8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

من هو فلاديمير بوتين؟

الرجل الاكثر نفوذا في العالم. الديكتاتور. القيصر. طاغية موسكو. استبدادي القرن الواحد والعشرين. الدجال الكبير. المخلص. جميعها القاب ومسميات يطلقها الرأي العام العالمي على رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين. بعضها جيد واغلبها سيئ، ولكن يبقى بوتين هو بوتين حتى ولو شبه بشخصيات اخرى ورسم في الاذهان بصفات ليست فيه. وسواء كثُر المعجبون به أم قلوا، لا شك ان بوتين اليوم محط انظار الملايين حول العالم. فسياساته النافرة وغير المتوقعة تضفي عليه مسحة من الغموض فيها عامل جاذب لحشرية الناس ورغبتهم في فك طلاسم شخصيته، لعلهم يتمكنون من فهمه بشكل اكبر وتوقع خطواته المستقبلية.
سياسته الخارجية في السنوات القليلة الماضية ذكرت بعض المراقبين بسياسة ادولف هتلر ومطامعه، ما دفع هؤلاء الى دق جرس الانذار والتحذير من وقوع العالم مرة جديدة في ويلات الحروب العالمية، ولا سيما في ظل انتشار الاسلحة النووية بين الدول الكبرى. الظروف التي سادت العالم بين الحرب العالميتين الاولى والثانية شبيهة جدا بظروف اليوم، ولكن بوتين حتما ليس هتلر، فربما يكون افضل او أسوأ.
املا في فهم شخصية بوتين بشكل افضل ولتسليط الضوء على طباعه التي ولدت معه والخبرات التي اكتسبها في مشواره الاجتماعي والمهني حتى اليوم، تقدم المستقبل هذا التقرير المفصل عن حياة الرئيس الروسي منذ ولادته مع بعض التكهنات بما يمكن ان يقدم عليه غدا.



[ طفولة القط المشاكس
ولد فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين في مدينة لينينغراد (المعروفة اليوم باسم سانت بطرسبرغ) في السابع من تشرين الاول 1952 لأم اسمها ماريا ايفانوفا بوتينا عاملة مصنع، واب اسمه فلاديمير سبيريدينوفيتش بوتين كان يخدم في البحرية السوفياتية. كان لفلاديمير شقيقان توفيا قبل ولادته، الاول قضى بعد اشهر قليلة من الولادة والثاني توفي بداء الخناق بسبب عدم توفر المساعدات الطبية للعائلة التي كانت محاصرة كغيرها من العائلات خلال الطوق الشهير الذي فرضه الجيش الالماني النازي على مدينة لينينغراد ابان الحرب العالمية الثانية. أما جده سبيريدون ايفانوفيتش بوتين فكان طاهيا ممتازا يقال انه كان يعمل في افخم المطابخ السوفياتية وانه كان يطهو الطعام لاشهر زعيمين في تاريخ الاتحاد السوفياتي: فلاديمير لينين وجوزف ستالين.
وتجدر الاشارة الى ان الاسم بوتين ليست له جذور في السجلات المدنية السوفياتية والروسية فهو لا يعود لعائلة عريقة. ويرجح ان سبيريدون ايفانوفيتش جد فلاديمير بوتين ابتكر اسم العائلة هذا لنفسه لسبب ما. وبالتالي فان الرئيس الروسي هو الجيل الثالث من تسلسل هذه العائلة.
تلقى علومه الابتدائية والثانوية في مدرسة تبعد امتارا قليلة من منزله. وبدأ التمارين الرياضية منذ كان في المدرسة مفضلا السامبو والجودو. وفي سنين الشباب كان بوتين معجبا جدا بالشخصيات التلفزيونية التي كانت تلعب ادوار رجال الاستخبارات السوفياتية، وربما هذا ما ولد لديه الرغبة في الانخراط في صفوف الاستخبارات في مرحلة لاحقة من حياته.
