دخلت حالة التوتر بين موسكو والدول الاوروبية التابعة لحلف شمال الاطلسي مرحلة جديدة مع انقضاء الاسبوع المنصرم. فقد اطلقت روسيا للمرة الأولى، منذ استيلائها على القرم وعبثها بسيادة واستقلال اوكرانيا وجورجيا، تهديدات مباشرة لدول اعضاء في الحلف الاطلسي، عندما حذر سفيرها في كوبنهاغن الحكومة الدنماركية من مغبة السماح للحلف بنشر جزء من درعه الصاروخية على اراضي الدنمارك، مهددا بان اي خطوة من هذا القبيل ستعرض السلاح البحري الدنماركي لهجمات نووية روسية. وبالطبع اعلنت كوبنهاغن رفضها التهديدات الروسية، واصفة اياها بـغير المقبولة، لكن الخطاب الدنماركي لم يتصاعد الى اكثر من هذه اللهجة الدفاعية الخجولة، اذ تبين ان عدد الطلعات الجوية للمقاتلات الروسية في اجواء الدنمارك وصل الى 58 مرة خلال العام الفائت 2014، كما كشفت وزارات دفاعات دول الاطلسي ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طور قاذفات قنابل اسرع من الصوت من طراز توبوليف تي يو - 160 ام - بلاكجاك وسيقوم قريبا بإطلاق اول نسخة محدثة منها ويطلق عليها اسم البجعة البيضاء.
وما يثير القلق لدى الدول الاوروبية الغربية في الحلف كبريطانيا وفرنسا والذعر لدى دول البلطيق لاتفيا وليتوانيا واستونيا هو ان بوتين لم يتوقف اطلاقا في الاشهر الاخيرة عن سياسته التوسعية. فقد ضم شبه جزيرة القرم من اوكرانيا الى الاتحاد الروسي واستولى على جمهوريتي اوسيتيا الجنوبية وابخازيا من جورجيا ويسعى الى ابتلاع الشطر الشرقي من اوكرانيا، بما يشير الى انه رسم خطة توسعية يقوم بتطبيقها بدم بارد مستغلا السياسة الخارجية الركيكة التي تنتهجها ادارة الأخ الاكبر في الاطلسي اي الولايات المتحدة الاميركية.
وجاءت تهديدات ادلى بها السفير الروسي في كوبنهاغن ميخايل فانين لصحيفة دنماركية لتمعن في ترهيب اوروبيي الاطلسي، حيث لم يتردد الديبلوماسي الروسي في تحذير الدنماركيين من ان نشر جزء من الدرع الصاروخية الاطلسية على اراضيهم سيعرض الدنمارك لخطر هجوم نووي روسي. وقال فانين حرفيا لا اعتقد ان الدنماركيين يدركون بشكل تام تداعيات انضمام الدنمارك الى درع صاروخية تقودها الولايات المتحدة. فإذا حصل ذلك ستكون السفن الحربية الدنماركية اهدافا للصواريخ النووية الروسية.
واوضح فانين ان الدنمارك ستصبح عندها جزءا من التهديد المحيط بروسيا. وبالتالي سيصبح امنها في خطر وسيتضرر اقتصادها. وبالتأكيد فإن الخيار في النهاية يعود لكم ولكني فقط اذكركم بأن اي خطوة كهذه ستعرض امنكم واقتصادكم للخطر وفي الوقت عينه اؤكد لكم ان روسيا تملك صواريخ قادرة على خرق اي درع صاروخية مستقبلية. وتابع السفير الروسي مهددا الدنمارك بلد صغير وجيشه صغير. نعم انتم عضو في الناتو ولكنكم تشكلون جزءا بسيطا من الحلف. ولهذا فإني اشدد على ان موسكو لن تستسيغ دخولكم او اي بلد اوروبي آخر في منظومة الدرع الصاروخية، لأن هذه الدرع بالنسبة لنا هي محاولة لمحاصرة روسيا وستجعل العلاقة بيننا وبين دول الحلف اسوأ مما هي عليه الآن.
وفي معرض رد كوبنهاغن على تهديدات موسكو، قال وزير الخارجية الدنماركي مارتن لايدغارد اذا كان هذا فعلا ما قاله السفير الروسي في كوبنهاغن فإن كلامه هذا غير مقبول، لأن روسيا تعلم جيدا ان الدرع الصاروخية الاطلسية هي دفاعية بحتة وليست موجهة ضد روسيا. وحاول الوزير الدنماركي ملاطفة الروس قائلا نحن نختلف مع روسيا في قضايا مهمة عدة ولكننا ايضا نتعاون في اماكن عدة كالمحيط المتجمد الشمالي ولذلك لا ينبغي ان يصل التصعيد الكلامي بيننا الى هذا الحد.
