8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مجلس الأمن الدولي رهينة مصالح خمس دول فقط

يتجلى في هذه الآونة بشكل فاضح فشل مجلس الامن، التابع لمنظمة الأمم المتحدة، في تحقيق الاهداف التي أسس من أجلها، وهي حفظ الاستقرار والامن في العالم. وسبب هذا الفشل يعود بالدرجة الاولى الى ان المجلس ولد رهينة في سجن الدول الكبرى، التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية. فهيكليته، التي تضفي من خلال حق النقض (الفيتو) نوعا من القداسة على خمس دول دائمة العضوية فيه (الصين وروسيا (الاتحاد السوفياتي سابقا) والولايات المتحدة الاميركية والمملكة المتحدة وفرنسا) تجعل منه مؤسسة عاجزة عن الحركة خارج اطار مصالح هذه الدول.
هذه الدول الخمس لم تكف منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عن التنافس في توسيع نفوذها حول العالم وايثار مصالحها على مصالح الدول الاقل قوة، فكان اي قرار يمر في مجلس الامن يعني تقاسما للجبنة بينها في مكان ما لهدف ما. اما مشاريع القرارات التي كانت تتعارض مع مصلحة اي من هذه الدول فمكتوب لها ان لا تبصر النور نظرا لسلاح الفيتو الذي بحوزة البلد الرافض لها.
ولعل الأزمة المأسوية التي تعيشها سوريا بشكل يومي منذ آذار 2011 اكبر دليل على عجز الأمم المتحدة، ودماء نساء سوريا واطفالها هي السائل الذي ازال اصبغة القناع المسمى مجلس الأمن الذي ترتديه الأسرة الدولية منذ منتصف القرن العشرين. عدد القتلى يتراوح بين 150 و200 الف، عدد النازحين واللاجئين يناهز الـ10 ملايين، ولا يزال مجلس الأمن، بعد اكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الازمة، عاجزا عن اصدار اي قرار حاسم من شأنه وضع حد للمجازر المروعة المرتكبة يوميا في سوريا، ولم يرشح منه الا نكدا سوى قرارين صوريين لا يهتم لمضمومنهما نظام بشار الأسد لأنهما نصان خاويان فارغان من اي ضمانة او تهديد يجبر هذا النظام الدموي على وقف ماكينة القتل التي يديرها.
ولم يسهم المجلس في ضبط الامن العالمي ابان الحرب الباردة الا في ما ندر، فقد ادارت الدول الكبرى حروبها بطريقة غير مباشرة سواء في كوريا او فييتنام او الشرق الاوسط او افغانستان. ولم يظهر كمؤسسة فاعلة الا لفترة وجيزة لم تتجاوز سنوات قليلة ابان انفراط عقد الاتحاد السوفياتي. لكن انتهاك صلاحياته تجلى بسرعة منذ بداية القرن الواحد والعشرين كلما جلس على كرسي الحكم في احدى الدول الخمس الدائمة العضوية فيه رئيس له اجندة توسعية تتضمن حروبا. فالرئيس الاميركي جورج بوش الابن ورئيس الوزراء البريطاني طوني بلير اجتاحا بجيشيهما العراق دون اي غطاء دولي ولم يحرك المجلس ساكنا. والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتاح شبه جزيرة القرم وضمها الى الاتحاد الروسي ولا يزال يخلق المشاكل في مناطق شرق اوكرانيا طمعا في ضمها ايضا الى الاتحاد الروسي الذي يعتبر اكبر دولة في العالم من حيث المساحة، فيما يقف مجلس الامن مما يجري موقف المتفرج.
لالقاء الضوء على ابرز اخفاقات مجلس الامن الدولي منذ ولادته، وللتركيز على ضرورة اصلاح هيكليته التي عفا عليها الزمن، تقدم المستقبل هذا التحقيق عن اهم المحطات في عمر المجلس الذي يعتبر العمود الفقري لمنظمة الأمم المتحدة.


