8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أوروبا: مخاوف من الإرهاب .. اشتداد التطرّف القومي..أزمة مهاجرين

عاشت دول الاتحاد الاوروبي خلال العام 2014 في حالة قلق دائم من خطر الهجمات الارهابية، وذلك على اثر تدفق آلاف المقاتلين منها الى سوريا والعراق للانخراط في المعارك الدائرة هناك وتخوف الحكومات من عودة هؤلاء بأجندات ارهابية لتنفيذها على الاراضي الاوروبية. فعقدت المؤتمرات بشكل دوري ووضعت استراتيجية اوروبية غربية مشتركة لمنع المزيد من المجاهدين من مغادرة البلدان الاوروبية الى اماكن الصراع، وقررت السلطات في دول الاتحاد الـ 28 اعتقال اي عائد من الشرق الاوسط مشتبه في تورطه مع داعش وغيره من المجموعات الارهابية.
لكن التهديدات الارهابية لم تكن هي المشكلة الوحيدة التي قضّت مضاجع رجال الشرطة في اوروبا. فقد شهدت شوارع المدن الكبرى عودة الجرائم العنصرية والاعتداءات على المهاجرين. ولم يمر العام الا ووصلت الاشتباكات العقائدية الى ربوع القارة البيضاء. وفيما لا يزال الوضع الاقتصادي يمر بظروف صعبة جدا، اجتاحت موجة التطرف القومي والديني من جديد الشعوب الاوروبية ما أحدث شرخا بين سكان البلد الواحد في مشهد أعاد الى الاذهان اجواء التوتر التي كانت سائدة في القارة نفسها في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين.
وبرز بشكل رئيسي ضعف البنية الاجتماعية للاتحاد الاوروبي وذلك بسبب الفارق الشاسع في العادات واسلوب الحياة بين شعوب دول اوروبا الشرقية المنتمية الى الاتحاد وشعوب دوله الغربية. وهذا الواقع فرض على بعض حكومات الدول الغربية اعلان العصيان على بروكسل والمطالبة بتعديلات جذرية في قوانين الهجرة والتنقل داخل الاتحاد، وذلك بهدف الحد من العدد الهائل للمهاجرين من دول الاتحاد الفقيرة كرومانيا وبلغاريا وهنغاريا الى الدول الاكثر ثراء كبريطانيا وفرنسا بعدما بدأ تدفق الشرقيين يوتّر الاوضاع الداخلية في غرب القارة.
تهديدات ارهابية
مع اتساع الرقعة التي يسيطر عليها تنظيم داعش في العراق وسوريا وقيامه بإعدام رهائن غربيين وبث تنفيذ عمليات الاعدام عبر شبكة الانترنت، اصبح البعبع الكبير في الدول الغربية عموما والاوروبية خصوصا طوال عام 2014 هو الجهاد في صفوف داعش، لا سيما بعدما كشفت وزارات الداخلية في الدول الاوروبية ان عددا كبيرا من شبانها وشاباتها غادروا الى سوريا في السنتين الاخيرتين للانضمام الى صفوف داعش وجبهة النصرة. وشهدت العواصم الاوروبية سلسلة من الاجتماعات الدولية وضعت استراتيجية امنية مشتركة لتفادي حدوث اعمال ارهابية على الاراضي الاوروبية وذلك بفرض رقابة مشددة على المطارات ومرافئ وحدود الدول لاعتقال العائدين من اماكن الصراع ومنع المغادرين اليها من السفر. كما شملت الخطة الامنية استهداف الموارد المالية للتنظيم الارهابي داعش ما ادى الى كشف التهريبات المالية التي كانت تؤمنها للارهابيين بعض المؤسسات المقنعة بغطاء الاعمال الخيرية. وكلما اعتقل مشتبه فيه في احدى الدول سواء بريطانيا او فرنسا او المانيا او اي دولة اوروبية اخرى، كان الاعتقال يؤدي الى سلسلة من الاعتقالات لاحقا حيث كان كل ارهابي يعترف بعلاقاته ومعارفه ما ادى الى افشال العشرات من المخططات الارهابية على مساحة دول الاتحاد الاوروبي. وهذا ما دلّ بشكل واضح على نجاح الاستراتيجية الاستباقية التي وضعتها اسرة الاتحاد الاوروبي بالتعاون مع حلفائها عبر العالم وفي مقدمهم تركيا ودول الخليج العربي والولايات المتحدة الاميركية من اجل وأد اي مخطط ارهابي محتمل في مهده.
