عندما تتحالف روسيا اكبر دولة في العالم من حيث المساحة مع الصين اكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، فانهما تشكلان وزنا ضخما لا مثيل له على الساحة السياسية والاقتصادية الدولية. وما يعزز مكانتهما في تقرير مصائر الشعوب والدول الأخرى، هو انهما تشغلان مقعدين من اصل خمسة مقاعد دائمة في مجلس الامن الدولي، العمود الفقري لمنظمة الامم المتحدة التي اسست لحماية العالم من النزاعات المسلحة بعد الحرب العالمية الثانية.
وما يميز موسكو وبكين انهما تحتفظان بهامش واسع من الاستقلالية عن النظام العالمي الجديد الذي يقوده الغرب، وبتحديد ادق الثنائي الاميركي البريطاني. فالروس والصينيون قد يسبحون في بعض الاحيان مع التيار الغربي ولكنهم في احيان كثيرة يسبحون عكسه، وبالتالي الحقيقة هي انهم لم يكونوا يوما جزءا منه. فبحسب ما قاله سفير فرنسا لحقوق الانسان فرنسوا زيمراي لـالمستقبل ان موسكو وبكين لا تؤمنان بالمبادئ وقيم حقوق االانسان التي تؤمن بها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الاميركية وباقي الدول الدول الغربية. فكلما ناقشنا نظراءنا في البلدين الكبيرين بشأن انتهاكات حقوق الانسان يؤكد لنا هؤلاء ان لهم قيمهم الخاصة بهم هم.
على الرغم من المصالح الاقتصادية والمالية التي تربط روسيا والصين مع الدول الغربية، فان اصول العلاقة بين الطرفين هي في الاصل هشة كونهما يختلفان تماما في مفهوم الحياة الديموقراطية وحماية الحريات وحقوق الانسان والتعددية السياسية والشفافية في التبادلات التجارية. في الصين يسود حكم الحزب الواحد الحزب الشيوعي، وفي روسيا يسود حكم الفرد الواحد وحاشيته، الرئيس فلاديمير بوتين ودائرة اصدقائه المقربين من رجال الاعمال وقادة الجيش. هذان النوعان من الانظمة الشمولية تجاوزتهما اميركا واوروبا منذ عقود. ويقبض النظامان الروسي والصيني على انفاس شعبيهما بقبضة من حديد واجهزة الاستخبارات الداخلية الخاصة بهما تعمل بالدرجة الاولى ليس لحماية مصلحة البلد او الشعب انما لحماية النظام والسلطات من اي انقلاب او ثورة.
وفهم ركائز المعسكرين اساسي للنظر نحو المستقبل الذي يتربص بحياة الانسان على الارض، خاصة مع ازدياد التحديات التي تواجه الانسانية من الانفجار السكاني الآخذ في التضاعف عقدا بعد عقد بسرعة رهيبة وما ينتج عنه من مشاكل غذائية وبيئية، وصولا الى انتشار اسلحة الدمار الشامل من نووي وكيميائي، مرورا بأزمات اقتصادية وعرقية وقومية ودينية تمعن في تقسيم الشعوب واثارة البلابل والحروب الاهلية والصراعات.
ونظرا للدور السلبي الذي لعبته روسيا والصين في الازمة السورية ووقوفهما ثلاثة اعوام كاملة في صف النظام الاجرامي في سوريا الذي يشبه الى حد بعيد نظامي موسكو وبكين، وبسبب شل هاتين الدولتين لمنظمة الامم المتحدة التي تقف متفرجة الآن وعاجزة امام ازمة اوكرانيا مثلما وقفت حيال ازمة سوريا، تقدم المستقبل هذا التحقيق عن مفاتيح العلاقات الروسية الصينية واسباب تناغم المصالح بين البلدين في ملفات دولية عديدة.
