حاول مؤيدو اسرائيل في الشارع السياسي البريطاني والأوساط الإعلامية الدولية التقليل من أهمية تصويت مجلس العموم البريطاني لصالح الاعتراف بدولة فلسطين. فغابت نتيجة هذا التصويت عن صفحات العديد من الصحف ولم تسلط وسائل الاعلام الضوء بشكل كاف على دوافع هذه الخطوة الديموقراطية البريطانية ومعناها، لكن من تابع جلسة النقاش التي استمرت أكثر من أربع ساعات مساء الاثنين في مجلس العموم واستمع الى مداخلات عشرات النواب البريطانيين من شتى الأحزاب، يدرك أن الصوت الذي أدلى به المجلس جدي جداً ويعد خطوة رئيسية في اتجاه إصلاح بريطانيا ما أفسدته مع الشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور.
هذا الوعد كان حاضراً جداً في الجلسة وتطرق إليه عدد لا بأس به من النواب الذين ذكروا أن إسرائيل لم تحترم على الإطلاق جميع ما ورد فيه. فالرسالة التي توجّه بها وزير الخارجية البريطاني آرثر جايمس بلفور في الثاني من تشرين الثاني العام 1917 الى رئيس الجالية اليهودية في بريطانيا اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد لم تتضمن كلمة دولة كما أنها شدّدت على وجوب احترام اليهود جميع الحقوق المدنية والدينية للجاليات غير اليهودية التي تعيش في فلسطين. وهذه النقطة تحديداً هي التي انتقد فيها النواب، وفي مقدمهم وزير الخارجية السابق جاك سترو، أول من أمس بشكل كبير الإدارة الإسرائيلية بخصوصها حيث إن انتهاكات حقوق الإنسان اليومية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين لا تعد ولا تحصى.
والرسالة التي عرفت في ما بعد بوعد بلفور تضمّنت الآتي: عزيزي اللورد روتشيلد، يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحبة الجلالة الإعلان التالي الذي يتعاطف مع التطلعات اليهودية الصهيونية وقد صادقت عليه الحكومة: تؤيد حكومة جلالة الملكة إقامة موطن للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل أفضل ما في وسعها من أجل تسهيل إنجاز هذه الغاية، على أن يفهم جلياً وجوب الامتناع عن أي عمل من شأنه الانتقاص من الحقوق المدنية والدينية للجاليات غير اليهودية الموجودة في فلسطين أو الحقوق أو الأوضاع السياسية التي يتمتع بها اليهود في بلدان أخرى. وسأكون ممتناً لو أطلعتم الاتحاد الصهيوني على هذا الإعلان.
وفي اتجاه إصلاح ما تجاهلته بريطانيا على مدى عقود من حق للشعب الفلسطيني للعيش بكرامته بالتساوي مع الشعب اليهودي، جاء أول من أمس التصويت في مجلس العموم الممثل الأول للشعب البريطاني واضحاً وصريحاً بتأييد كاسح لضرورة الاعتراف بدولة فلسطين والتعامل بمساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لكن العديد من المؤيدين لإسرائيل وأيضاً من المتحمسين لفلسطين اعتبروا أن هذا الاعتراف من قبل مجلس العموم ضئيل جداً ولا ينفع حيث إنه لن يغير شيئاً في موقف الحكومة البريطانية، لكن فات هؤلاء عدة حقائق أبرزها أن الحكومة البريطانية الحالية تعيش الآن أشهرها الأخيرة، فالانتخابات العامة على الأبواب وموعدها في ربيع العام المقبل.
أهمية التصويت تكمن في المشاركة الكثيفة لنواب حزب العمال فيه، فالذي وضع المقترح هو النائب العمالي غراهام جايمس وأغلبية الأصوات الـ274 التي أيدت الاعتراف هي أصوات النواب العماليين الذين شاركوا في الجلسة، وهذا يؤكد أن هناك قراراً من حزب العمال البريطاني بأن الوقت حان لاعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية. وبالنظر إلى آخر استطلاعات الرأي السياسية في البلاد وتوجهات الناخب البريطاني نجد أن استمرار التحالف الحالي بين حزب المحافظين وحزب الليبراليين الديموقراطيين في السلطة أمر شبه مستحيل بسبب خسارة الحزب الأول شريحة لا بأس بها من مؤيديه لصالح حزب اليمين المتطرف استقلال المملكة المتحدة المندفع بقوة في الساحة اليمينية والقومية على امتداد المملكة المتحدة، فيما يعاني الليبراليون الديموقراطيون من هزائم متتالية في معاقلهم كان آخرها خسارتهم قبل أشهر جميع مقاعدهم النيابية في البرلمان الأوروبي التي لم ينج منها سوى مقعد واحد فقط.
وفي هذا المشهد المرتبك في أوساط اليمين والوسط، تبدو حظوظ اليسار المتمثل بحزب العمال أوفر بكثير للفوز في انتخابات العام 2015 وتشكيل الحكومة البريطانية المقبلة. وبالطبع إن أي حكومة عمالية مقبلة لن تستغرق وقتاً طويلاً لتعلن اعتراف بريطانيا رسمياً بالدولة الفلسطينية، وهذا يعني أن تصويت الأمس، الذي حاول كثيرون التقليل من شأنه، قد لا يكون أقل من تمهيد كبير جداً لاعتراف رسمي من حكومة جلالة الملكة بالدولة الفلسطينية بعد أشهر معدودة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.