] أسباب التأسيس

فشلت منظمة عصبة الأمم التي أسست عقب الحرب العالمية الأولى في الحفاظ على الامن الدولي وادى عدم قدرتها على التصدي لأطماع الدول القوية عسكريا الى اندلاع حرب عالمية ثانية. فقد عجزت تلك المنظمة خلال عقدين كاملين في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين عن وقف سلسلة من النزاعات ولم تنجح في معالجة اي من القضايا الدولية الشائكة. وكانت اخطاؤها تكبر عاما بعد عام الى ان وقفت موقف المتفرج من اجتياح اليابان لمنشوريا عام 1931 ولم تحرك ساكنا امام احتلال ايطاليا لأثيوبيا عام 1935 فلم تتردد اليابان في اجتياح اقاليم صينية عام 1937 وفي النهاية لم يكبح الزعيم النازي ادولف هتلر اطماعه التوسعية فبدأ بقضم اراضي تشيكسلوفاكيا وبولندا. وبالتالي صدرت النعوة الرسمية لعصبة الأمم بمجرد اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939.
الآثار الماسوية التي ولدتها النزاعات والملايين الذين سقطوا ضحايا للحرب العالمية الثانية، دفعت بالدول الخمس الكبرى (الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الاميركية والصين وبريطانيا وفرنسا) التي خرجت في وضع المنتصر من تلك الحرب الى تأسيس مظلة عالمية جديدة لمعالجة المشاكل وحماية مصالحها وعدم السماح باندلاع حرب عالمية ثالثة. هذه المنظمة الجديدة هي الأمم المتحدة التي تتألف من ستة اجهزة رئيسية ابرزها مجلس الأمن الدولي الذي فيه يتم التشاور في القضايا الامنية الكبرى واستصدار القرارات المناسبة لمعالجتها.
] الهيكلية وآلية التصويت

لضمان مصالحها بشكل كاف ارتأت الدول الخمس التربع على قمة هرم هذا المجلس ومنح كل دولة منها صفة دائمة العضوية تتمتع بحق نقض القرارات (فيتو) التي لا تتلاءم مع مصالحها. ولاحكام قبضتها تماما على منظمة الامم المتحدة باكملها ضمنت تلك الدول ميثاق الامم المتحدة بندا يجبر جميع الدول الاعضاء في المنظمة على التقيد بأي قرار صادر عن مجلس الأمن، وهكذا اصبح هذا الجهاز هو العمود الفقري للأمم المتحدة. فجميع الأعضاء في الهيئة الدولية متعهدون بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها. وبينما تقدم أجهزة الأمم المتحدة الأخرى التوصيات إلى الدول الأعضاء، ينفرد مجلس الأمن بسلطة اتخاذ قرارات تُلزم الدول الأعضاء بتنفيذها بموجب الميثاق.
ولدى عرض شكوى تتعلق بتهديد السلام على المجلس، يبادر الاخير باصدار توصية الى الأطراف المتناحرة يدعوها فيها الى محاولة التوصل إلى اتفاق بالوسائل السلمية. وعلى المجلس أن يقوم بما يلي:وضع مبادئ هذا الاتفاق، او الاضطلاع بمهام التحقيق والوساطة في بعض الحالات، او إيفاد بعثة لدراسة الاوضاع او تعيين موفدين خاصين للعمل على حل المشكلة، او توجيه طلب إلى أمين عام الامم المتحدة بأن يبذل مساعيه الحميدة لتسوية النزاع بالسبل السلمية.
وعندما يؤدي النزاع إلى اقتتال مسلح وأعمال عنف، يكون الشاغل الأساسي للمجلس هو وضع حد لتلك الأعمال بأسرع ما يمكن. وفي تلك الحالة على المجلس القيام بـ: إصدار توجيهات بوقف إطلاق النار بما يساعد على منع تصعيد النزاع؛ إيفاد مراقبين عسكريين أو قوات لحفظ السلام للمساعدة في تخفيف حدة التوترات وللفصل بين القوات المتعادية وإحلال جو من الهدوء يمكن فيه السعي إلى تسوية سلمية. وفي الحالات الاكثر تعقيدا قد يقرر المجلس اتخاذ تدابير صارمة مثل العقوبات الاقتصادية والمالية، وحظر توريد الأسلحة، وحظر السفر؛ وقطع العلاقات الديبلوماسية؛ وفرض عزلة دولية على الجهة المعتدية؛ أو حتى السماح بالعمل العسكري الجماعي ضدها كآخر الدواء.