بالاضافة الى والديه، هناك شخص ثالث اثر في طفولة بوتين كثيرا هو معلمته فيرا غوريفيتش، التي لا تزال على قيد الحياة وقد التقاها الكاتب الاميركي بن جودا في عام 2012 خلال اعداده كتابه المعروف بعنوان الامبراطورية الهشة: كيف سقطت روسيا في حب فلاديمير بوتين؟. ويقول جودا في الكتاب ان غوريفيتش كانت مدرسة بوتين عندما كان صبيا يطلق عليه زملاؤه في الصف اسم بوتكا، ولم يكن بوتكا لينجح في دراسته لو لم تدفعه غوريفيتش الى المواظبة دفعا. لقد كانت بمثابة ام له حتى انها كانت تأخذه معها في رحلات. وخلال اللقاء بين الكاتب والمعلمة العجوز (الآن) اكدت غوريفيتش انه عندما كان احد يؤذي فلاديمير كان يرد على الفور. تماما مثل القط. انه مستعد دوما ليقاتل بشكل فجائي مثل القط بكل ما لديه بيديه ورجليه وانيابه.
[طالب كلية الحقوق في جامعة لينينغراد
التحق بوتين بجامعة لينينغراد وتخصص في فرع الحقوق، وحاز على اجازة في القانون عند تخرجه عام 1975 وكانت اطروحة (رسالة) التخرج التي قدمها في العام الجامعي الاخير تتمحور حول القانون الدولي وحملت عنوان المبدأ الاكثر تفضيلا لتجارة الأمة في القانون الدولي.
خلال فترة دراسته الجامعية انضم بوتين الى الحزب الشيوعي وبقي عضوا فيه حتى موعد حل الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. ولعل ابرز الصداقات التي بناها في الجامعة كانت مع استاذ قانون الاعمال والسياسي الشهير اناتولي سوبشاك اول رئيس بلدية لسانت بطرسبرغ وأحد مؤلفي دستور الدولة الروسية بعد انفراط الاتحاد السوفياتي. وتجدر الاشارة الى ان سوبشاك (الذي توفى عام 2000) لم يكن معلما لبوتين فقط انما ايضا لديمتري ميدفيديف.
[ في سلك الاستخبارات
انخرط بوتين في صفوف الاستخبارات السوفياتية (كاي جي بي) فور تخرجه من جامعة لينينغراد في العام 1975 وتنقل في مناصب عدة في مراتب الاستخبارات في المدينة حلال العشر السنين الاولى له في الخدمة، وكانت مهامه تتراوح بين مراقبة الاجانب الزائرين للمدينة (او المقيمين فيها) وتقديم تقارير عنهم، وبين البحث عن شبان وشابات يصلحون للعمل في سلك الاستخبارات لتوظيفهم.
ثم ارسلته ادارة الاستخبارات الى مدينة دريسدن في المانيا الشرقية عام 1985 تحت اسم مستعار واوراق ثبوتية مزورة. عمل هناك كمخبر تحت غطاء مترجم، وكانت مهمته توظيف عملاء اجانب لخدمة الاستخبارات السوفياتية لا سيما بين الطلاب البارزين في جامعة درزدن للتكنولوجيا.
واثر سقوط الحكومة الشيوعية في المانيا الشرقية عام 1990 استدعت ادارة الكاي جي بي بوتين واعادته الى لينينغراد حيث عمل كجاسوس على طلاب جامعة لينينغراد حتى يوم استقالته من الاستخبارات برتبة ضابط (مقدم) في 20 آب 1991 قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي.
[مسؤول العلاقات الدولية في بلدية سانت بطرسبرغ
عين استاذ بوتين رئيس بلدية (لينينغراد لاحقا سانت بطرسبرغ) اناتولي سوبشاك تلميذه في ايار 1990 مستشارا له للشؤون الدولية، ثم رقاه في 28 حزيران 1991 الى منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في بلدية سانت بطرسبرغ مكلفا اياه مسؤولية ابرام علاقات خارجية مميزة للمدينة واستقطاب المستثمرين الاجانب اليها. لكن بعد اقل من عام على تسلمه منصبه الجديد خضع بوتين لتحقيقات من المجلس التشريعي للمدينة بسبب اتهامه من قبل المحققين بانه لا يؤدي دوره باقتدار وانه لم يقدر اسعار منتجات المدينة بشكل جيد. واتهموه بابرام صفقات لتصدير معادن بمبلغ قدره 93 مليون دولار اميركي مقابل مساعدات غذائية اجنبية لم تصل قط الى المدينة. وشدد المحققون عام 1992 على ضرورة طرد بوتين من وظيفته لعدم اهليته، لكن على الرغم من ذلك ونظرا لعلاقته المميزة مع رئيس البلدية بقي بوتين في منصبه حتى العام 1996.
