تشكل الأزمة الأوكرانية امتحانا عسيرا للنظام العالمي الجديد، الذي بدأ يتشكل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لأن أوكرانيا هي النقطة الجغرافية التي تقف عندها اليوم حدود الدول الموالية لهذا النظام في النصف الشمالي للكرة الارضية. وتتجسد هذه الأهمية في كون أوكرانيا الجرح الذي اعيد فتحه بين النفوذ العسكري لموسكو من جهة، وطموحات الدول الغربية التي شكلت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ما يعرف بحلف شمال الأطلسي (ناتو) من جهة اخرى.
ويصطدم النظام العالمي مرة اخرى بجدار الكرملين وبالتحدي الذي تمثله روسيا في عهد فلاديمير بوتين، ضابط الاستخبارات السوفياتية (كاي جي بي) السابق الذي تربى على التعصب للقومية الروسية وتعاليم الكنيسة الاورثوذوكسية المحافظة. فمنذ دخل بوتين دائرة السلطة في موسكو عرقلت روسيا السرعة التي كان يسير بها النظام العالمي الجديد في ضم ما تبقى من مساحة القارة الأوروبية عبر ما يعرف اليوم بالاتحاد الأوروبي. وها هو الرئيس الروسي اليوم لا يعد للعشرة قبل ان يعلن رفضه التام لسياسة النظام العالمي.
وبما ان القدرات العسكرية الضخمة للاتحاد السوفياتي السابق سببت ولادة حلف شمال الأطلسي عند انتهاء الحرب العالمية الثانية واعلنت انطلاق الحرب الباردة بين السوفيات والغرب، فان سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي كانا الدليلين القاطعين على نصر مدو للنظام العالمي الجديد مهد لقضم المزيد من الاراضي الأوروبية وضمها تحت لوائه. تلك الأحداث لم تكن مدعاة سرور شبان مهووسين بعظمة بلادهم كبوتين الذي وضع هدفا له منذ ذلك الحين اعادة امجاد موسكو كقوة عظمى قادرة على التحكم بمجريات الامور في هذا العالم، وها هو اليوم يجلس على كرسي الكرملين يمارس سلطاته بقبضة من حديد تقمع اي مناهض له في داخل روسيا، ويستخدم سياسة خارجية مرتكزة على اقتناص الفرص بهدف مراوغة النظام العالمي الجديد وتسديد الضربات الانتقامية له.
ومن اجل توضيح اسباب التنافر الحاصلة اليوم بين الديك الروسي من جهة وديك الناتو من جهة اخرى، تقدم المستقبل هذ التقرير المفصل عن العلاقة التاريخية بين موسكو والحلف منذ تأسيسه مع التنويه بالعلاقات المميزة التي نجحت روسيا بوتين في نسجها مع بعض دول الحلف وتسليط الضوء على القدرات العسكرية الحالية ونقاط الضعف والقوة لدى الطرفين:
الخوف من مطامع الاتحاد السوفياتي
سبب ولادة الناتو
كان الأمن والاستقرار هما الهاجس الأكبر للدول الأوروبية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة امبراطورية الرايخ الثالث، ولهذا السبب نظرت الدول الغربية الخارجية من هذه الحرب الى الاتحاد السوفياتي كقوة عسكرية مرعبة قد تكون المصدر الاساسي لمطامع توسعية جديدة على النحو الذي ادار به ادولف هتلر المانيا النازية. فوقعت كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا واللوكسمبورغ معاهدة في بروكسل في 17 آذار 1948 تقول بالتعاون العسكري المشترك بين تلك الدول لصد اي عدوان يطاول احداها. هذه المعاهدة سرعان ما تطورت لتصبح منظمة اتحاد الغرب الأوروبي للدفاع المشترك في ايلول 1948 وذلك اثر قيام الاتحاد السوفياتي بحصار قوات الدول الغربية التي كانت حليفة له في الحرب العالمية الثانية في الشق الغربي من العاصمة الالمانية برلين لاجبارها على مغادرتها وذلك بسبب خلاف حاد اندلع بين الطرفين على كيفية تقسيم المنطقة سياسيا بعد نهاية الحرب.
وبسبب القدرات العسكرية الضخمة للاتحاد السوفياتي وتحسبا لأي خطوات عدوانية من قبل موسكو، رأى الأوروبيون الغربيون ان انضمام قوة عسكرية بحجم الولايات المتحدة الاميركية الى حلفهم ضروري جدا لفرملة اي مد توسعي يمكن ان يخطر على بال الادارة السوفياتية. وهكذا ولدت معاهدة حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي وقعت في العاصمة الاميركية واشنطن في الرابع من نيسان عام 1949 وشملت اضافة الى دول بروكسل الخمس كل من الولايات المتحدة الاميركية وايطاليا وكندا والنرويج والدنمارك وايسلندا والبرتغال. واتفقت الدول الاعضاء في هذه المعاهدة على ان اي اعتداء على اي دولة منها هو بمثابة اعتداء على الجميع، وعليه فان هذه الدول ترتبط بمنظومة دفاعية مشتركة تضعها كلها في موقع المسؤولية تجاه احداها الأخرى.
