لم تأتِ أي مبادرة من مبادرات موفدي الأمم المتحدة للأزمة السورية بأي حل يزيل جزءاً من المآسي عن كاهل الشعب السوري. واستراتيجية تخفيف التصعيد عموماً وتجميد القتال في حلب خصوصاً التي يطرحها ستيفان دي ميستورا الآن لا تختلف عن مبادرات سلفيه في المنصب عينه كوفي أنان والأخضر الابراهيمي لأن الهدف منها مجدداً إعطاء المزيد من الوقت للعبة سياسية جديدة تخدم مصالح الدول الكبرى.
إن ما يطرحه الموفد الدولي في هذا التوقيت بالذات هو خدمة مباشرة لتعويم سياسة الإدارة الأميركية حيال الأزمة ومنحها بضعة أشهر أخرى من الاستمرارية من دون أي تغيير. فالرئيس الأميركي باراك أوباما يتعرض لضغوط شديدة من الكونغرس ومن حلفائه الدوليين كتركيا وفرنسا من أجل تغيير استراتيجيته الحالية التي تصب في صالح نظام الأسد وتخنق المعارضة المعتدلة، والواقع الميداني لم يعد يسعفه إذ إن قوات النظام تكاد تطبق على حلب المدينة الكبرى الوحيدة التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة السورية المقبولة دولياً، وخسارة هذه المنطقة الاستراتيجية تعني تقريباً نهاية ما يُعرف بالثوار المدعومين من الغرب وتصبح الساحة ميداناً حصرياً للنظام من جهة والإرهابيين من جهة أخرى.
ونظراً لأن الأولوية القصوى في سياسة أوباما في هذه المرحلة بالذات هي التوصل الى اتفاق جدي مع إيران بشأن برنامجها النووي، فإن الرئيس الأميركي لا يريد إزعاج إيران ومصالحها في أي نقطة من العالم عموماً وفي أكثر المناطق أهمية بالنسبة لطهران أي سوريا خصوصاً. ولهذا السبب يرفض الرئيس الأميركي حتى الآن الاقتراح الذي تقدم به حليفه نظيره التركي رجب طيب اردوغان بفرض منطقة حظر جوي من الحدود التركية حتى مدينة حلب ضمناً، لأن هكذا منطقة من شأنها ازعاج إيران خصوصاً أن تأمين حمايتها قد يضع التحالف الدولي في حرب مباشرة مع نظام الأسد.
ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة دي ميستورا لتخرج أوباما من ضيقه، فتجميد القتال بصورة مؤقتة في حلب من شأنه منع سقوط حلب في قبضة النظام وفي الوقت عينه لا يسبب ازعاجاً لإيران. هذه المبادرة يطمع أوباما من ورائها الى منح الوقت الكافي لسياسته الرديئة الحالية في سوريا الى حين البت بالمفاوضات النووية مع إيران خلال النصف الأول من العام المقبل. ومن جهتها ترحب إيران بهكذا مبادرة لأنها حتماً ستوقف الثوار المدعومين من الغرب عن القتال ضد النظام الذي تثق طهران تماماً بقدرته على الغش ميدانياً واستغلال أي هدنة للاستيلاء على مزيد من أراضي المعارضة.
وأسهمت تصريحات إعلامية، كالتصريح الذي نقلته صحيفة التايمز البريطانية أمس عن نائب مدير المعهد البريطاني الملكي للخدمات في الدوحة (مجمع تفكير معروف بالدراسة المتعلقة بالأمن والدفاع) مايكل ستيفنس، في تعرية خطة أوباما للتوصل الى الحل النووي المنشود مع إيران. فقد اعترف ستيفنز أنه من موقعه كخبير استراتيجي غربي كان يتوقع سقوط حلب في أيدي النظام خلال الشهرين الماضيين. لكن الأمور تسير ابطأ مما كان متوقعاً.
وبوضع النقاط على الحروف وبالنظر في الصورة الأكبر للأوضاع السياسية والميدانية يمكن التوصل الى خلاصة قبيحة جداً بحق الشعب السوري مفادها أن الإدارة الاميركية والنظام الإيراني وضعا تقريباً 24 تشرين الثاني الفائت موعداً نهائياً لإبرام اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني على أساس سقوط متوقع لحلب في أيدي النظام والحرس الثوري الإيراني تعتم عليه إعلامياً الغارات الجوية التي يشنها التحالف الدولي على تنظيم داعش. وعند حصول ذلك ينتعش وضع النظام في سوريا وتضطر المعارضة المعتدلة صاغرة الى القبول بتشكيل حكومة في سوريا في ظل حكم الأسد وفي المقابل يحصل أوباما على الاتفاق النووي الذي يحلم به.
لكن الأمور سارت أبطأ مما كان متوقعاً وصمدت حلب في وجه المخطط المرسوم لها، ما اضطر المجموعة الدولية وإيران الى تأجيل حسم المفاوضات النووية حتى حزيران 2015. وما يقض مضجع أوباما وخامنئي على السواء الآن هو فوز الجمهوريين في الانتخابات الأميركية العامة الشهر الفائت، فسيطرة هؤلاء على الكونغرس من شأنها تهديد الاتفاق الذي يحلم أوباما والأيرانيون بإنجازه سوياً على حساب الشعب السوري.
إن الرسائل التي بعث بها أوباما الى خامئني يبدو أن لها مضامين أبلغ مما رشح الى الإعلام، واستقالة تشاك هيغل من وزارة الدفاع الأميركية لم تكن مجرد زوبعة في فنجان بل لها علاقة مباشرة بالتعاون الإيراني ـ الأميركي غير المحق في سوريا وقد يكون أبرز دوافعها التقارير التي أشارت الى غارات جوية قامت بها مقاتلات إيرانية فوق سوريا. فهل أي دولة من الدول التي تقف مع واشنطن في تحالفها الدولي أو أي فصيل من فصائل الثوار الشرعيين في سوريا يعرف هوية الطائرات التي تشن الغارات في الأجواء السورية وهل يقدر هؤلاء على التمييز بين طائرة أسدية أو طائرة روحانية أو طائرة أوبامية؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.