وشهد العام رفع مستوى الحذر في غالبية دول الاتحاد، لكن الخطر تفاوت بين بلد وآخر بحسب عدد المجاهدين في مجتمع كل دولة. وكان لدول الاتحاد الكبرى الثلاث بريطانيا وفرنسا والمانيا نصيب الأسد لأن اعداد الجاليات الاسلامية فيها اكبر نسبيا من الدول الاخرى. وشهدت مطاراتها بشكل خاص سلسلة واسعة من الاعتقالات بحق الارهابيين المحتملين، ورغم ان فرنسا والمانيا اعتقلتا عددا لا بأس به من هؤلاء، الا ان المحنة الكبرى كانت في وجه السلطات البريطانية اذ تبين ان عدد المجاهدين البريطانيين الذين يقاتلون في سوريا والعراق بقدر بنحو 5 آلاف ما قرع جرس الانذار بقوة في لندن ودفع رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون الى عقد اجتماعات دورية لخلية الازمات ومجلس الامن القومي البريطاني لوضع اسس التعامل مع هذا الخطر المحدق. ولم يقتصر تطوع الشبان البريطانيين على حمل راية داعش بل تعداه الى حمل راية الاكراد الذين يحاربون التنظيم الارهابي، فقد شهد العام 2014 سفر شبان وشابات من بريطانيا للقتال الى جانب الاكراد في المعارك الدائرة ضد داعش.
وشهرا بعدَ آخر، واصلت بريطانيا صياغة تشريعات قانونية جديدة لمكافحة الارهاب وذلك لمنح الحكومة سلطة اكبر في معالجة آفة التطرف ومنع اي اعتداءات ارهابية وشيكة الحدوث على اراضي المملكة المتحدة. وآخر الغيث في هذا الاتجاه طرح اضافات جديدة على قانون مكافحة الارهاب (الموضوع عام 2000 ) بهدف منع شركات التأمين من تسديد مبالغ للتعويض عن دافعي الفدى للتنظيمات الارهابية في سبيل اطلاق سراح اي رهائن. كما قررت الحكومة البريطانية اقحام الشعب البريطاني في خططها ضد الارهاب وذلك بنشر ارشادات للمواطنين تدلهم على كيفية التعاون مع الشرطة لـ منع اي هجوم ارهابي محتمل.
واعلنت وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي ان الوقت الآن مناسب لمنح الشرطة والاستخبارات وقوى الامن سلطات اوسع. واشارت الى ان التهديد الارهابي يتزايد ولا بد من اتخاذ خطوات اضافية لحماية أمن البلاد. وشددت على ان بين التعديلات التي ستجرى على القانون الرئيسي لمكافحة الارهاب منع شركات التأمين من التعويض على العائلات التي تسدد فدى للخاطفين الارهابيين في سبيل تحرير احد ابنائها لأن هذا لا يسهم في وقف الارهاب بل يعزز شهية المجموعات الارهابية لخطف المزيد من الرهائن. واوضحت ان بين السلطات الجديدة التي ستمنح للقوى الامنية القدرة على الحصول على معلومات وفحوى الحوارات الالكترونية واجهزة الهاتف لأي مشتبه به، ورغم ان هذا الجزء تحديدا يلقى اعتراضات من بعض نشطاء حقوق الانسان، إلا ان ماي اكدت ان نص الاقتراح قد حضر بطريقة مدروسة جيدا للإجابة على شتى المخاوف. كما سيعطي القانون الجديد وزارة الداخلية صلاحية طرد الائمة المتطرفين ومنع هؤلاء من بث سمومهم في المدارس والمعاهد والجامعات.
وتأمل ماي ان تمر التشريعات الجديدة المتعلقة بمكافحة الارهاب مرورا سريعا وناجحا في البرلمان البريطاني لكي تتبناها الحكومة ووزارة العدل بشكل رسمي في الثلث الاول من العام المقبل 2015 قبل موعد الانتخابات التشريعية في الربيع المقبل. وتشمل هذه التعديلات ايضا مصادرة جواز سفر اي مواطن بريطاني يشتبه في سعيه الى مغادرة المملكة المتحدة من اجل القتال في الخارج، وفرض حظر موقت (مدته عامان على الاقل) على عودة البريطانيين المحاربين في العراق وسوريا إلى الاراضي البريطانية.