وجاءت تصريحات فانين بعيد نشر وزارة الدفاع الدنماركية تقريرا يفيد أن مقاتلات الجو الدفاعية الدنماركية من طراز اف 16 اضطرت خلال عام 2014 الى التحليق 58 مرة لإعتراض الطيران الحربي الروسي وإبعاده عن الاجواء الدنماركية. وكانت روسيا كثفت طلعاتها الجوية في المنطقة بعدما اعلنت الدنمارك الصيف الفائت استعدادها لنشر اقسام من منظومة الدرع الصاروخية الاطلسية على اراضيها، وحاول وزير الدفاع الدنماركي نيكولاي وايمن مرارا وتكرارا طمأنة الروس بأن المنطومة الاطلسية لا تستهدف موسكو انما الهدف منها هو منع التنظيمات الارهابية والدول المارقة من اطلاق صواريخ على الاراضي الاوروبية.
الزلزال الذي تسببت به تهديدات فانين لم يحدث هزة في الدنمارك فحسب، بل كانت له تداعيات اكبر على دول البلطيق الثلاث التابعة للاطلسي استونيا ولاتفيا وليتوانيا، اذ ان هذه الدول كانت تحاول طمأنة نفسها حتى الآن بأن روسيا لن تتجرأ على المساس بأي منها كونها من افراد اسرة الناتو. ولذلك بمجرد ما سمعت حكومات تلك البلدان بالتهديد الذي تلقته حكومة من الحكومات المؤسسة للناتو اي حكومة الدنمارك بدأت بإعادة حساباتها جيدا خاصة وان لديها مشكلة اضافية اساسية تتمثل بوجود جالية كبيرة من الاثنية الروسية على اراضي كل منها. وهذا يعني ان اي دولة منها مرشحة لتكون مسرحا مقبلا للمخطط الروسي نفسه الذي يحصل في كل من اوكرانيا وجورجيا.
وتضاعف الذعر في البلطيق ايضا بعد نشر خبراء عسكريين بريطانيين تقارير عن القدرات العسكرية الحديثة لروسيا، حذروا فيها من ان الدفاعات الجوية البريطانية بما فيها مقاتلات تايفون قد تكون عاجزة عن صد اي هجمات تقوم بها قاذفات قنابل اسرع من الصوت طورتها موسكو قادرة كل قاذفة منها على حمل اكثر من 18 صاروخا نوويا والطيران 7600 ميل دون الحاجة الى تعبئة وقود. واكد الخبراء البريطانيون ان تجربة القاذفة الجديدة نجحت وان موسكو بصدد عرض اول نسخة مطورة منها ويسعى بوتين الى تطوير وانتاج المزيد من قاذفات القنابل هذه.
ورجحوا ان يتضمن سلاح الجو الروسي 11 قاذفة محدثة من هذا الطراز تي يو 160 - بلاكجاك بحلول العام 2020. وحذر التقرير البريطاني من الاستفزازات الجوية التي يقوم بها سلاح الجو الروسي قرب الجزر البريطانية، مشيرا الى ان القاعدة الجوية الروسية في مورمانسك في شمال روسيا تبعد 1000 ميل فقط عن المملكة المتحدة وهذا يعني ان القاذفات الحديثة قادرة على البقاء في محيط الاجواء البريطانية وقتا طويلا دون الحاجة الى التزود بالوقود.
وتضمنت تقارير وزارة الدفاع البريطانية ايضا التحديثات التي اجراها بوتين على مقاتلات اخرى في سلاحه الجوي وعلى انواع الصواريخ الموجودة في ترسانته، مع التشديد على مضاعفته عديد القوات الخاصة في الجيش الروسي. ويرجح البريطانيون ان يزداد عديد القوات الروسية الخاصة سبتسناز من 15 الفا الى 32 الفا بحلول العام 2020. وتعتبر هذه القوات الخاصة بحسب معلومات الناتو اداة رئيسية في خطة بوتين التوسعية. اذ ان هذه القوات هي التي استولت على القرم، والصراع الدائر الآن في شرق اوكرانيا بين الجيش الاوكراني والانفصاليين يحمل ايضا بصمات هذه القوات. وقد شددت دول البلطيق تدابيرها الامنية لعدم السماح لخلايا هذه القوات من التغلغل في نسيج مجتمعاتها لأنها قد تحول لاتفيا واستونيا وليتوانيا الى مسارح جديدة للنفوذ الروسي كما هي الحال الآن في اوكرانيا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.