العلاقة ايام الاتحاد السوفياتي
قد يتراءى للبعض ان العلاقة بين العملاقين الشيوعيين الصيني والسوفياتي كانت لفترات طويلة على خير ما يرام نظرا للفكر الايديولوجي المشترك والموقع الجغرافي الذي جعل من العملاقين جارين ملتصقين. الا ان الواقع يختلف كثيرا عن هذه الصورة، فالمناوشات والنزاعات بين الصين والاتحاد السوفياتي بدأت في وقت مبكر عام 1929 اثر خلاف على ادارة سكك القطارات في منطقة منشوريا. لكن التوتر الاشد بين البلدين استمر على مدى 30 عاما منذ الانقسام الصيني السوفياتي عام 1960 حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.
فالفكر الشيوعي كاي عقيدة كانت الانظمة تعدل فيها وتحيكها على القياس الذي يناسبها ويتماشى مع سياساتها. وهذا ما دفع الى خلافات حادة بين النظامين الصيني والسوفياتي اللذين كان يتهم احدهما الآخر بممارسة خيانة للمبادئ الشيوعية الماركسية الاصيلة. وتجذر هذا الانقسام منذ وصول نيكيتا خروتشوف الى سدة الحكم في الاتحاد السوفياتي واحداثه تغييرات جوهرية في نظام الحكم الذي بناه جوزف ستالين والذي كان يتناغم اكثر مع موقف الرئيس الصيني ماو تسي تونغ المتشدد جدا في العلاقات مع الغرب.
كما استعر الخلاف بين العملاقين على النفوذ السياسي العالمي وهوية الدولة العظمى التي يجب ان ترعى مدرستها انتشار الفكر الشيوعي السياسي حول العالم. ولم يتبادل قادة البلدين الزيارات على مدى عقود. وامتد الخلاف السياسي والايديولوجي ليتحول الى نزاع مسلح عند الحدود بين البلدين عام 1968 عندما حشد السوفيات 25 كتيبة من جيشهم عند الحدود الشمالية الغربية للصين وبعد اشهر من الاشتباكات بين الجيشين الصيني والسوفياتي في الفترة بين آذار وايلول 1969، انسحبت القوات المتصارعة عند الحدود وعاد كل جيش الى داخل بلاده. وتكبد الجيشان في الاشهر السبعة التي دار فيها الصراع بينهما حوالي 60 قتيلا واكثر من 100 جريح. وشهدت الفترة التالية فتح الصين قنوات اتصال مع الادارة الاميركية لتأمين مظلة تحميها من التهديد الذي يمثله الجيش السوفياتي.
ورغم فترات المد والجزر بين موسكو وبكين الا ان التعاون العسكري بين النظامين استمر فترة زمنية اطول من الخلاف، فكما اتحد الاتحاد السوفياتي مع الصين في حربها ضد اليابان، وقف الجيشان السوفياتي والصيني الى جانب النظام الشيوعي الكوري الشمالي ضد الجزء الجنوبي من الجزر الكورية الموالي للغرب، وكان للادارة المشتركة للعمليات العسكرية بين البلدين دور كبير في اغراق الجيش الاميركي في مستنقع استنزاف طال امد الخروج منه في حرب فييتنام.
رغم ذلك استمر الحرد السياسي بين العملاقين طوال سنين الحرب الباردة ولم تبدأ الامور بالتحسن رويدا رويدا الا بعد موت ماو تسي تونغ وازدياد التقارب بين النظام الصيني والدول الغربية الراسمالية. وعاد لون الوئام الى العلاقة السياسية بين بكين وموسكو اثر زيارة دولة قام بها الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشيف الى العاصمة الصينية عام 1989.
