انطلقت مساء امس في بروكسل قمة طارئة غير رسمية جمعت قادة دول الاتحاد الاوروبي تحت اشراف رئيس مجلس الاتحاد هرمان فان رومبوي. والهدف من هذه القمة العاجلة هو مناقشة النتائج المخزية التي حققتها الاحزاب الحاكمة في عدد من الدول الاوروبية الكبرى كبريطانيا وفرنسا، وطرح سبل الاصلاح في آلية عمل الاتحاد الاوروبي واعادة تقويم العلاقة التي تربط بين بروكسل وعواصم الدول الـ28 وتقليص الصلاحيات والسلطات التي سلبها الاتحاد من حكومات الدول الاعضاء فيه.
ولدى وصولهما الى العاصمة البلجيكة للمشاركة في اعمال القمة، تحدث رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند باللهجة ذاتها، فوجها انتقادات لاذعة لكيفية ادارة الامور من بروكسل، وطالبا بإعادة الصلاحيات التي انتزعها الاتحاد الاوروبي
من حكومات دوله. وقال كاميرون لقد اصبح الاتحاد ضخماً جداً ومتسلطاً جداً ومتطفلاً جداً. البريطانيون يطالبون هذه المنظمة بالتركيز على النمو والوظائف. اضاف ان نتائج الانتخابات الاوروبية التي شهدت صعوداً كبيراً للمشككين في الاتحاد والمناهضين له ما هي الا رسالة واضحة لا يمكن الاكتفاء بتجاهلها والاستمرار كما في السابق. لذا يتعين على الاتحاد الاوروبي ان لا يبالغ في التدخل في شؤون الدول الاعضاء فيه والتحكم بمصالحها. من الآن فصاعداً ينبغي التصرف في مستوى الدول حين يكون ذلك ممكناً وفي مستوى الاتحاد الاوروبي حين يكون ذلك ضرورياً. وختم قائلاً: نحتاج على رأس المؤسسات الاوروبية الى اشخاص يدركون هذا الامر ويعونه.
أما هولاند فشدد على ضرورة ان يستمع الاتحاد الاوروبي جيداً الى الرسالة التي وجهها الناخبون في فرنسا وبلدان اخرى وان يقتنع بضرورة تقليص سلطاته التي اخذها من الدول. اضاف الاسرة الاوروبية بحاجة الى التغيير والاصلاح. واذا لم تستجب بروكسل لتطلعات الناخبين ومطالبهم فان اي انتخابات مقبلة سيكون لها نتائج اكثر عداء للاتحاد الاوروبي. واعترف هولاند بأن هزيمة حزبه الاشتراكي وحلوله في المركز الثالث خلف الجبهة الوطنية والاتحاد من اجل حركة شعبية شيء مؤلم، واكد ان هناك مشكلة ليس فقط في فرنسا ولكن في اوروبا كلها. ولذا يجب ان نعمل معاً على معالجتها.
وما استدعى هذه القمة الاووبية الطارئة، هو سقوط شريحة واسعة من الناخبين البريطانيين والفرنسيين في فخ التطرف القومي الذي موهته جيدا الفوضى السائدة في آلية العمل في الاتحاد الاوروبي. فقد انتجت هذه الفوضى الكثير من المشاكل لبريطانيا وفرنسا، سواء من حيث القوانين المتعلقة بالهجرة وفتح الحدود بطريقة فوضوية لا تراعي مصالح شعبي البلدين او من حيث زيادة صلاحيات بروكسل ووضع المزيد من السلطة الاقتصادية في قبضتها، ما جعل من الحكومتين البريطانية والفرنسية كيانين شبه عاجزين عن التصدي لازمات بلديهما الاقتصادية والاجتماعية بطرق فاعلة وكافية. وهكذا وجد ناخبو البلدين انفسهم امام خيار التعبير عن كرههم لبروكسل، التي بالنسبة لهم تقودها ألمانيا كما يحلو لها تحت اشراف وهندسة المستشارة الالمانية انغيلا ميركل، فارتموا في احضان الاحزاب القومية المناهضة للاتحاد الاوروبي وصوتوا لها موجهين رسالة واضحة الى الاتحاد الاوروبي بمؤسساته كافة، مفادها ان الاوان قد حان لاعادة النظر في اطر العلاقة بين البلدان والسلطة المركزية لهذا الاتحاد وان الامور لا يمكن ان تستمر كما هي عليه الآن والا فان الاتحاد في طريقه الى التفكك والانحلال. وبالطبع كما كان متوقعاً نظراً لأن الاقتصاد الالماني مستمر في النمو والانتعاش، جاءت النتيجة في المانيا معاكسة فقد عزز الخط السياسي المعتدل الذي ترأسه ميركل من عدد مقاعده في البرلمان الاوروبي، وفي هذا اشارة واضحة الى رضا الشعب الالماني عن سير الامور في الاتحاد الاوروبي طالما انها تراعي بالدرجة الاولى مصالح برلين الاقتصادية والمالية. ورغم هذه النتيجة لم تظهر البهجة على محيا ميركل عند اعلان النتائج وذلك لأنها فهمت على الفور معنى الرسالة التي وجهتها صناديق الاقتراع في بريطانيا وفرنسا وادركت انها ليست موجهة الى بروكسل فحسب بل ايضا الى برلين واليها هي شخصياً. فشخصيتها القوية ودهاؤها السياسي كانا وراء النجاح الذي حققته المانيا اوروبياً ربما على حساب دول اخرى كبريطانيا وفرنسا، وهي الآن تعلم جيداً ان رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند سيستغلان، على طريقة رب ضارة نافعة، هذه النتائج المرعبة في بلديهما للضغط عليها لتقديم تنازلات في بروكسل. وقد بدأت مخاوف ميركل تتأكد حين بدات اصوات كبار رجال الاعمال والشركات الاوروبية والعالمية الضخمة في اليومين الماضيين تطالب باجراء اصلاحات جذرية في آلية العمل الاقتصادية والسياسية في الاتحاد الاوروبي، وهذا معناه ان الجنة التي زرعتها ميركل للالمان من خلال بروكسل قد لا تدوم.
ولم تكد النتائج تعلن بشكل رسمي حتى خرج كاميرون وهولاند الى المنابر مطالبين باصلاح العلاقة بين بروكسل وكل من لندن وباريس، والا، كما اظهرت النتائج، فان الثمن سيكون خروج بريطانيا وفرنسا من اسرة الاتحاد الاوروبي. ورمى البريطانيون والفرنسيون الكرة مجددا في ملعب بروكسل، التي ان لم تعمل على ارضاء الشعوب الغاضبة عليها فانها ستواجه الزلازل السياسية المتمثلة بالاحزاب القومية المتطرفة المطالبة بتدمير الاتحاد الاوروبي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.