يمر الاتفاق المبدئي النووي بين مجموعة دول الـ5+1 وإيران هذه الأيام في مرحلة دقيقة تسبق ولادته، إما كاتفاق نهائي قابل للحياة وإما يولد ميتاً. فلا يزال المجتمع الدولي وإيران في حيرة من أمرهما حول مصير هذا الاتفاق لأن ولادته حياً تحتم على الطرفين مسؤوليات جمة أبرزها قدرتهما على التعايش والانسجام معاً في المستقبل. وهذا الانسجام كي يحصل يوجب على إيران فعلياً التخلي عن طموحاتها العسكرية النووية، ويفرض على المجتمع الدولي التحقق والتيقن من حصول هذا الأمر ورفع شتى أنواع العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني.
التأخر الحاصل في الحسم يعود الى انعدام ثقة أحدهما بالآخر، فإيران تريد رفع العقوبات عنها أولاً والمجتمع الدولي يريد أولاً ضمانات بتخلي طهران نهائياً عن غاياتها العسكرية النووية. وحتى الآن فإن الرغبة الايجابية لدى فريقي محامي الطرفين (اي الوفود التي شاركت في مفاوضات لوزان) ليست كافية وحدها لإبرام اتفاق حاسم ونهائي لأن موكليهما أي ممثلي شعوب وإدارات الطرفين لا تزال تساورها شكوك في صدق نيات الطرف الآخر.
وعبرت كندا مع نهاية الأسبوع الفائت عن حالة انعدام الثقة التي يشعر بها الغربيون عموماً تجاه النظام الإيراني، لأن الأخير بحسب الحكومة الكندية غير أهل للثقة وتساورنا شكوك حول ما إذا كان الاتفاق بين الدول الست وإيران سيؤدي فعلاً الى تخلي الإيرانيين عن طموحاتهم العسكرية النووية.
وتستمر في واشنطن مساعي الرئيس الأميركي باراك أوباما في إقناع ممثلي الشعب الأميركي في الكونغرس بجودة اتفاق لوزان، وسط معارضة مستعرة له من قبل شيوخ ونواب الحزب الجمهوري. واعترفت ويندي شيرمان كبيرة المفاوضين الأميركيين في المحادثات النووية مع إيران أمس، بأن واشنطن وطهران أثارتا سخط بعضهما البعض بسبب التصريحات المتضاربة بشأن اتفاق الإطار الذي تم التوصل اليه.
وقالت في لقاء متلفز أظن أن كل طرف أثار غضب الآخر في بعض الأمور التي قلناها. حتى لو كنا ناقشنا ذلك قبل أن نغادر أن رواياتنا ستكون مختلفة نوعاً ما، على الأرجح لكننا تعهدنا بأن نحاول ألا تتعارض مع بعضها. والنقطة الرئيسية التي يختلف الطرفان عليها هي موعد رفع العقوبات عن إيران، فطهران تريد رفعاً فورياً لهذه العقوبات عند تبني الاتفاق النهائي في حزيران المقبل، أما واشنطن فتقول إن الرفع سيتم تدريجياً بحسب تجاوب الإيرانيين وتنفيذهم بنود الاتفاق.
وفي طهران نفسها، لا تزال المؤشرات الصادرة من هناك متناقضة حول مضمون الاتفاقية المبدئية وحجم التنازلات التي قدمها الوفد الإيراني في سويسرا.
واستمرت حالة الالتباس والشك التي يشعر بها الإيرانيون شعباً ونظاماً تجاه اتفاق لوزان وما إذا كان مضمونه فعلاً يخدم مصالح إيران. وتضاربت أمس المستجدات الميدانية الداخلية مع تصريحات صادرة عن مفاوضين نوويين إيرانيين زعم فيها أحدهم أن المرشد الأعلى علي خامنئي على علم تام بفحوى اتفاق لوزان قبل تبنيه من قبل الوفد الإيراني، أي أنه موافق على مضمونه.
لكن هذا الكلام لا ينعكس على مرآة الشارع الإيراني المتشدد حيث تظاهر مئات الطلاب من جامعات وحوزات دينية أمام البرلمان الإيراني ونددوا باتفاق لوزان واتهموا الوفد الإيراني المفاوض بتجاوز الخطوط الحمر المسموحة له.
وبسبب هذه الحالة الانقسامية داخل المجتمع الإيراني بين المعتدلين والمتشددين، أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ورئيس هيئة الطاقة الذرية الإيراني علي أكبر صالحي أنهما سينشران وثيقة خلال الأيام المقبلة أطلقا عليها اسم ورقة الحقائق الإيرانية حول اتفاق لوزان.
وأعلن هذا القرار النائب الإيراني جواد كريمي قدوسي الذي أكد أن وزير الخارجية ظريف ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أكبر صالحي أعلنا أنه سيتم قريباً إصدار ورقة الحقائق الإيرانية حول مفاوضات لوزان. واطلع كريمي قدوسي في تصريح لوكالة أنباء فارس على أجواء الاجتماع المغلق لمجلس الشورى الذي عقد أمس بحضور ظريف وصالحي، قائلاً إن النقطة الأهم التي أشار اليها وزير الخارجية وكذلك رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية في الاجتماع المغلق للمجلس هي أن وزارة الخارجية ستصدر في غضون الأيام القليلة المقبلة ورقة الحقائق الإيرانية حول البيان المشترك لإيران ومجموعة 5+1 من أجل تبديد هواجس الشعب والنواب.
أضاف أن النواب يعيرون إصدار ورقة الحقائق حول مفاوضات لوزان اهمية كبيرة. كما لفت عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الى أن وزير الخارجية ورئيس منظمة الطاقة الذرية قدما توضيحات باعثة على الأمل حول الأبحاث والتطوير للتكنولوجيا النووية في البلاد والتي تم الاتفاق بشأنها في المفاوضات وأعلنا أنه سيتم بعد بدء الاتفاق ضخ الغاز لأجهزة الطرد المركزي.