[ تحت جناح يلتسين
بعد فشل استاذه سوبشاك عام 1996 في المعركة الانتخابية للاستمرار رئيسا لبلدية سانت بطرسبرغ، غادر بوتين وظيفته في البلدية واستدعي على الفور لشغل منصب نائب رئيس قسم ادارة الممتلكات الرئاسية في الكرملين، وكانت مهمته الاشراف على نقل الممتلكات والمقدرات الخارجية والاصول المصرفية التي كان ادارة الاتحاد السوفياتي والحزب الشيوعي يملكانها الى عهدة ادارة الاتحاد الروسي. واستمر في تلك الوظيفة حتى 27 آذار 1997 عندما عينه الرئيس الروسي بوريس يلتسين نائبا لرئيس المكتب الرئاسي وبقي في ذلك المنصب حتى ايار 1998 عندما انتقل شهرا لرئاسة قسم ادارة الممتلكات الرئاسية.
في 27 حزيران 1997 قدم بوتين في معهد سانت بطرسبرغ اطروحة (رسالة) اقتصادية علمية بعنوان التخطيط الاستراتيجي للموارد الاقليمية في اطار علاقات السوق. تلك الرسالة اصبحت خلال الولاية الثانية لبوتين، كرئيس لروسيا، محط اتهامات بانها ليست من عمله وانه سرقها. فقد اكد الباحثان في معهد بروكينغز كليفورد جادي وايفور دانشنكو عام 2006 ان بوتين لم يكتب هو شخصيا من تلك الاطروحة سوى صفحات قليلة، فيما استعار اغلبية مضمونها من دراسة قدمها عالمان اميركيان هما ويليام كينغ ودايفيد كليلاند. ونشرت تلك الفضيحة حينها وسائل الاعلام الاميركية والبريطانية وفي مقدمها صحيفتا الواشنطن بوست و التايمز، رغم ذلك لم ينتشر ذلك الخبر في روسيا في اي وسيلة اعلام مطبوعة او مرئية او مسموعة بل تداوالته فقط بعض المواقع الالكترونية على شبكة الانترنت.
واستمر يلتسين في ضم بوتين تحت جناحه، وعينه في 25 ايار 1998 كنائب اول لرئيس مكتبه. وبعد شهرين اي في 25 تموز 1998 عينه رئيسا للاستخبارات الروسية اف اس بي وبقي بوتين في ذلك المنصب حتى آب 1999. كما اصبح عضوا دائما في مجلس الامن الروسي في اول تشرين الاول 1998 ثم امينا لذلك المجلس في 29 آذار 1999.
[ قفزات سريعة الى سدة الحكم
باستمرار رضا الرئيس يلتسين عليه، كان بوتين يقفز سلم رتب الكرملين بسرعة قياسية. وفي غضون اشهر معدودة اصبح رئيسا للوزراء ثم رئيسا لروسيا. ففي التاسع من آب 1999 عينه يلتسين نائبا لرئيس الوزراء وبعد ساعات قليلة في اليوم نفسه عينه يلتسين رئيسا للوزراء، ولم يكتف يلتسين بذلك بل اعلن امام حاشيته انه يرغب في رؤية بوتين خلفا له في رئاسة البلاد. وفي 16 آب من العام نفسه اقر مجلس الدوما فلاديمير بوتين رئيسا للوزراء بعد جلسة برلمانية، صوت فيها 233 نائبا لمنح الثقة لبوتين وصوت84 آخرين ضد تعيينه في المنصب فيما امتنع 17 عن التصويت. فاصبح بوتين رسميا خامس رئيس للوزراء في تاريخ روسيا خلال اقل من 18 شهرا. ولم يكن احد يتوقع ان يستمر طويلا في منصبه لأنه غير معروف من عامة الشعب. فكل ما كان يعرف عنه هو انه موال جدا ليلتسين ومقرب منه، لذا كان يتوقع له مصير مشابه للذين سبقوه في رئاسة الحكومة لفترات قصيرة، وكان المنصب يعتبر شكليا نوعا ما لأن المكتب الرئاسي هو من كان يعين وزراء الحكومة وليس رئيس الوزراء.