وقد عقد مجلس الأمن جلسته الأولى في 17 كانون الثاني 1946 في تشيرتش هاوس (ويستمنستر) في لندن. ومنذ تلك الجلسة، أصبح الموقع الدائم لمجلس الأمن في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. وقد سافر المجلس أيضا إلى مدن عديدة، فعقد جلسات في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا في عام 1972، وفي العاصمة باناما في باناما، وفي مدينة جنيف السويسرية في عام 1990. ويجب أن يظل موجودا في مقر الأمم المتحدة في جميع الأوقات على الاقل ممثل واحد عن كل دولة عضو في مجلس الأمن حتى يتمكن المجلس من الاجتماع في أي وقت كلما استدعت الحاجة.
ويتألف مجلس الامن الآن من عضوية 15 بلدا، الخمسة الدائمة العضوية و10 دول اخرى يتم اختيارها دوريا كل عامين لتمثيل جميع المناطق الجيوسياسية في العالم. والاعضاء الحاليون هم (الدول الدائمة العضوية: الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. والدول المؤقتة العضوية: الأرجنتين واستراليا وكوريا الجنوبية واللوكسمبورغ ورواندا تنتهي عضوية هذه المجموعة في نهاية العام الجاري 2014. وتشاد ونيجيريا وتشيلي وليتوانيا والأردن تنتهي عضوية هذه المجموعة في نهاية العام المقبل 2015).
بامكان مجلس الامن تبني قرارات بالتوافق بين الدول الاعضاء وعدم الحاجة الى التصويت، وتحدث هذه الحالات في القضايا التي لا تتعارض بشكل كبير مع مصالح الدول الكبرى. لكن في القضايا الحساسة والملفات الساخنة يلجأ المجلس في اغلب الاحيان الى التصويت لتبني القرار او العدول عنه. وتصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الإجرائية بموافقة تسعة أصوات من اصل 15 بغض النظر عن صفة العضوية، بينما تصدر القرارات في المسائل الأخرى كافة بموافقة أصوات تسعة من أعضائه شرط ان يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة (بالامكان الامتناع عن التصويت ولكن اي فيتو يستخدم يعرقل تبني القرار).
وبمقدور اي دولة من الدول الاعضاء طلب عقد جلسة لمجلس الامن لمناقشة مسألة او طرح مشروع قرار، لذلك فان الجلسات قد تعقد في اي لحظة بمجرد طلب دولة عضو انعقاد المجلس. أما رئاسة المجلس فيتم تغييرها بشكل دوري كل شهر بين الدول الـ15. وتترأس كوريا الجنوبية مجلس الامن حاليا طيلة شهر ايار 2014 وتنتقل الرئاسة في حزيران الى روسيا ثم رواندا في تموز، بريطانيا في آب، الولايات المتحدة في ايلول، الأرجنتين في تشرين الاول، استراليا في تشرين الثاني وتشاد في كانون الاول.
] محطات من القرن العشرين

رغم بعض الانجازات لمجلس الامن في العقود الخمسة التي تلت الحرب العالمية الثانية، الا ان خيبات الآمال التي علقت عليه كانت اكبر. ولعل ابرز ما تمكن من تحقيقه هو عدم السماح باندلاع حرب عالمية ثالثة، فاقتصرت المناوشات بين المعسكرين الشرقي والغربي على ما عرف بـالحرب الباردة. ولا ينسب كثير من المؤرخين والناقدين السياسيين العالميين الفضل في عدم اندلاع حرب عالمية الى مجلس الامن الدولي انما الى ترسانات الاسلحة الكيميائية التي تملكها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ما يجعل كل دولة منها تراجع حساباتها جيدا قبل الاقدام على شن حرب تتعارض بشكل مباشر مع مصالح دولة اخرى من الخمس الذي تترأس هرم المجلس.