وعن موعد إلغاء العقوبات قال قدوسي إن الوزير ظريف صرح في الاجتماع بأن إلغاء الحظر سيجري عند تنفيذ الاتفاق. ففي البداية يقوم مجلس الأمن بإصدار قرار يلغي قراراته الـ6 السابقة حول فرض الحظر على إيران وفور إجراء هذا الأمر تبدأ إيران بتنفيذ تعهداتها بجمع أجهزة الطرد المركزي (العدد المتفق عليه) وبالمقابل يقوم الطرف الغربي بإلغاء الحظر.
وأكد قدوسي أن ظريف أكد في ما يتعلق بتفعيل كاميرات البث المباشر (اونلاين) أننا لم ولن نقبل مطلقاً بأن تزرع الوكالة الدولية للطاقة الذرية كاميرات اونلاين للمراقبة في مراكزنا النووية، وأن مثل هذا الأمر لم يرد في الاتفاق. وختم مشدداً على أن وزير الخارجية أوضح في ما يتعلق بالمنشآت غير المعلنة التي تُعد أحد مبادئنا الأمنية بأن لهذا الأمر آلياته الخاصة به، وليس أمراً أن يتم تنفيذ كل ما يريده الطرف الغربي.
وفي إطار الدفاع عن الاتفاق والتأكيد على موافقة خامنئي عليه، صرح مدير الشؤون السياسية الخارجية في وزارة الخارجية الإيرانية حميد بعيدي نجاد (وهو أيضاً أحد المفاوضين النوويين الإيرانيين)، لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية أن المرشد الأعلى علي خامنئي وكذلك الرئيس حسن روحاني اطلعا اولاً بأول على مسار التفاوض وعلى الاتفاق المبدئي قبل تبنيه. وأكد نحن مسؤولون عن هذا الاتفاق وسندافع عنه أمام الجميع.
وفي سياق منسجم مع وزارة الخارجية، أشاد القائد العام لقوات حرس الثورة اللواء محمد علي جعفري بجهود الفريق الإيراني في المفاوضات النووية، معتبراً امتلاك حق تخصيب اليورانيوم وإلغاء كل الحظر من الخطوط الحمر للجمهورية الإيرانية. وقال جعفري في تصريح صحافي أمس على هامش ملتقى قادة الحرس الثوري بغرض الرد على بعض نقاط الغموض المطروحة حول بيان لوزان النووي إن مقاومة الشعب الإيراني أمام أميركا أفشلت الخيارات القوية للولايات المتحدة لفرض إرادتها السياسية على الجمهورية الإيرانية.
بيد أن هذه المواقف الشديدة التلاحم لم تظهر في الشارع الإيراني، فقد تجمع المئات من طلبة الجامعات والحوزات الدينية أمام البرلمان الإيراني في طهران صباح أمس، للاحتجاج على اتفاق لوزان بين إيران ومجموعة الـ5+1. وبحسب وكالة أنباء فارس، رفع المتظاهرون لافتات تندد بالاتفاق واتهموا الفريق الإيراني المفاوض بـتجاوز الخطوط الحمر. كما طالبوا وزير الخارجية الإيراني بتقديم إيضاحات للشعب حول فحوى الاتفاق، محتجين على عدم تضمنه رفع كامل العقوبات الدولية عن إيران. كما أطلق المتظاهرون الذين انضم إليهم عدد من النواب المحافظين المعارضين لاتفاق لوزان، شعارات ضد الولايات المتحدة معتبرين أنها مارست الخدعة ضد الإيرانيين عندما نص بيان لوزان على أن العقوبات لن ترفع قبل التزام إيران الكامل ببنود الاتفاق.
ووفقاً لوكالة الأنباء الإيرانية، فإن محافظة طهران كانت قد حذرت من هكذا تجمعات وأعلنت أنها لم تصدر ترخيصاً لهذا التجمع، معتبرة أنه غير قانوني. وحصل هذا التجمع بينما كان البرلمان الإيراني يعقد جلسة سرية مع وزير الخارجية، لتوضيح الملابسات والغموض الذي يكتنف بنود اتفاق لوزان.
ويرى المحافظون في إيران أن بنود اتفاقية لوزان فُسرت من قبل الجانب التفاوضي الإيراني بشكل مختلف عن النسخة الإنكليزية واتهموا أعضاء الوفد الإيراني بـتقديم تنازلات كبيرة مقابل مكاسب ضئيلة. وكان نواب من اليمين المحافظ والتيار الأصولي طالبوا بعرض مشروع التوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية للتصويت عليه في البرلمان قبل أن يتم التوقيع عليه من قبل الوفد التفاوضي الإيراني الذي تعهد بذلك في بيان لوزان حول البرنامج النووي الإيراني.
وفي معرض ردود الفعل داخل إيران حول مصير اتفاق لوزان، أكد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، أن إعلان لوزان يشكل بداية طريق صعب حتى التوصل الى اتفاق نووي بين إيران والدول الكبرى، محذراً من الضغوط الصهيونية الرامية الى إجهاض هذا الاتفاق.
وخلال استقباله حشوداً جماهيرية من مختلف مناطق إيران بمناسبة السنة الهجرية الشمسية الجديدة، قال رفسنجاني لا خوف على البرنامج النووي لأن العلم والتوصل لهذه التكنولوجيا أصبحا في عقول الخبراء والعلماء الإيرانيين، ولا يمكن لأي قوة تدميرها وعلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفد إيران بالمزيد من التقنية النووية للأغراض العلمية والبحثية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.