رغم ذلك تمكن بوتين من الحصول على شعبية بعد اتخاذه مواقف شرسة ضد الانفصاليين الشيشان وتأييده الحلول الصارمة معهم، ما فتح عيون منافسيه على خلافة يلتسين لكن هؤلاء لم يتمكنوا من ايقاف صعود نجمه خاصة بعد انضمامه الى الحزب السياسي المولود حديثا حزب الوحدة الذي اكتسح الانتخابات التشريعية وجاء في المرتبة الثانية من حيث اكثرية المقاعد في انتخابات مجلس الدوما في كانون الاول 1999.
وما كاد العام اياه ينقضي حتى فاجأ الرئيس يلتسين روسيا والعالم باستقالته من الكرسي الرئاسي في 31 كانون الاول 1999، مفسحا المجال امام بوتين ليصبح بحسب الدستور رئيسا لروسيا بالوكالة الى حين اجراء انتخابات رئاسية. واستغل بوتين هذه الفرصة التي اتيحت له وقام على الفور بزيارة للقوات الروسية المحاربة في الشيشان في استعراض انتخابي مهد للانتصار الذي حققه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في آذار 2000 ورسخته رئيسا منتخبا للاتحاد الروسي. ويقال ان بوتين وقع في آخر ايام العام 1999 قبل ساعة من استقالة يلتسين من كرسي الرئاسة تعهدا رسميا بعدم ملاحقة الرئيس الروسي المستقيل من السلطة او اي من افراد عائلته او المقربين منه في اي قضايا فساد.
[ الولاية الرئاسية الأولى
ادت استقالة يلتسين كرئيس للبلاد الى تقريب استحقاق الانتخابات الرئاسية من موعده المقرر في حزيران 2000 الى آذار 2000 نظرا لان الدستور الروسي ينص على اجراء انتخابات رئاسية بعد ثلاثة اشهر من تاريخ استقالة الرئيس. وهكذا اخذ بوتين منافسيه على الكرسي مجددا على حين غرة، فقد كان هؤلاء ينظمون حملاتهم الانتخابية على اساس موعد حزيران. وهكذا سهلت استقالة يلتسين المفاجئة فوز بوتين بالانتخابات الرئاسية التي جرت في 26 آذار 2000 بعد حصوله على 53 في المئة من اجمالي الاصوات. واصبح رسميا الرئيس المنتخب للبلاد في السابع من ايار 2000، وعين وزير المالية ميخائيل كازيانوف رئيسا للوزراء.
وسرعان ما واجه بوتين اول تحد له في آب 2000 عندما انحدر مستوى شعبيته على اثر كارثة غواصة كورسك التي انفجرت وغرقت اثر حريق اشتعل فيها خلال قيامها بمناورات عسكرية في بحر بارنتس، وقضى على متنها 118 بحارا. فالتعتيم الذي اعتمدته الادارة الروسية عن الحادث خلال الساعات الاولى لوقوعه اثار حفيظة اهالي الضحايا، كما أدى تأخر بوتين في القيام بزيارة الى موقع الحادث، نظرا لأنه كان خارج البلاد، عرضه ايضا للمزيد من الانتقادات.
تمكن بوتين من ايجاد نوع من التوازن خلال ولايته الاولى بين سلطاته ونفوذ كبار جال الاعمال واثرياء البلاد من خلال ابرام صداقات مع معظمهم، وفي الوقت عينه بدأ اثرياء جدد مقربون منه في الظهور على الساحة المالية الروسية.
ثم جاءت عملية انقاذ الرهائن الشهيرة في مسرح موسكو في تشرين الاول من العام 2002 التي استمرت ثلاث ليال عندما قام 40 او 50 مسلحا اسلاميا من المتمردين الشيشان باحتجاز 850 رهينة داخل المسرح مطالبين الجيش الروسي بالانسحاب من الشيشان وانهاء حرب الشيشان الثانية كشرط لاطلاق سراح الرهائن. فما كان من قوى الامن الروسية الا ان طوقت المكان وخلصت مئات الرهائن على دفعات لكنها استخدمت كميات مكثفة من الغاز الكيميائي في استهداف الارهابيين ما ادى الى مصرع جميع هؤلاء بالاضافة الى 130 رهينة في عملية لا تزال تتعرض لانتقادات حتى اليوم. واللافت انه على الرغم من سقوط هذا العدد الهائل من الضحايا في تلك العملية الا ان شعبية بوتين بدل ان تنخفض في روسيا، ارتفعت في اليوم التالي حتى انها اجتازت 80 في المئة.