واعلنت سكوتلانديارد احباطها نحو 7 مخططات ارهابية في العام 2014 وان مجموع المخططات التي كشفتها القوى الامنية واجهزة الاستخبارات منذ اعتداءات لندن العام 2005 تجاوزت الـ40 عملية. واكدت الشرطة حاجتها الى تعاون دائم من الشعب البريطاني لأنها غير قادرة بمفردها على توفير الامن التام في ظل تصاعد خطر التهديدات الارهابية، لا سيما بعدما قررت بريطانيا المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش.
مشهد الاحتياطات والقوانين الجديدة تم بخطوات مشابهة في دول اخرى من اسرة الاتحاد الاوروبي. ولم يمر اسبوع هذا العام على اوروبا الا والقت السلطات في هذا البلد او ذاك القبض على مشتبه في صلاتهم بالارهاب والحروب الدائرة في الشرق الاوسط. لكن الازدياد المطرد لعدد الشبان الراغبين في الانضمام الى الجماعات الارهابية سلط الضوء بشدة هذا العام على عورات المجتمعات في الدول الاوروبية الكبرى واظهر حالة النفور بين ابناء الجاليات الدينية المختلفة وبين بشكل واضح عدم انخراط المسلمين تحديدا في بوتقة المجتمعات الغربية. ولكن متى عرف السبب بطل العجب، اذ حمّل عدد من الناشطين الحقوقيين جزءا كبيرا من المسؤولية عن تطرف هؤلاء الشبان الى عنجهية اقرانهم من المسيحيين من سكان البلاد الاصليين وتكبرهم، ما دفع بالمسلمين الى رمي انفسهم في نيران الافكار المتطرفة بحثا عن كرامتهم التي جُرّدوا منها. هذا الواقع ترسخ بشكل ملحوظ في عام 2014 ما يدفعنا من خلال هذا التقرير الى التطرق الى النقطة التالية التي تتمحور حول العنصرية والتطرف.
عنصرية وتطرف
اصاب داء الهوية الشعوب الاوروبية خلال عام 2014 بعوارض مشابهة للجنون. فقد استعرّت الافكار القومية المتطرفة الرافضة مشروع الاتحاد الاوروبي جملة وتفصيلا، ولعبت جرائم داعش دورها في رمي شريحة من الشباب الاوروبي في فخ الهوية المسيحية المتطرفة سواء اكانت اورثوذوكسية كما في اليونان وشرق اوروبا، او كاثوليكية كما في ايطاليا وفرنسا، او انغليكانية بروتسانتية كما في انكلترا. ولم تقف الكراهية العرقية والدينية عند هذا الحد فحسب، بل تميز هذا العام ايضا بانتقال صراعات الشرق الاوسط الدينية الى اشتباكات في شوارع المدن الاوروبية الكبرى لا سيما الفرنسية منها حيث ادى العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة الى تفجر آفة المعاداة للسامية داخل المجتمع الفرنسي وانتشرت عصابات الفرنسيين من اصول شمال افريقية في انحاء البلاد مستهدفة افراد الجالية اليهودية بشكل لم تشهد له فرنسا مثيلا منذ ايام الحرب العالمية الثانية ابان انتشار الافكار النازية والفاشية. ولم يكد العام 2014 ينقضي حتى حرصت الجالية اليهودية على تبني الحكومة الفرنسية تدابير جديدة تضمن أمن يهود فرنسا وتستهدف الافكار المعادية للسامية.
وجاءت نتائج انتخابات البرلمان الاوروبي التي اجريت في شتى بلدان الاتحاد الاوروبي الـ 28 في ربيع العام 2014 لتعكس الواقع المرير وتزيل أصبغة قناع التعايش المشترك بين الجاليات المختلفة في المجتمع الاوروبي الواحد. فهذه النتائج كانت صاعقة في بعض البلدان. وسبّبت صناديق الاقتراع زلزالا سياسيا حقيقيا هز دعائم هيكل الاتحاد الاوروبي، اذ حصلت الاحزاب المتعصبة قوميا والمطالبة بتفكيك الاتحاد على اكثر من 100 مقعد من أصل 751 في قفزة عملاقة في غضون 5 اعوام، والمفاجأة كانت في هوية البلدين اللذين انتصر فيهما اليمين المتطرف: المملكة المتحدة وفرنسا دولتا الاتحاد الوحيدتين اللتان تملكان حق النقض الفيتو في مجلس الامن الدولي.