قبل عهد بوتين
تحسنت العلاقات بين بكين وموسكو بشكل سريع منذ انفراط عقد الاتحاد السوفياتي وولادة روسيا، وربما يعود ذلك الى شعور النظام الشيوعي في الصين بالفجوة الهائلة التي ولدها في مسرح السياسة العالمية السقوط المدوي للاتحاد السوفياتي الشيوعي. ولمواجهة العملاق الاميركي الخارج منتصرا من الحرب الباردة سارعت الادارة الصينية على الفور لمد يد الصداقة والشراكة الى ادارة بوريس يلتسين. فوقع البلدان على اتفاقية ترسيم الحدود بينهما التي وضعت اسسها خلال ولاية غورباتشيف. وادى حظر التبادل العسكري الذي فرضه الاوروبيون على الصين عام1989 احتجاجا على المجزرة التي ارتكبها النظام الصيني بحق المتظاهرين المناهضين له في ساحة تيانانمان وسط بكين، الى اعتماد الصين بشكل كبير في السنوات اللاحقة على الصادرات العسكرية الروسية التي اصبحت تشكل نسبة مرتفعة جدا من احتياجات الجيش الصيني تتراوح بين الربع والنصف.
هذا المدخول السنوي الضخم الذي تضيفه الصين الى الخزانة الروسية ادى الى محو الخلافات السابقة وفتح صفحة جديدة لم يعد يعكرها الا بعض الشكوك في العمليات التجارية المتبادلة، لا سيما في قطاعي الطاقة والنفط، لجهة الاسعار التي يتفق عليها الطرفان. ونظرا لحجم الاقتصادين الضخمين للبلدين وبحكم موقعهما الجغرافي المتلاصق فان بكين وموسكو لا تزالان حتى اليوم في حالة تنافس لبسط الهيمنة الاقتصادية وفرض الاجندة التجارية التي تناسب كل منهما في المنطقة الاوراسية التي يتشاطران نفوذا واسعا فيها.
في عهد بوتين
من البديهي ان تعيش العلاقة الصينية الروسية في عهد فلاديمير بوتين (اي منذ مطلع القرن الواحد والعشرين افضل ايامها)، فالمصالح المالية الروسية مع الصين كبيرة جدا الى الحد الذي يحرص معه رجال الاعمال الروس الكبار من حاشية بوتين على عدم المساس بالعلاقة مع بكين لأي غرض سياسي كان. فالبزنس هو البزنس. وهكذا سارعت الادارة الروسية الى انهاء آخر المشاكل العالقة بين البلدين في ما يتعلق ببعض المناطق الحدودية واتمت عام 2004 ترسيم الحدود مع الصين بشكل نهائي وكامل. وقد وضعت الادارتان الروسية والصينية منذ العام 2011 استراتيجية تعاون في مجالات شتى ابرزها صناعة الطائرات والاسلحة والتكنولوجيا على انواعها بما فيها علوم الكومبيوتر والبيوتكنولوجيا والابحاث الطبية. يشار الى ان شركة النفط الروسية روزنفت وشركة البترول الصينية الوطنية وقعتا في حزيران 2013 عقدا بقيمة 270 مليار دولار اميركي على مدى 25 عاما. ويتوقع في الفترة المقبلة ان يتجاوز حجم التبادل التجاري السنوي بين العملاقين حاجز المئة مليار دولار اميركي. وما يسهل للبلدين النوم في العسل سياسيا مع احدهما الآخر هو حق النقض الذي يملكه كل منهما في مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة. هذا الفيتو يضمن للصين كما لروسيا حماية مصالحهما فتغطي الاولى عيوب الثانية وبالعكس. وهذا ما يتيح للادارتين الممسكتين بزمام الامور في موسكو وبكين توسيع اوجه التعاون والتبادل المادي والمصالح التجارية بينهما على قطاعات عدة، فتمتلئ جيوب كبار رجال الاعمال فيهما ويزداد مدى ارتباط البلد الجار بجاره.
