد طوال السنوات الأربع الماضية إلى قمع وتدمير حياة وقتل شعبه. لقد دمر البلد الذي عليه أن يحميه، وباتت سوريا الآن مجرد هيكل لما كانت عليه من قبل. وما برح الوضع يزداد سوءاً. كما يقلقنا مصير اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك، حيث ما زال القتال الكثيف مستمراً بين الجماعات المسلحة، بما فيها داعش وجبهة النصرة.
وأضاف أنه يعيش آلاف المدنيين، بينهم الكثير من الأطفال، تحت حصار يفرضه نظام الأسد منذ عامين تقريباً، وبالكاد تصلهم مساعدات إنسانية، مشيراً إلى أن معاناة سكان اليرموك تعكس واقعاً مأسويًا لنحو 440 ألف سوري تحت الحصار حالياً من الأسد وداعش، ولا تصلهم مساعدات إنسانية.
ولفت إلى أن هذا يشمل 230 ألف شخص تقريباً يحاصرهم تنظيم داعش في دير الزور، ويواجهون نقصاً حاداً بالمواد الغذائية والسلع الأساسية، وانقطاع الكهرباء والماء، والقلق بشأن الصحة العامة يتنامى، داعياً إلى حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والسماح بمرور وإجلاء المدنيين بأمان.
وأشار الديبلوماسي البريطاني إلى أن الحاجة للتوصل لتسوية سليمة في سوريا، لم تكن يوماً عاجلة أكثر مما هي عليه اليوم. وخسارة النظام مؤخراً لمدينة إدلب، تبين بأنه لا يمكن لأي من الطرفين الفوز في ميدان المعركة.
وأكد أنه ليس هناك من حل عسكري، بل يبقى السبيل الوحيد لإحلال سلام مستدام، هو عملية انتقال سياسية بالاتفاق المشترك بين الأطراف السوريين، وبدعم من المجتمع الدولي، مؤكداً أن المملكة المتحدة مستمرة بدعمها للممثل الخاص للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، في جهوده الرامية لتحقيق ذلك، ونتطلع إلى الاستماع لتقريره لاحقاً هذا الأسبوع، ومشدداً على موقف بلاده المتمثل بأنه لا يمكن أن يكون للأسد أي دور في مستقبل سوريا.
وتطرق إلى القضية الفلسطينية والصراع العربي - الإسرائيلي، فأكد غرانت أن السبيل الوحيد لتسوية هذا الصراع القديم الممتد منذ ستين عاماً هو التوصل لحل الدولتين عبر المفاوضات، داعياً إلى تجديد الجهود الدولية لدعم إحراز تقدم تجاه البدء بمفاوضات جادة للتوصل لاتفاق.
كما حض الفلسطينيين والإسرائيليين على استئناف المفاوضات للتوصل لوقف إطلاق نار مستدام في غزة ومعالجة مسببات الصراع، داعياً الفلسطينيين إلى اتخاذ خطوات ملموسة لعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، بدءًا بالمعابر، وكذلك مصر على استئناف دورها كوسيط وإبداء مرونة بفتح معبر رفح.
وشدد على أن الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، إنما تؤكد أهمية تسوية الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، مشدداً على ضرورة تقديم تنازلات من كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.
ودعا السفير البريطاني الذي شارفت ولايته على الانتهاء، إسرائيل إلى وقف خطواتها ببناء المستوطنات غير القانونية، وهي خطوات غير ضرورية نهائياً، يبدو أن الهدف منها هو تقويض حل الدولتين. مؤكداً أن على الفلسطينيين الذين يسعون إلى الطرق الدولية القانونية المؤدية إلى قيام الدولة، إدراك أن ليس هناك بديل عن المفاوضات مع إسرائيل.
وفي سياق آخر، ونظراً لأن غالبية الشعب البريطاني رفضت الاحتلال اللاشرعي للعراق الذي قامت به القوات البريطانية مع الاميركيين عام 2003، فإن الجميع يترقّب نتائج تقرير لجنة التحقيق الخاصة بتلك الحرب.
ولكن يبدو أن الشخصيات الكبيرة المسؤولة عن ذلك الاجتياح، كرئيس الوزراء الأسبق طوني بلير، تمعن في الضغط على هذه اللجنة، ما اضطرها مراراً الى تأخير إصدار تقريرها الذي تبين مؤخراً انه لن يخرج الى العلن قبل العام المقبل.
ويبدو أن للتقرير المرتقب حول حرب العراق الذي يعده السير جون شيلكوت ولجنته، سيؤجل مرة جديدة الى العام المقبل 2016، بعدما تم تأجيلة مرة سابقة الى ما بعد الانتخابات العامة التي تشهدها بريطانيا في السابع من أيار المقبل.
ويحصل هذا التاخير وسط استهجان أهالي الجنود البريطانيين الذين قضوا في حرب لا ناقة للبريطانيين فيها ولا جمل بعدما تبين عدم وجود أسلحة دمار شامل لدى نظام صدام حسين، واتضحت الأكاذيب والافتراءات التي روجتها الإدارتان الأميركية والبريطانية لشن تلك الحرب من دون غطاء حتى من مجلس الأمن. وأعرب سياسيون، كنائب رئيس الوزراء نيك كليغ، عن استيائهم العارم لتأجيل صدور التقرير مدة أطول، وقال اخشى أن لا نتمكن من معرفة الحقيقة بعدما انتظرنا طوال هذه المدة.
وأعربت بعض عائلات الجنود عن أملها في ألا يكون التأجيل فرصة لإعطاء المسؤولين كرئيس الوزراء الأسبق طوني بلير، لغسل أيديهم وإخفاء أي أدلة تدينهم في هذه القضية.
من جهته نفى بلير أي علاقة له بالتأجيل المستمر لصدور تقرير لجنة شيلكوت التي بدأت تحقيقها منذ العام 2009 بخصوص حرب العراق وكلفت التحقيقات حتى الآن نحو 10 ملايين جنيه استرليني.
وكان شيلكوت أعلن في شباط الماضي، أن صدور التقرير سيؤجل الى ما بعد الانتخابات العامة في ايار المقبل لكي لا تؤثر على مجرى العملية الديموقراطية، ونفى حينها وجود اي ضغوط سياسية على لجنته لتأجيل تقريرها.
وأوضح شيلكوت أيضاً لدى استجوابه قبل شهرين أمام مجلس العموم عن سبب التأخير، بأن السبب عملي وتقني بحت، وقال: إن عملية التحقق من الأرقام الصحيحة وحقوق الأطراف في الاستماع إلى ردودها تعطل إنهاء التقرير حتى الآن.
وتضمّن عمل اللجنة حتى مطلع العام الجاري، فحص 150 ألف وثيقة، ومقابلة 129 شخصاً للشهادة بينهم بلير نفسه.
وكانت اللجنة المحققة طلبت وثائق سرية من الحكومة البريطانية بينها المراسلات والتسجيلات التي حصلت بين بلير والرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن قبل شن الحرب وفي فترتها وتحديداً كل ما دار بين الرجلين بين عامي 2001 و2009.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.