وأعربت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل عن اسفها للتقدم المحلوظ الذي احرزته الاحزاب القومية المتطرفة في هذه الانتخابات ولا سيما احتلالها الصدارة في دولتين كبيرتين كالمملكة المتحدة وفرنسا. اما رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس فاعتبر ما حصل زلزالا سياسيا يستدعي اصلاحات جذرية في الاتحاد الاوروبي والعلاقة ما بين بروكسل والعواصم، وهذا تحديدا ما دعا اليه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ورئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون اكبر خاسرين في تلك الانتخابات. وارتفعت الاصوات في بريطانيا مطالبة بمغادرة نائب رئيس الوزراء البريطاني نيك كليغ منصبه بعد الهزيمة الساحقة الذي تعرض له حزبه الليبراليين الديموقراطيين بفقدانه 10 مقاعد وعدم قدرته على التمسك سوى بمقعد واحد في البرلمان الاوروبي. في حين بلغت نشوة كل من زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة نايجل فاراج وزعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي مارين لوبن الذروة وهما يشاهدان حزبيهما المناهضين للاتحاد الاوروبي يتربعان على عرش نتائج انتخابات البرلمان الاوروبي ويحققان المركز الاول للمرة الاولى في تاريخيهما في انتخابات شاملة كهذه. وقد اكد فاراج ولوبن ان حزبيهما سيكونان على التوالي قوة سياسية لا يمكن ردعها في الانتخابات النيابية المقبلة عام 2015 في بريطانيا والرئاسية عام 2017 في فرنسا.
ازمة مهاجرين
تفجرت خلال عام 2014 ازمة كبيرة داخل اسرة الاتحاد الاوروبي سببها تدفق المهاجرين من دول الاتحاد الشرقية الى دوله الغربية، اذ استغل هؤلاء التسهيلات التي تفرضها قوانين الاتحاد بفتح الحدود بين الدول الاعضاء ما سبب مشاكل داخلية في الدول الثرية ودفع حكومات بعض الدول الى المطالبة بتعديلات كبيرة في اتفاقيات الهجرة داخل الاتحاد. ولعبت اعداد المهاجرين الشرق اوروبيين دورا اساسيا في هزيمة الاحزاب التقليدية الوسطية في انتخابات البرلمان الاوروبي في كل من بريطانيا وفرنسا، اذ عبر شعبا البلدين عن سخطهما فمنحت اكثرية الناخبين اصواتها للاحزاب القومية المتطرفة كحزب استقلال المملكة التحدة في بريطانيا وحزب الجبهة الوطنية في فرنسا وهما حزبان يطالبان بانسحاب البلدين من الاتحاد الاوروبي.
هذا الواقع شدد الضغط على ادارتي دايفيد كاميرون وفرنسوا هولاند، ودفع الحكومة البريطانية بالتلويح بالانسحاب من الاتحاد في حال لم تقم بروكسل باجراء تعديلات تحد من حرية الهجرة وتنظم التنقل وحقوق العمل لمواطني الدول الاعضاء. وما أثار حنق شعوب اوروبا الغربية بالدرجة الاولى هو الطابع اللصوصي والاجرامي الذي تتسم به شريحة واسعة من المهاجرين الآتين من دول الاتحاد الشرقية، فقد ازدادت اعمال السرقة والنشل واحيانا القتل بشكل غير مسبوق وفي اغلب الاحيان يكون الجناة من هؤلاء المهاجرين الشرعيين بحسب بروكسل والغير شرعيين بحسب آراء شعوب البلدان الغربية.
ورغم صمت فرنسا وهولندا وبعض الدول الاسكندينافية عن مشكلة الهجرة على مضض، بادرت بريطانيا الى فتح الجدال المكبوت بشأن السياسات الأوروبية الموحدة حول حقوق العمل والهجرة والمعونات الاجتماعية. ووجد كاميرون نفسه مضطرا تحت ضغط الناخبين البريطانيين المشككين في جدوى الوحدة الأوروبية، بعد صدور الأرقام المخيفة هذا العام حول الهجرة في بريطانيا، الى اعلان إجراءات جديدة للحد من تدفق المهاجرين الآتين من دول الاتحاد الأوروبي والتهديد بأن مستقبل بلاده قد لا يكون داخل الاتحاد. ولم يكد العام 2014 ينقضي حتى أوصى رئيس الوزراء البريطاني بالحد من المخصصات الاجتماعية للعمال الآتين من دول الاتحاد الأوروبي أملا في ثني هؤلاء عن تفضيل بريطانيا كوجهة لهم. وقال كاميرون نريد إقامة النظام الأكثر تشددا في أوروبا للتصدي لانتهاكات حرية التنقل والحد من التدفق الاستثنائي الكبير للمهاجرين الآتين من سائر دول أوروبا.
