8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

اتفاق لوزان بشأن النووي الإيراني يضيع في الترجمة

يبدو ان اتفاق لوزان الذي توصلت اليه ايران مع دول (5+1) في الثاني من نيسان الجاري، يتجه الى مصير مشابه لإعلانات واتفاقات جعلتها الترجمات المتعارضة حبراً على ورق. فبالأمس اطلعت بعض وسائل الاعلام على النقاط الرئيسة لإتفاق لوزان كما وردت في نسخة الوفد الفرنسي للمفاوضات النووية مع ايران، فإذا بها تختلف عن النص الانكليزي الذي عممته وزارة الخارجية الاميركية وحتما تختلف ايضا عن المعلومات التي ظهرت في ورقة الحقائق الفارسية في طهران. هذا الاختلاف يدفع المراقبين الى التساؤل عما اذا كانت وفود الدول الست وايران تجلس فعلا على مائدة المفاوضات نفسها في لوزان ام ان كل وفد كان يجلس منعزلا قبل ان يقرر كتابة بيان ختامي يتضمن فحوى الاتفاق المبدئي المزعوم.
النسخة الفرنسية تشير الى ان بإمكان ايران بدء استخدام اجهزة طرد مركزية متطورة لتخصيب اليورانيوم لمستويات اعلى بشكل تدريجي بعد 12 عاما، لكن هذه المعلومة لا مكان لها في النسخة الاميركة. واللافت ان السماح لإيران باستخدام اجهزة الطرد المتطورة سيسرع قدرتها على تخزين المزيد من اليورانيوم المخصب الذي تحتاجه لصنع سلاح نووي. كما ان النسخة الاميركية لم تتطرق الى ان السماح لإيران بتطوير اجهزة الطرد اي ار 4 و5 و6 و8 سيجعلها تخصب اليورانيوم بسرعة تفوق 20 مرة قدرتها التخصيبية الحالية باجهزة طرد اي ار 1. وتتميز النسخة الفرنسية بزعم أن ايران ستسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش جميع مواقعها النووية في اي وقت دون اي شروط او قيود، لكن هذا البند مبهم في الوثيقة الاميركية ولا يتيح كل هذه الحرية للمفتشين الدوليين.
وبغض النظر عن هذا الاختلاف الجزئي نسبيا بين نسختي باريس وواشنطن، يبقى الأهم هو امتعاض الايرانيين الشديد من الوثيقة التي عممها البيت الابيض. فورقة الحقائق الفارسية التي نشرها امس في طهران وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف ورئيس هيئة الطاقة الذرية الايرانية علي اكبر صالحي تركز بشكل كبير على رفع الحظر المفروض على النفط الايراني ورفع العقوبات عن الاقتصاد الايراني فيما تلقي نوعا من الغموض الشديد على آلية السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش المواقع الايرانية. اختلاف النصوص هذا يظهر فعليا عدم وجود اي اتفاق حقيقي بين الغربيين والايرانيين، اذ ان ظريف اعلن ان الاميركيين عمموا ما يرغبون به هم في ورقة الحقائق الخاصة بهم. وشدد على ان العقوبات الايرانية يجب ان ترفع نهائيا وهذا يجب ان يدرج في اي اتفاق نهائي سيوقع بين الطرفين. ولكن ما يقوله الوزير الايراني لا يتناقض فحسب مع الوثيقة الاميركية التي اشارت الى ان العقوبات ستعلق (لن تلغى). والحظر المفروض على التبادل التجاري مع ايران لن يرفع الا بعد التأكد من تطبيق ايران للاتفاق، بل ايضا مع التصريحات الاخيرة التي ادلى بها الرئيس الاميركي باراك اوباما وفيها اكد ان الادارة الاميركية تبقى دائما قادرة على اعادة فرض العقوبات والحظر على ايران في حال لم تلتزم الاخيرة بتنفيذ الاتفاق. واللافت للاهتمام وسط هذه المعمعة ان الممثلة العليا لخارجية الاتحاد الاوروبي فدريكا موغيريني اعلنت امس ان هناك بيان ختامي واحد لإجتماع لوزان هو الذي ادليت به مع الوزير ظريف في ليلة الاتفاق. يشار الى ان ظريف كان اعلن حينها ان قرارا في مجلس الامن بإلغاء قرارات سابقة تفرض عقوبات وحظر على ايران سيتم تبنيه مباشرة فور توقيع الاتفاق النهائي. لكن الاميركيين في وثيقة حقائقهم التي نشرها البيت الابيض لم يحددوا متى سيصار الى هذا القرار او الاطار الزمني لصدوره.
ورغم ان باريس لم تنشر النسخة الفرنسية لهذا الاتفاق، الا ان القاء نظرة على ما خرج به الوفد الفرنسي من المدينة السويسرية ليلة الاتفاق يكفي للتوصل الى خلاصة من اثنتين: الاميركيون لم يعمموا نص الاتفاق كاملا او بالطريقة الصحيحة لأن بعض النقاط الحساسة لا تزال عالقة بانتظار حلها قبل موعد الاتفاق النهائي المرتقب صدوره في نهاية حزيران المقبل. او ان ايران ارادت همروجة اعلامية بأنها توصلت الى اتفاق مع الدول الكبرى بشكل مبدئي على ان ينظر في التفاصيل في وقت لاحق خلال الفترة الفاصلة عن موعد الاتفاق النهائي. وهاتان الخلاصتان معناهما واحد ان اتفاق لوزان لا يزال مجرد فقاعة صابون فارغة يؤمل تحويلها الى كرة حديدية لها وزنها في حزيران المقبل. وتعريب تسميته بـاتفاق الاطار، يشبه حقا اطارا قد يبقى فارغا خاليا بعد 30 حزيران المقبل من اي صورة. ومع اتضاح ان كل طرف عاد الى شعبه من الاتفاق المزعوم متشبثا بما يتناسب مع هواه ورغباته ومصالحه، فمن الأصح نعت تفاهم لوزان بأنه اتفاق على الاختلاف.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00