لا يمر عقد من الزمن وتبقى الخارطة الجيوسياسية العالمية على حال واحدة. فالنزاعات والحروب وتشكيل الاتحادات وانفراط عقدها وتفكك الامم، كلها دواليب تدور باستمرار محرك القلم السياسي الراسم لخرائط البلدان والمنمق لحدودها. والعالم يتوه في دوامة تشبه الدائرة المفرغة فتارة تعلو امبراطورية لفترة زمنية ثم تتفكك الى عدة دول، وتارة اخرى تلتئم دول مشتتة لتشكل اتحادا وهكذا دواليك.
الخارطة العالمية في مطلع القرن العشرين كانت مختلفة كليا عن الخارطة التي رسمتها تداعيات الحرب العالمية الاولى. فقد ادت الحرب الى اندثار السلطنة العثمانية وتفكك الامبراطورية النمسوية ـ المجرية ولم يكن هناك كيان اسمه يوغوسلافيا، وصورة العالم بين الحربين الاولى والثانية اختلفت ايضا عن صورته عقب الحرب العالمية الثانية. فقد قسمت المانيا الى شطرين شرقي وغربي ونالت دول شمال افريقيا والشرق الاوسط تباعا استقلالها من دول الاستعمار وولدت دولة اسرائيل. ولم تكد الثورات في اوروبا الشرقية تطيح بالانظمة الشيوعية حتى تفككت يوغوسلافيا الى دول عدة والأمر ذاته حصل للاتحاد السوفياتي الذي انفرط عقده. في المقابل مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي بدأت الدول الأوروبية تدخل اسرة الاتحاد الاوروبي تباعا وبدأت السلطات السياسية المستقلة تتقلص في كل عاصمة اوروبية عاما بعد عام حتى اصبحت معظم القرارات الحاسمة في السياسة الخارجية والقضايا الاقتصادية تتخذ بالتشاور والاجماع في بروكسل عاصمة الاتحاد. ولكن الى متى في ظل النقمة القومية التي بدأت تحكم قبضتها على الرأي العام في عدد لا بأس به من دول الاتحاد؟ .
النزعة القومية، التي بدأت شعبيتها تتعافى ليس فقط في اوروبا بل في شتى انحاء العالم بسبب الازمات الاقتصادية المتعاقبة، لا تقتصر على البلدان المعروفة جيوسياسيا في الوقت الراهن بل تتعداها الى دول تحلم حتى الآن بنيل استقلالها عن دولة ما او عن مجموعة من الدول وذلك على اساس مطالب حقوقية قد تكون عرقية او لغوية او حتى دينية.
ونظرا الى المتغيرات السياسية والاقتصادية السريعة التي تعصف بالعالم عموما، تبدو بعض الدويلات او الاقاليم الانفصالية اقرب من اي وقت مضى لتحقيق غاياتها. وتعرض المستقبل في هذا التحقيق ابرز الاقاليم المطالبة بالاستقلال مع ذكر اسم الدولة المرغوب باعلانها كيانا مستقلا واسم الدولة (او الدول) المرغوب في الانفصال عنها.
[دولة مابوتشي (تشيلي، الأرجنتين):
يطالب المابوتشي، وهم قبائل من سكان اميركا الجنوبية الاصليين (قبل قدوم الغزاة الاوروبيين اليها)، بدولة خاصة بهم في اراضيهم الواقعة بين جنوب تشيلي وجنوب غرب الارجنتين. ولهؤلاء القوم لغتهم الاصلية القديمة مابودونغون ولديهم طقوس دينية خاصة بهم رغم انهم مزجوها خلال العقود الماضية بتعاليم الكنيستين الكاثوليكية والانجيلية. ويناضل المابوتشي اليوم ضد الحكومتين التشيليانية والارجنتينية مطالبين اقله بدولة ذات حكم ذاتي تصون حقوقهم نظرا الى التمييز العنصري الذي يتعرضون له في البلدين الاميركيين الجنوبيين. ويبلغ عدد المابوتشي في تشيلي اكثر من مليون ونصف مليون نسمة وفي الارجنتين نحو 200 الف نسمة.