وقبل اسبوعين، قام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بزيارة الى الصين هدفها التمهيد لزيارة الدولة التي يعتزم بوتين القيام بها الى بكين في ايار المقبل. وسيشارك الرئيس الروسي في زيارته المرتقبة تلك في فعاليات قمة مؤتمر بناء الثقة والتعاون في آسيا (سي اي سي آي) الذي تستضيفه مدينة شانغهاي في 20 و21 ايار المقبل. وتعتبر مشاركة بوتين في المؤتمر الآسيوي بمثابة خطوة انتقامية من تجميد عضوية روسيا في مجموعة ال8. وتجدر الاشارة الى ان بوتين سيلتقي في المدينة الصينية ايضا بنظيره الايراني حسن روحاني فايران عضو يشارك دوريا في اعمال هذا المؤتمر الذي يضم ايضا اضافة الى البلد المضيف الصين وايران وروسيا كلا من افغانستان واذربيجان والبحرين ومصر والهند والاردن وكازاخستان وقرغيزستان وباكستان وكمبوديا والعراق واسرائيل ومونغوليا وفلسطين وكوريا الجنوبية وطاجيسكتان وتايلندا وتركيا والامارات العربية المتحدة واوزبكستان وفييتنام. أما الاطار المسمى مجموعة البريكس التي تضم الى جانب روسيا والصين دولا ذات اقتصاد سريع النمو كجنوب افريقيا والهند والبرازيل، فيعد بمثابة تحالف اقتصادي مالي له احيانا كثيرة ابعاد سياسية. وهو تجمع يسهم ايضا في توفير بدائل لبكين وموسكو عن المنظومة الغربية ونافذة تبقى مفتوحة لمواجهة اي عقوبات قد يفرضها الاميركيون والاوروبيون ضد موسكو وبكين لأي سبب كان.
ويبدو الرئيس الصيني الجديد كزي جينبينغ الذي تسلم الحكم في بكين في آذار 2013، مصمما جدا على تعزيز اكبر للعلاقات الروسية الصينية في مختلف القطاعات. فأول زيارة خارجية قام بها كرئيس للصين كانت الى ورسيا، وشهد عامه الاول في السلطة ثلاث زيارات الى موسكو كان آخرها مشاركته في افتتاح الالعاب الاولمبية الشتوية في سوتشي في شباط الماضي. وهذا ما يدل على حجم الاهمية التي يوليها جينبينغ لجاره الروسي في الاستراتيجية التي يبنيها لعلاقات الصين الدولية في عهده.
ولا مبالغة في القول ان العلاقة الصينية الروسية تعيش افضل مراحلها، فهذا حرفيا ما اكده جينبينغ للافروف خلال لقائهما في وقت سابق من نيسان الجاري. ووصف الرئيس الصيني ايضا هذه العلاقة بانها تلعب دورا لا بديل عنه في حفظ الامن والاستقرار في العالم. كما اشادت وزارة الخارجية الصينية مؤخرا في بيان رسمي بالعلاقة بين بكين وموسكو مشددة على انها العلاقة الافضل للصين على الساحة الدولية وذات اهمية قصوى على الصعيد الاستراتيجي. ولا بد للصين من تعزيز اشد لهذه الشراكة في ظل التوتر الذي يسود علاقتها بالولايات المتحدة الاميركية، خاصة في ظل الاتهامات التي توجهها واشنطن للصينيين بالتلاعب التجاري وعدم الشفافية في التعاملات المالية دون اغفال استهداف الجيش الالكتروني الصيني كبريات المؤسسات الاميركية بحرب قرصنة الكترونية آخذة في الاستعار يوما بعد يوم.