وتمكنت روسيا بوتين نسبيا من حسم معركتها مع المتمردين الشيشان في الحرب الثانية وفي العام 2003 حصل استفتاء في الشيشان لتبني دستور اعلن بوتين من خلاله الشيشان كجزء من الاتحاد الروسي، وهذا ما ادى في وقت لاحق الى سيادة الاستقرار في الجمهورية السوفياتية السابقة. وهكذا يكون ابرز انتصار حققه بوتين في ولايته الرئاسية الاولى هو اخماده الى حد كبير تمرد الاسلاميين في الشيشان بقبضة من حديد، سهل له استخدامها امام الراي العام العالمي موجة مكافحة الارهاب التي ركبها الى جانب ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش الابن عقب اعتداءات 11 ايلول 2001 في نيويورك.
وقبل اشهر من الانتخابات الرئاسية للعام 2004، اقال بوتين الحكومة واستبدلها بحكومة جديدة تحت رئاسة ميخائيل فرادكوف املا في تعزيز الشعب ثقته به كرئيس لولاية جديدة، وكان له ما اراد.
[ الولاية الرئاسية الثانية
فاز بوتين بولاية ثانية على رأس الاتحاد الروسي بعد حصوله على 71 في المئة من اجمالي الاصوات في انتخابات 14 آذار 2004. وبعد اشهر قليلة في مطلع ايلول، ضرب الاسلاميون الشيشان مجددا هذه المرة متحالفين مع الانفصاليين الانغوش عندما احتجزوا 1100 رهينة بينهم 777 طفلا في مدرسة بيسلان (في اوسيتيا الشمالية) مطالبين مجددا بانسحاب القوات الروسية من الشيشان والاعتراف باستقلال اقليم الشيشان عن روسيا. وادت العملية العسكرية الروسية لتحرير الرهائن هذه المرة الى مقتل 334 رهينة بينهم 186 طفلا. كما لقي 62 من الارهابيين والقوات الروسية الخاصة حتفهم خلال العملية التي استمرت ثلاثة ايام. بعد العملية اضطر بوتين الى اتخاذ تدابير ادارية اجرى فيها تغييرات للحد من تكرار هذا النوع من الاعتداءات.
الا ان الولاية الثانية لبوتين شهدت عددا واسعا من سياسة تقييد الحريات وتلفيق التهم، فقد تخلص بوتين من اثرى اثرياء روسيا الملياردير فلاديمير خودوركوفسكي رئيس شركة يوكوس وزج به في السجن بتهم الفساد والتهرب من الضرائب. واعلنت الدولة الروسية افلاس يوكوس وتم بيع اسمهمها بقيمة متدنية جدا الى شركات اخرى يمكلها مقربون من الرئيس الروسي.
واستهدفت استخبارات بوتين وقواته الخاصة اي شخصية سياسة او اعلامية تجرؤ على توجيه انتقادات له. وهكذا قامت قوى مجهولة في السابع من تشرين الاول 2006 باغتيال الصحافية آنا بوليتكوفسكايا في شقتها باطلاق الرصاص عليها، والسبب انها تجرأت على انتقاد الاساليب غير الانسانية التي ينتهجها الجيش الروسي في الشيشان.
وشهدت سنة 2007 عددا من المسيرات الشعبية والاحتجاجات السملية التي نظمها التيار المعارض لبوتين روسيا الاخرى بقيادة بطل الشطرنج غاري كاسباروف والقائد البولشفي القومي ادوارد ليمونوف. فواجهتها ادارة بوتين بقوات الشرطة ومكافحة الشغب وقامت باعتقال عدد واسع من المعارضين. وقبل بوتين في 12 ايلول 2007 طلب استقالة تقدم به رئيس الوزراء ميخائيل فرادكوف وعين مكانه فيكتور زوبكوف على رأس حكومة جديدة.
وفي الانتخابات التشريعية في كانون الاول 2007 حقق حزب بوتين روسيا المتحدة نصرا كبيرا بفوزه بحوالي 64 في المئة من اجمالي الاصوات، وهذا ما اعتبر تأييدا شعبيا لسياسات ادارة بوتين. ونظرا لأن الدستور الروسي لا يسمح ببقاء الرئيس نفسه لأكثر من ولايتين متتاليتين، قام بوتين باجراء تعديلات دستورية لنقل بعض صلاحيات الرئيس الى منصب رئيس الوزراء كتمهيد لشغل هذا المركز. وذلك بعدما حضر زميله في التلمذة على ايدي سوبشاك ديمتري مدفيديف (الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء) للترشح لرئاسة الجمهورية شرط ان يعينه رئيسا للوزراء. وهكذا بدأ تبادل الادوار بين الرجلين في قمة هرم السلطة في موسكو.