[جمهورية سانتا كروز (بوليفيا):
سانتا كروز هي اكبر مقاطعة في بوليفيا يتجاوز عدد سكانها 2 مليون نسمة وتبلغ مساحتها 370 الف و 621 كلم مربع. المقاطعة هي الاغنى في بوليفيا بسبب الاحتياطي الكبير الذي تملكه من الغاز الطبيعي. تدهورت علاقة حاكمية المقاطعة مع السلطات في سوكر منذ مطلع القرن الجاري بسبب حرص الدولة البوليفية على تقسيم ثروات البلاد بالتساوي على شتى المقاطعات، ولهذا السبب يعتبر اهالي سانتا كروز ان الافضل لهم الاستقلال عن بوليفيا. اجرت ادارة المقاطعة استفتاء شعبيا في ايار 2008 بشأن الاستقلال عن بوليفيا فجاءت النتائج ساحقة باكثر من 80 في المئة من سكان سانتا كروز صوتوا لصالح الانفصال، لكن القضاء البوليفي اعتبر الاستفتاء غير شرعي. ولا تزال الصولات والجولات تدور من حين لآخر بين السلطات والحكومة المحلية في سانتا كروز ويحاول الرئيس البوليفي ايفو موراليس دائما ارضاء اهالي المقاطعة بسبب اهميتها القصوى جغرافيا واقتصاديا للدولة البوليفية.
[اتحاد ولايات بارانا وسانتا كاتارينا وريو غراندي دي سول (البرازيل):
تطالب شريحة واسعة من اهالي ولايات جنوب البرازيل الثلاث بارانا وسانتا كاتارينا وريو غراندي دي سول بتشكيل اتحاد فدرالي مستقل عن البرازيل. ويبلغ تعداد سكان الولايات الثلاث مجتمعة نحو 27 مليون ونصف مليون نسمة غالبيتهم الساحقة (اكثر من 80 في المئة) من البيض ذوي الاصول الاوروبية. وتشتهر الولايات بأنها معقل اثرياء البرازيل وتنعم بتنظيم مدني ممتاز جدا مقارنة بولايات البرازيل الاخرى. وقد شكل الانفصاليون عام 1993 حركة سياسية ناشطة اسمها الجنوب بلادي لا تزال تتحين الفرص للضغط بشكل كاف لتحقيق الاستقلال المنشود.
[ولايات الشمال الشرقي المتحدة (البرازيل):
ترتفع اصوات كثيرين من اهالي ولايات شمال شرق البرازيل التسعة: مارنهاو وبياو وتشيارا وريو غراندي دي نورتي وبارايبا وبرنامبوكو والاغوس وسرغيب وباهيا مطالبين بدولة مستقلة عن البرازيل مؤلفة من الولايات التسعة متحدة. يبلغ مجموع سكان الولايات نحو 55 مليون نسمة. وترعى مطالب الانفصال حركة تدعى حركة الشمال الشرقي المستقل تم تاسيسها بين عامي 1992 و1994.
[جمهورية زوليا (فنزويلا):
تقع في اقصى شمال غرب فنزويلا وهي احدى ولاياتها الـ 23 يبلغ عدد سكانها نحو 4 ملايين نسمة نصفهم تقريبا يفضل الاستقلال عن الولايات الفنزويلية الاخرى.
[جمهورية موراواري (استراليا):
اعلن شعب الموراواري استقلال جمهوريته التي تضم اجزاء من ولايتي كوينزلاند ونيوساوث ويلز الاستراليتين في آذار 2013. ووجه رئيس مجلس هذه الجمهورية فريد هوبر رسائل الى رئيس وزراء استراليا وملكة بريطانيا يطالبهم فيها بالاعتراف بالموراواري جمهورية مستقلة عن استراليا. ولكن اعلان الاستقلال هذا لم يحظى باي اعتراف رسمي من اي دولة حتى الآن.