ما يجمع روسيا بوتين وصين جينبينغ اليوم لا يقف فقط على علاقات اقتصادية وتبادلات تجارية. انما يرتكز في الاساس على قدرة كل منهما على حماية الآخر من اي عزلة دولية تستهدفه. فالبلدين يتعرضان لهجوم دائم من منظمات حقوق الانسان والانظمة الغربية. سجل الصين حافل بانتهاكات حقوق الانسان وكتم الحريات واستهداف الاقليات المعارضة للنظام الشيوعي كمسلمي الاويغور. والنظام الصيني يمارس اضطهادا متواصلا لشعوب الاقاليم المطالبة بالانفصال عنه كاقليم التيبت. اما روسيا فسجونها تعج بمعارضي بوتين السياسيين وكبار المثقفين وتمارس سياسة استخبارات داخلية تكاد تقطع الاوكسجين عن الشعب الروسي، ومعاركها مع الاقاليم الراغبة في الانفصال عنها لا تزال مستمرة سواء في الشيشان او انغوشيا. والقانون الذي شرعه بوتين العام الماضي لحرمان المثليين في روسيا من حقوقهم يضعه في عداوة اجتماعية شبه كاملة مع الغرب. وتختلف درجة التنسيق في المواقف بين روسيا والصين بحسب مصلحة كل منهما ولا نجد مثلا ادق لهذه الوضعية من الطريقة التي تتعامل بها الخارجيتان الروسية والصينية مع الملفات الدولية الشائكة في الوقت الراهن. في الملف السوري، روسيا هي المعني الاول وبوتين يؤمن بشدة بأن مصلحة موسكو هي في ايقاف سياسة تغيير الانظمة التي بدأ النظام الدولي الجديد تحت اشراف الغرب بتنفيذها ضد اي نظام لا ينضوي تحت لوائه منذ اندثار الاتحاد السوفياتي الى تفكيك يوغوسلافيا مرورا بنظام صدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا، فكيف لا يتشبث ببشار الاسد الذي يشبه نظامه الى حد بعيد نظامه هو في موسكو، حكم الفرد الواحد المحاط بدائرة صغيرة من المقربين وكبار رجال الاعمال. ونظرا لبعد سوريا جغرافيا عن المصالح المباشرة لبكين قررت الصين ان مصلحتها هي في استخدام فيتو مشابه للفيتو الروسي حيال اي قرار يهدف الى انهاء المآسي السورية والاطاحة بحكم الأسد. لكن هذه التنسيق في المواقف واستخدام الفيتو يختلف عند النظر في الازمة الاوكرانية رغم انها قد تكون اهم جيوسياسيا لبوتين من الازمة السورية. فالصين اضطرت للامتناع عن التصويت على مشروع القرار الذي يدين انفصال اقليم القرم عن اوكرانيا وضمه الى روسيا. والسؤال لماذا لم تستخدم بكين فيتو مماثلا للفيتو الروسي هذه المرة؟ السبب بسيط جدا هو ان الصين لديها مشاكل اقليمية انفصالية وان اي قرار منها يدعم عملية القرم يجعل من بيتها الزجاجي في ما يتعلق بقضية الانفصال التي يطالب بها اقليم التيبت عرضة للرشق بالحجارة من قبل الحقوقيين العالميين. ولهذا السبب نأت بنفسها عن الموضوع برمته فهي حتما لن تقف ضد ضم روسيا للقرم ولكنها في الوقت عينه لا تستطيع اعلان تأييدها لحليفتها في خطوة كهذه. ولهذا السبب تتحاشى الخارجية الصينية الادلاء باي كلام او ابداء اي رأي في الملف الاوكراني، الا اذا دفعت الى ذلك دفعا.
والعلاقة بين العملاقين لا تقف فقط عند الخدمات المتبادلة بينهما في هيئة الامم المتحدة، انما تتعدداها الى القواسم المشتركة بينهما كاحتقار الثقافة الغربية المبنية على اشكال وانواع لا حدود لها من الحريات ولا سيما ما يتعلق منها بالعائلة ومفهوم الزواج على اثر تشريع غالبية الدول الغربية زواج المثليين. كما يرفض الروس والصينيون ايضا وبشدة سياسة الشرطي العالمي التي ينتهجها الغربيون في القضايا الدولية ومحاولة هؤلاء فرض الديموقراطية السياسة وثقافة حقوق الانسان بالمفهوم الغربي على العالم بأسره.