ولائحة الحروب والصراعات بين عامي 1946 و1999 طويلة ومتنوعة لم يتمكن مجلس الامن من التصدي الا لعدد قليل منها هي الصراعات التي لم تختلف الدول الخمس الكبرى في كيفية حلها كحرب الخليج مثلا عندما تبنى المجلس بالاجماع قرارا بشن عملية عسكرية دولية بقيادة الولايات المتحدة لانهاء احتلال العراق للكويت واخراج جيش صدام حسين من الاراضي الكويتية. أما النزاعات الاخرى التي تمس بشكل مباشر بمصلحة دولة كبرى ما، فحدث ولا حرج عن اعداد الضحايا التي سقطت فيها والمدة الزمنية التي استغرقتها على مرأى مجلس الأمن العاجز عن الحركة. وابرز الامثلة في هذا السياق اجتياح الصين للتيبت عام 1950 وضمها الاقليم الى اراضيها، والثورات المطالبة بالاستقلال عن دول الاستعمار بعد انتهاء الحرب العالمية، فحرب استقلال الجزائر دامت 8 اعوام من عام 1954 حتى عام 1962 وراح ضحيتها بين 350 الف ومليون و500 الف قتيل، لم يكن لمجلس الامن فيها اي قرار يذكر نظرا لاعتبارها مسألة داخلية فرنسية بين المستعمرة والمستعمر. ولا يخفى على احد ان الدول الكبرى ابان الحرب الباردة كانت تقدم سرا على دعم التيارات المسلحة في هذا البلد او ذاك اذا كان يخوض حربا ضد دولة غريمة. فالحزب الشيوعي الجزائري لعب دورا بارزا في المعارك ضد الفرنسيين وكان يتلقى سرا دعما عسكريا وماليا من الاتحاد السوفياتي والصين. وقد كرر العملاقان الشيوعيان سياستهما هذه بالدعم العسكري في حرب فييتنام التي استمرت 20 عاما بين 1955 و1975 وتكبد فيها الجيش الاميركي خسائر كبيرة باكثر من 58 الف قتيل في صفوفه.
ولم تتأخر الولايات المتحدة وبريطانيا في الرد عندما دعمتا الاسلاميين في افغانستان لمقاومة الاحتلال السوفياتي في الحرب السوفياتية الافغانية بين عامي 1979 و1989 التي حصدت ارواح حوالي مليون ونصف المليون من المدنيين الافغان وخسر فيها الجيش السوفياتي اكثر من 14450 قتيلا.
هذه عينة بسيطة من الحروب الطويلة الامد التي انتشرت في مناطق عدة في النصف الثاني من القرن العشرين. ناهيك عن الصراعات التي لا تزال مندلعة حتى اليوم على طريقة البراكين، تارة تخبت وتارة تثور، كالصراع العربي الاسرائيلي الذي تحول مع مرور الوقت ليصبح مقتصرا فقط على الخلافات الفلسطينية الاسرائيلية بعد توقيع مصر ودول عربية اخرى معاهدات سلام مع اسرائيل. وكيف لنزاع كهذا ان يعرف طريقه للحل في ظل تمتع اسرائيل بدعم اميركي اعمى في مجلس الامن؟ فقد استخدمت واشنطن الفيتو اكثر من 40 مرة منذ العام 1972 لعرقلة اي مشروع قرار فيه ادانة للانتهاكات الاسرائيلية المستمرة لحقوق الفلسطينيين.
ولم يقتصر شلل مجلس الامن في عدم قدرته احيانا كثيرة بسبب الفيتو على استصدار قرارات تضع حدا للخروقات الامنية والانتهاكات المسلحة، بل تجلى ايضا عجزه عن اجبار الدول على تطبيق القرارات الصادرة عنه، وخير دليل على ذلك المجازر التي


(التتمة ص15)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00