[بلاد الباسك (اسبانيا، فرنسا):
يغطي اقليم الباسك اراضي اقصى الجنوب الغربي الفرنسي واقصى الشمال الشرقي الاسباني. وشعب الباسك له لغته الخاصة به الباسكية وله عادات وتقاليد مختلفة نسبيا عن الشعبين الاسباني والفرنسي. اهالي مناطق الباسك يطالبون منذ عقود بدولة خاصة بهم وذلك رغم انهم يتمتعون بنوع من الحكم الذاتي في اسبانيا. غالبية اهالي المناطق التابعة لفرنسا ليسوا متمسكين جدا بالاستقلال عن الجمهورية الفرنسية، لكن الشق الاسباني باغلبيته الكاسحة يطالب بدولة الباسك المستقلة. وقد نشطت مجموعات عدة في اقليم الباسك مطالبة بدولة قومية باسكية، وعلى راس تلك التنظيمات تأتي حركة ايتا التي تلاحق اجهزة الامن الفرنسية والاسبانية عناصرها بشكل مستمر نظرا للجوء هؤلاء الى اساليب ارهابية ومسلحة في سبيل الاستقلال.
[التيبت (الصين):
يقع اقليم التيبت في غرب الصين ورغم مساحته الشاسعة مليون و228 الف و400 كلم مربع الا ان عدد سكانه يبلغ زهاء 3 ملايين و100 الف نسمة فقط وهي نسبة ضئيلة جدا مقارنة بالاقاليم الصينية الاخرى التي تعج بالسكان. شهد الاقليم صراعا تاريخيا بين شعبه الاصلي والامبراطوريات الصينية المتلاحقة قرنا بعد آخر. حاول الاقليم الانفصال عن الصين في ثورة عام 1911 ونجح في ازعاج الصين الى حد كبير، ثم وقعت الحرب الصينية اليابانية التي تفوقت فيها طوكيو سنوات بعدما احتلت عدة اقاليم صينية. وبعد خسارة طوكيو وحلفائها الحرب العالمية الثانية، عرف التيبت سنوات قليلة من الاستقلال بنى خلالها جيشا خاصا به. لكن بكين لم تعط التيبتيين فرصة لترسيخ دولتهم ككيان مستقل وقام الجيش الصيني باجتياح التيبت في تشرين الاول من عام 1950 ملحقا هزيمة كبيرة بالجيش التيبتي فوجدت سلطات التيبت نفسها في العام التالي 1951 مجبرة على توقيع اتفاق مع الصين بضم الاقليم رسميا الى اراضي جمهورية الصين الشعبية. لكن آمال شعب التيبت لم تخب وعادت الانشطة الانفصالية مجددا للظهور الى ان بلغت اوجها منذ بداية القرن الواحد والعشرين مستمدة قوتها من دعم سياسي غربي غير مسبوق ومن انتقادات لاذعة من منظمات حقوق الانسان للاضطهاد الذي يتعرض له الرهبان البوذيون على ايدي رجال امن النظام الشيوعي الصيني. وقد ادت لقاءات قادة الدول الغربية في السنوات الاخيرة مع الدلاي لاما الرئيس الروحي للتيبت الى توتير العلاقات بين الغرب وبكين.
[تركستان الشرقية (الصين):
يمكن استخدام اسم ثان لها هو اويغورستان، وتعرف حاليا كاقليم صيني باسم كزيجيانغ. تقع في شمال غرب الصين وغالبية سكانها من المسلمين الاويغور الذين لهم ماض طويل من التمرد على السلطات الصينية منذ بداية العقد الثاني من القرن العشرين. وكان الاتحاد السوفياتي الراعي الرسمي لمطالبهم الانفصالية وحركتهم المطالبة بالاستقلال عن الصين وذلك في اطار التنافس والندية بين بكين وموسكو ابان فترة التوتر بين العملاقين الشيوعيين بين عامي 1960 و1990. وخبا نبض انتفاضة الاويغور في العقد الاخير من القرن العشرين اثر انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن مطالب الاستقلال عادت بقوة مجددا اثر اعتداءات 11 ايلول 2001 في نيويورك والحرب على ارهاب الاسلام المتطرف، وخاصة ان الحزب الشيوعي الصيني استغل النقمة العالمية على الارهاب الاسلامي ليصفي بعض الحسابات مع ابرز الناشطين الاويغور مروجا بأنهم يدعمون افكارا متطرفة من شأنها زعزعة امن واستقرار الصين. وتبقى تركستان الشرقية ورقة قد تعمل الاستخبارات الغربية على تحريكها في وجه بكين كلما ساءت العلاقات بين الطرفين.