[ تبادل الأدوار مع مدفيديف
بعد فوزه في انتخابات آذار 2008 وادائه القسم الرئاسي في السابع من ايار 2008، اوفى الرئيس الروسي الجديد ديمتري مدفيديف في اليوم التالي بوعده الذي قطعه لصديقه القديم فلاديمير بوتين وعينه فورا رئيسا للوزراء، وهكذا تأكد بوتين من ابقاء قبضته محكمة على السلطة في روسيا لفترة مقبلة.
وجاءت السنة الاولى لادارة مديفيديف بوتين عاصفة بالاحداث، فقد وقع الاقتصاد الروسي في شباك الركود بسبب الازمة الاقتصادية والمالية العالمية التي هزت العالم عام 2008 اثر انهيار مؤسسات مالية كبرى في وول ستريت. وجاء هذا الزلزال الاقتصادي متزامنا مع مرحلة من التوتر الشديد عاشتها العلاقة بين روسيا والغرب بسبب الحرب في جورجيا واوسيتيا الجنوبية في صيف ذلك العام. لكن روسيا كانت على قدر الصفعة الاقتصادية ولم تتأثر طويلا بها وساعدها في ذلك الاحتياطي المالي الكبير الذي كدسه بوتين خلال رئاسته البلاد، بفضل اسعار النفط العالمية التي ارتفعت في تلك الآونة بسبب تداعيات الاجتياح الاميركي البريطاني للعراق. وهكذا تمكنت الادارة الروسية من استئناف النمو الاقتصادي في البلاد ابتداء من النصف الثاني لعام 2009، وهذا ما دفع البنك الدولي الى الاشادة بالطريقة التي تعاملت فيها موسكو مع الازمة العالمية وتعافيها السريع من تداعياتها.
ونسب بوتين لنفسه الفضل في تجاوز الازمة الاقتصادية العالمية، كما جهد في الفترة بين 2008 و2011 الى تصحيح الوضعية الديموغرافية في روسيا التي كانت شهدت في الفترة السابقة تقلصا كبيرا في اعداد الولادات ووضع منظومة جديدة لزيادة عدد السكان. وما كاد العام 2011 يشارف على نهايته حتى حصل ما كان المناهضون لبوتين في روسيا يخافونه، عندما قدم مدفيديف نصيحة علنية لبوتين بالترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. وشهد شهر كانون الاول من العام 2011 عددا كبيرا من التظاهرات والاحتجاجات المنددة بتبادل الادوار العلني بين بوتين ومدفديديف، وارتفعت الاصوات داخل روسيا وخارجها رفضا لترشح بوتين من جديد لرئاسة روسيا.
[الولاية الرئاسية الحالية
رغم كل الانتقادات والاحتجاجات، فاز بوتين في الرابع من آذار 2012 بالانتخابات الرئاسية منذ الجولة الاولى حاصدا اكثر من 64 في المئة من اجمالي الاصوات. ولقيت عملية التصويت انتقادات واسعة من معارضي بوتين داخل روسيا ومن منظمة التعاون والامن الاوروبية التي تشرف غالبا على شفافية العملية الديموقراطية في الانتخابات التي تجرى في اوروبا والعالم.
وابرز حادثة لكم الافواه المعارضة، كانت دون شك حادثة القاء القبض على شابات فريق بوسي رايوت الغنائي في شباط 2012 قبيل الانتخابات بسبب آدائهن اغنية تندد ببوتين والكنيسة على مذبح احدى الكاتدرائيات الاورثوذوكسية في موسكو. وامضت شابتان من الفرقة قرابة العامين في السجن ولم يطلق سراحهما الا في اواخر العام 2013 في سلسلة قرارات عفو اتخذها بوتين شملت المياردير خوردوركوفسكي وذلك تمهيدا من الرئيس الروسي لاطلاق اغلى العاب اولمبية في التاريخ،


(التتمة ص15)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00