8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بوتين يواصل سياسته التوسعية وخروجه الباكر من قمة الـ20 دليل على حسمه خياراته

لم يكن من قبيل الصدفة قبل اجتماعهما ان يشبه رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحالية بسياسة زعيم المانيا النازية ادولف هتلر، ولم يكن جديدا على اذني بوتين سماع تهديد ووعيد كاميرون بشأن استمرار روسيا في زعزعة استقلال اوكرانيا وسلامة اراضيها. كما ان انسحاب الرئيس الروسي المبكر من قمة العشرين في استراليا ليس بالمفاجئ نظرا الى أن بوتين رسم مسبقا تحركاته وخططه المستقبلية اقتصاديا وعسكريا واتخذ قرارا لا رجوع فيه بإدارة ظهره الى الغرب واعتماد اصدقاء وحلفاء في الشرق، وشرع منذ مطلع العام الجاري بسياسة توسعية اخطبوطية التهمت شبه جزيرة القرم وبدأت بالاجهاز على ابخازيا واقاليم شرق اوكرانيا على مرأى من شعوب العالم بما في ذلك شعبا اوكرانيا وجورجيا.
لقد كان في إمكان بوتين ارسال رئيس وزرائه ديمتري مدفيديف بدلا منه الى قمة الـ20، لكنه شارك فيها هو شخصيا لثلاثة اسباب: الاول تكتيكي يرتكز على الاستمرار في نهج التعبير للغرب عن توجهات ما وتطبيق عكسها ميدانيا. الثاني سياسي لأن روسيا تشعر بوضعية مريحة تتيحها لها كلمتها المسموعة لدى نظامي ايران وسوريا وبالتالي لها تأثيرها في ملفين من اكثر الملفات الشائكة حاليا اي الملف النووي الايراني والازمة السورية. اما السبب الثالث فهو مشاركة حلفاء روسيا الاقتصاديين الذين يعول الكرملين عليهم في تخفيف وطأة العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي.
تكتيكيا، نجح بوتين مجددا في إظهار موقف الزعيم البريء العاقل امام الرأي العام العالمي عندما التقى ولو لمدة وجيزة الرئيس الاميركي باراك اوباما (في بكين الثلاثاء الفائت خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ) ونصح الغرب بسحب عقوباته الاقتصادية عن روسيا مستمرا في انكار اجتياح قواته المسلحة القرم وشرق اوكرانيا.
فبينما كان يشارك زعماء الغرب موائدهم في بريزبن كانت الحكومة الروسية انهت ابرام مشروع عسكري لبناء جيش روسي ـ ابخازي مشترك مهمته الدفاع عن استقلال ابخازيا الذي تعترف به روسيا بشكل احادي منذ وصول بوتين الى سدة الحكم مسببة سخطا كبيرا لدى جورجيا التي ترى اقليم ابخازيا التابع لها، بحسب القانون الدولي، في طريقه ليلحق بمصير شبه جزيرة القرم الاوكرانية التي التهمتها روسيا بطريقة مشابهة في الجزء الاول من العام الجاري. وهكذا يكون بوتين مستمرا في سياسة توجيه الكلام المعسول للغرب القائم على انكار نواياه التوسعية واطلاق التطمينات الضبابية الغامضة، في حين تكون قواته ميدانيا وحكومته سياسيا مستمرتين في وضع اليد على دول الجوار بحسب ما تسنح الفرصة.
سياسيا، أراد بوتين الوقوف على آخر اجواء التنسيق الاستراتيجي بشأن ملفي النووي الايراني والازمة السورية بين الولايات المتحدة الاميركية وحليفتيها الشرق اوسطيتين المشاركتين في القمة اي المملكة العربية السعودية وتركيا. فالمحادثات المتعلقة بالنووي الايراني التي تشارك فيها موسكو وواشنطن على السواء ستشهد هذا الاسبوع خيارات وقرارات قد تكون حاسمة. وبوتين يعلم جيدا ان نظيره الاميركي الحائز على نوبل السلام يرغب كثيرا في ابرام اتفاق مع ايران يحل به سلميا ازمة برنامجها النووي، ويدرك في الوقت عينه ان النظام الايراني بارع في سياسة المماطلة وعدم حسم الامور وانه يستغل استمرارية المفاوضات النووية من اجل اطالة عمر نظام الأسد في سوريا لعل الامور تنفرج اكثر في الميدان عسكريا. ولهذا اراد الرئيس الروسي ان يكون موجودا لجس نبض الاتراك والسعوديين والاميركيين وخاصة ان واشنطن لوحت بواسطة تقرير اعلامي للـسي ان ان بامكان مراجعة استراتيجيتها العسكرية في سوريا واستهداف بشار الأسد. وبالطبع اراد الرئيس الروسي ان يتيقن ما اذا كان الاميركيون سيقومون فعلا بخطوات عسكرية جديدة في سوريا كفرض منطقة حظر جوي، ام انهم فقط يستخدمون هذا الاعلان كوسيلة للضغط على ايران من اجل الحصول على تنازلات حاسمة من الاخيرة في اي اتفاق نووي.