[جامو وكشمير (الهند):
ولاية هندية في جبال الهيملايا شمال شبه القارة الهندية. يبلغ عدد سكانها 13 مليون نسمة، غالبيتهم من المسلمين (اكثر من 70 في المئة). اراضي الولاية متنازع عليها بين الهند وباكستان والصين، ورغم ان الولاية هي الوحيدة التي منحتها السلطات الهندية حكما، ذاتيا لكن سكانها يسعون الى الحصول على دولة مستقلة خاصة بهم. وجامو وكشمير ليست المنطقة الهندية الوحيدة الراغبة في الاستقلال فحيث وجدت اثنية تتكلم لغة اخرى غير الهندية ثمة حركات
(التتمة ص 15)
اسكتلندا (المملكة المتحدة):
اسكتلندا هي ثاني اكبر بلد مساحة ضمن المملكة المتحدة بعد انكلترا. ويبلغ عدد سكانها نحو 5 ملايين ونصف مليون نسمة. تحتل الجزء الشمالي من الاراضي البريطانية وتحتضن مرافئها ابرز قواعد البحرية البريطانية. سيكون الاسكتلنديون على موعد هام في 18 ايلول المقبل مع استفتاء شعبي حول الاستقلال عن المملكة المتحدة او البقاء جزءا منها. وتستعر في هذه الفترة الجدالات السياسية في اسكتلندا بين الحزب القومي الاسكتلندي الذي يقودة اليكس سالموند المطالب الاول بالانفصال عن المملكة المتحدة وبين الاحزاب البريطانية الاخرى كحزب العمال والمحافظين والليبراليين الديموقراطيين. وكل الاحتمالات واردة بشأن نتائج الاستفتاء التي لا يمكن التكهن بها نظرا لشعور سائد لدى الاسكتلنديين منذ اشتداد الازمة الاقتصادية في السنوات الاخيرة بان الحكومة البريطانية تفضل تحسين احوال الانكليز بصورة خاصة وتتجاهل حاجات الشعب الاسكتلندي، كما يوجد عدد كبير من المشاهير الداعمين للاستقلال وفي مقدمهم الممثل شون كونري الذي كان اول من مثل شخصية العميل السري البريطاني جايمس بوند.
كورسيكا (فرنسا):
جزيرة في البحر الابيض المتوسط تابعة سياسيا للجمهورية الفرنسية. يبلغ عدد سكانها نحو 350 الف نسمة. يحافظ اهالي الجزيرة على لغتهم الكورسيكية وتنتشر في الجزيرة منذ ستينات القرن المنصرم حركات قومية عدة مطالبة بالاستقلال عن فرنسا، ابرزها الجبهة القومية لتحرير كورسيكا التي اسست عام 1975. وقد قامت الميليشيا بعمليات ارهابية عدة ضد المقرات الرسمية الفرنسية في الجزيرة ومدن فرنسية عدة مؤكدة على الدوام ان فرنسا لن تعرف السلام طالما لم تنل كورسيكا استقلالها. وترفض الحكومة الفرنسية حتى الآن بشكل تام منح الجزيرة استقلالها ولكنها كانت دائما تقترح على الادارة المحلية للجزيرة المزيد من الصلاحيات وتعزيز الحكم الذاتي، لكن معظم المبادرات التي قدمتها باريس واجهتها شريحة واسعة من الشعب الكورسيكي بالرفض والاصرار على الاستقلال. ويعود رفض الادارة الفرنسية القاطع لاستقلال كورسيكا الى عدم رغبتها في تشجيع اقاليم اخرى ذات نزعة انفصالية كالالزاس وبريتاني ونيوكالدونيا وغويانا (الفرنسية) على المطالبة بالاستقلال عن فرنسا هي الاخرى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.