ورغم ان بروكسل وعدت بدراسة مطالب كاميرون، الا ان تحديد عدد المهاجرين الذي ترغب بريطانيا في تبنيه قد يصطدم برفض أوروبي. وتقف المانيا في طليعة الدول الرافضة لتعديلات على اتفاقيات الاتحاد بالاضافة الى دول الاتحاد الشرقية حكما. ولكن برلين تدرك ايضا ان لندن لا تتسلى في هذا الصدد وان مستقبل البريطانيين مع الاتحاد هو الآن على المحك قبل موعد استفتاء شعبي سيجري في المملكة المتحدة عام 2017 لمعرفة رأي الشعب البريطاني واذا كان يفضل الاستمرار في الاتحاد الاوروبي او الانفصال عنه. ومن شأن موافقة بروكسل على الخطوات البريطانية الجديدة تعزيز فرص استمرار الارتباط بين المملكة والاتحاد الأوروبي، وهو ارتباط مهم جدا ليس بالنسبة للاوروبيين فقط بل لحلفائهم الاميركيين ايضا الذي لا يحبذون بتاتا رؤية الطلاق يحصل بين لندن وبروكسل.
سياسة خارجية ضعيفة
لم تظهر ديبلوماسية الاتحاد الاوروبي في صورة اضعف مما بدت عليه في عام 2014، اذ غابت القرارات الهامة الحاسمة عن السياسة الخارجية لبروكسل. وربما مرد ذلك الى مرور السلك الديبلوماسي الاوروبي هذه السنة بمرحلة انتقالية شهدت تغييرات في المناصب الكبرى مع انتهاء ولاية البريطانية كاثرين آشتون وحلول الايطالية فدريكا موغيريني مكانها على راس خارجية الاتحاد، واستلام البولندي دونالد توسك مقعد البلجيكي هرمان فانو رومبوي على رأس مجلس الاتحاد.
اداء الخارجية الاوروبية في عام 2014 جاء باهتا في الملفات الكبرى، فحضور آشتون كان هامشيا ورمزيا في المساعي التي قادتها مصر في سبيل التوصل الى وقف اطلاق النار بين اسرائيل وغزة. ورغم رغبة جامحة لدى آشتون في تحقيق انجاز شخصي لها في مفاوضات برنامج ايران النووي، الا ان هذا الامر لم يحصل، وقد منح الاوروبيون آشتون (رغم انتهاء ولايتها) فرصة لللاستمرار في تمثيل الاتحاد في مسلسل المفاوضات مع ايران الذي تأجل الحسم فيه حتى حزيران 2015. أما الانقسام الحاد في الآراء بين دول الاتحاد فانفضح بشكل كبير في كيفية التعامل مع انتهاك روسيا السافر لسيادة اوكرانيا واستقلالها، اذ فضلت دول كايطاليا والمانيا عدم اغضاب الروس على حماية دول شرق ووسط اوروبا الذين طالبوا بعقوبات اوروبية اشد ضد موسكو. ولو لم تضغط واشنطن على حلفائها الاوروبيين لما فرض الاتحاد عقوبات على روسيا، تعتبر مخففة، مقارنة بالعقوبات الاميركية. وفي الازمة السورية لم يصدر عن بروكسل اي قرار حاسم، فحتى الحرب الدولية على داعش لم تشهد مشاركة عسكرية فاعلة لدول الاتحاد في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم بل جاء التأييد من تلك الدول صوريا باستثناء مشاركة فرنسا وبريطانيا والمانيا في الغارات الجوية ضد التنظيم في العراق فقط، فيما ساهمت قلة من الدول الاخرى كالدانمارك وهولندا في تدريب المقاتلين الاكراد.
ولم يتم تحريك ملف عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين الا بعد وصل موغيريني الى رأس الديبلوماسية الاوروبية في نهاية العام. وتبدو السياسية الايطالية مصممة على تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف. وقد شهد عدد من برلمانات الاتحاد دعما رمزيا للاعتراف بدولة فلسطين، وذلك عقب اعلان الحكومة السويدية اعتراف ستوكهولم رسميا بهذه الدولة. لكن هذه الحكومة سرعان ما دفعت ثمن جرأتها بأن تحرك القوميون المتطرفون في السويد ضدها وادى التحرك عبر البرلمان السويدي الى رفع الثقة عنها وحلها بعد اسابيع قليلة فقط على قرارها الجريء.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00