ولا بد من الاشارة الى نسب التلوث الخيالية التي تنتج عن مصانع ومناجم الصين وحقول النفط الروسية. فالادارة الصينية تقوم بشكل دوري بتغيير التضاريس الطبيعية في اراضيها الشاسعة وذلك عبر سياسة التهام الطبيعة التي تنتهجها شركاتها التي تعمل كل عام على ازالة مئات الجبال والهضاب وتحويلها الى اراض مستوية في سبيل انشاء مشاريع وتشييد مبان. كما ان التنقيب الروسي عن النفط والغاز في الحقول السيبيرية والقطبية دون الخضوع الى اي رقابة دولية ودون احترام اي من التحذيرات التي يطلقها العلماء ضد الاحتباس الحراري والغازات السامة وعمليات التنقيب الغير مدروسة التي تسهم في تسريع ذوبان الجليد القطبي، جميعها انتهاكات فاضحة للقوانين البيئية تسبب سلسلة من الكوارث طبيعية والفيضانات المفاجئة. وفي كل قمة دولية تعقد للحديث في كيفية الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري والتغير المناخي وتحسين احوال البيئة، يشارك الوفدان الروسي والصيني كاداء واجب بشكل صوري، فنظامي البلدين لم يبرهنا يوما انهما يقومان باي خطوات جدية لتغيير سياساتهما التنقيبية والصناعية ويبقى كلامهما والخطط التي يزعمان وضعها للتصدي للتلوث والغازات السامة مجرد حبر على ورق وارقام لا تزال تزداد عاما بعد عام بدل ان تنقص.
ان كل هذه العوامل مجتمعة تؤكد بأن العلاقة الروسية الصينية تتجه الى مزيد من التوطيد والتعاون الوثيق. فتحدي القوانين الدولية على اكثر من صعيد يزيد في مدى حاجة احدهما للآخر. ولا شك ان الحلف الصيني الروسي يشكل اليوم التحدي الرئيسي للنظام العالمي الذي تعمل الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وحلفائهما على بسطه في شتى اصقاع الارض. ان الازمة الاوكرانية قد تكون في افضل الاحوال بداية حرب باردة ثانية بين المعسكرين الشرقي والغربي وقد تكون في أسوأ الاحول ايذانا بحرب عالمية ثالثة قد تلعب دورا كبيرا في ابادة ملايين من سكان الارض التي ازدحمت بانفجار سكاني قد آن الاوان لوضع حد له.
وفي حال اشتدت الازمة بين موسكو وكييف خلال الفترة المقبلة وادت الى اندلاع حرب حقيقية بين الروس والاطلسيين، فهذه الحرب ستكون بمثابة الاختبار الحقيقي للشراكة الروسية الصينية. ويرى معظم الخبراء في الشؤون الدولية ان الصين لن يصل بها الامر الى دخول حرب عالمية بسبب روسيا وعليه فان روسيا تدرك جيدا ان هذه الصداقة قد تنتهي بمجرد وصول الامور الى نهايات عسكرية. اما اذا دخلت الصين الحرب الى جانب جارتها وهو احتمال ضئيل جدا لكن ليس بمستحيل، فهذا يعني اندلاع الحرب العالمية الثالثة ويؤكد عدم عزلة روسيا على الساحة العالمية. ولا شك ان دخول الصين وروسيا حربا مشتركة ضد الناتو سيدفع بلدانا تدور في فلكهما مثل ايران وكوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا الى دخولها ايضا الى جانبهما. وبما ان بكين وموسكو تملكان ترسانتين نوويتين فهذا يعني ان اي حرب عالمية يخوضانها ضد الغرب ستكون كارثية، ولكن دروس التاريخ واضحة وملخصها ان الحضارة الانسانية لا يمكن ان تتطور دون مآس وكوارث الى ان يأتي الموعد الذي يؤمن فيه جميع اهل الارض بثقافة السلام والحب بدل الحرب والجشع.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.