اقتصاديا، شكلت قمة العشرين فرصة لبوتين للقاء حلفائه الاقتصاديين الرئيسيين كالصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا، وخاصة ان العقوبات الغربية تحتم عليه تعزيز علاقاته الاقتصادية مع تلك البلدان وفتح اسواق لروسيا تعوضها عن الاسواق التي اقفلها الغرب في وجهها. وقد قرر الرئيس الروسي مغادرة القمة قبل موعد انتهائها ليس بسبب شعوره بالعزلة كما عنونت صحف لندن وواشنطن، انما بسبب رغبته في اعلان عدم حاجة روسيا لدول الغرب ولو كانت القمة عقدت في اي من الدول الصديقة لروسيا لاطال بوتين مدة اقامته فيها الى ما بعد القمة.
اذا فالرئيس الروسي حسم خياراته بشأن المستقبل وحدد تحالفاته الاقتصادية التي تخوله الاستمرار في سياساته التوسعية المنتهكة لسيادة واستقلال الدول المجاورة لبلاده. وما الصفقات الاخيرة التي ابرمها الروس مع الصين وايران للتعاون الاقتصادي والنووي واعلان موسكو عن قرب بناء جيش روسي ـ ابخازي مشترك في ابخازيا الجورجية سوى دلالات واضحة على ان بوتين عازم على المضي في طريق توسعي لا رجوع فيه.
خيارات بوتين هذه بدأت تثير القلق والهلع في آن في صفوف حلف شمال الاطسي (ناتو) وحلفائه. وامس اعلن الامين العام للحلف ينس ستولتنبرغ عن قلقه البالغ ازاء تكثيف روسيا طلعاتها الجوية العسكرية القتالية والتجسسية في اجواء البلدان الاوروبية، واكد على الخطورة التي تشكلها هذه المناورات على سلامة الطيران المدني الاوروبي لأن الطيارين الروس لا يستخدمون الاجهزة التي تكشف للطائرات الاخرى عن وجودهم، كما لا يتواصلون مع سلطات الطيران المدني في اي بلد اوروبي ولا يقدمون بشكل مسبق جداول عن طلعاتهم الجوية ومواعيدها وهذا ما يعرض سلامة المسافرين على اي خطوط جوية مدنية للخطر بسبب احتمالات الاصطدام بالمقاتلات الروسية. واشار ستولتنبرغ الى ان الناتو رصد اكثر من مئة طلعة جوية غير مصرح عنها للطيران العسكري الروسي وهذه نسبة اكثر باربعة اضعاف من الطلعات شبه الروتينية التي سجلت في الاعوام السابقة.
وكانت دول عدة في الحلف اعترضت المقاتلات الجوية الروسية لدى اقترابها من اجوائها الدولية، وكان بين آخر الطلعات التي سجلت الاعتراض الذي قامت به في تشرين الاول الفائت مقاتلات تايفون بريطانية لقاذفتي قنابل روسيتين لمنعهما من دخول الاجواء البريطانية. لكن اخطر حادثة والتي كادت تودي بحياة 132 مسافرا كانوا على متن طائرة للخطوط الجوية الاسكندينافية حصلت في شهر آذار الفائت عندما مرت هذه الطائرة المدنية لدى اقلاعها من كوبنهاغن باتجاه روما بفارق ثوان من قرب طائرة تجسس روسية لم يكن احد يعلم بوجودها. هذا دون اغفال كارثة الطائرة الماليزية ام اتش 17 التي اسقطها الثوار الموالون لروسيا فوق شرق اوكرانيا في تموز الماضي وراح ضحيتها 298 شخصا كانوا على متنها.
ان من يتحدث عن عودة حرب باردة بين الروس والغرب لا تزال تنبؤاته باردة جدا ومنفصلة عن الواقع، لأن استمرارية موسكو في سياسة السيطرة والهيمنة على دول الجوار لا يمكن الا ان تؤدي الى قرع طبول حرب حقيقية حامية قد تندلع نيرانها قبل انقضاء العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00