[ رفض طلب موسكو الانضمام الى الناتو
قد يخيل للبعض ان الحروب في العالم ومطامع الدول توقفت عند هزيمة هتلر، ولكن في الحقيقة هي ان السوفيات سعوا مباشرة بعد انتهاء ما عرف بـالحرب العالمية الثانية الى توطيد علاقاتهم الدولية مع الانظمة الشيوعية الاخرى وخاصة مع الصين. وظهر هذا المد الشيوعي في اوضح صورة عند اندلاع الحرب الكورية عام 1950 بين شقي كوريا الشمالي، الذي يعرف بجمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، والجنوبي الذي يعرف بجمهورية كوريا. فعلى الرغم من ان الاتحاد السوفياتي والصين كانتا عضوين دائمين في مجلس الامن التابع لمنظمة الامم المتحدة الحديثة الولادة حينها وعلى الرغم من وقوف المنظمة في صف كوريا الجنوبية بسبب الاجتياح الذي قام به الجيش الشيوعي الكوري الشمالي لاراضي كوريا الجنوبية الا ان موسكو وبكين وقفتا الى جانب المعتدي. هذه الحقيقة بينت للغرب ان منظمة الامم المتحدة لا تزال غير قادرة على الحد من الطموحات التوسعية للانظمة الشيوعية، وعليه قررت الدول المنضوية في حلف شمال الأطلسي البدء بتدريبات عسكرية مشتركة وتشكيل وحدات قتالية مشتركة تضم جنودا من شتى بلدان الحلف، وهذا ما تم بلورته في مؤتمر لشبونة عام 1952 وبدأت المناورات العسكرية في ايلول من ذلك العام في المياه الاسكندينافية وشارك فيها عديد تجاوز الـ50 الف جندي واكثر من 200 مركب حربي، تلتها منذ ذلك الحين سلسلة لم تنته الى الآن من التدريبات والمناورات العسكرية.
وفي عام 1952 قررت دول الحلف توسيعه فقبلت انضمام تركيا واليونان اليه. ومع توسع رقعة الحلف الى حدودها الجنوبية بدأت موسكو تشعر بالقلق من تزايد نفوذ الأطلسي، فما كان منها سوى ان بادرت في عام 1954 بمقترح للانضمام الى صفوف الناتو. لكن دول الحلف رفضت الاقتراح خوفا من خدعة قد يقوم بها السوفيات لاضعاف الحلف وقامت بدلا من ذلك في التاسع من ايار 1955 بضم المانيا الغربية.
رفض الطلب السوفياتي وضم الألمان الغربيين اثار حفيظة موسكو ودفعها بعد خمسة ايام فقط الى تأسيس حلف منافس يعتمد على جيرانها في شرق أوروبا، وعرف هذا الحلف بحلف وارسو نظرا لأن العاصمة البولندية استضافت توقيع معاهدة الحلف في 14 ايار 1955 بين كل من بولندا والاتحاد السوفياتي وهنغاريا وتشيكسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا والبانيا والمانيا الشرقية. وهكذا بدأ زمن ما عرف بـالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.
[ سباق التسلح ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية
لم تشهد العقود التي تلت ولادة الحلفين اي مواجهة عسكرية مباشرة بينهما، الا ان سباق التسلح استعر بين الطرفين طيلة فترة الحرب الباردة. ورغم بدء التوقيع على معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية في عام 1968 وادخالها حيز التنفيذ في العام 1970 الا ان سياسة نزع الاسلحة وتقليص ترسانات اسلحة الدمار الشامل لم تبدأ بالتطبيق بشكل فعلي بين الطرفين الا في الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي.
وبسبب التصعيد الذي مارسته موسكو عام 1979 بتعزيز ترسانتها النووية في الشق السوفياتي الواقع في القارة الأوروبية، قامت الولايات المتحدة بنشر صواريخ نووية من طراز كروز وبرشينغ في قواعدها العسكرية الموجودة في دول الناتو الأوروبية، وذلك بهدف الضغط على موسكو من اجل الحصول على تنازلات افضل في مفاوضات نزع التسلح بين الطرفين.
وفي العام 1982 انضم بلد أوروبي جديد الى اسرة الناتو هو اسبانيا، ما دفع حلف وارسو الى اظهار عضلاته مجددا عام 1983 بنشر منظومة صواريخ اس اس المتوسطة المدى في قواعد عسكرية في دول أوروبا الشرقية التابعة له، فرد الناتو بنشر احدث ما يملكه من صواريخ البرشينغ. هذا التصعيد في نشر الصواريخ النووية هنا وهناك ادى الى اندلاع تظاهرات في مدن عدة في أوروبا الغربية دعما للسلام وتخوفا من اندلاع اي حرب مجنونة في اي لحظة. الرعب من مصير مشابه مصحوبا بغضب عارم من القبضة الحديدية للانظمة الشيوعية في دول المعسكر الشرقي دفع ببركان شعوب أوروبا الشرقية الى الثوران واحداث زلزال اطاح بحلف وارسو والاتحاد السوفياتي وانهى الكيان الشيوعي في القارة الأوروبية.
[ انتهاء الحرب الباردة بحل حلف وارسو وانهيار الاتحاد السوفياتي
اندلعت عام 1989 موجة من التظاهرات الشعبية المنددة بالانظمة الشيوعية في دول أوروبا الشرقية وحكم الحزب الواحد. وعرفت تلك الثورات باسم ربيع شرق أوروبا وانطلقت شرارتها الاولى من عقر دار حلف وارسو اي في العاصمة البولندية. فاضطرت الانظمة الشيوعية الحاكمة في دول أوروبا الشرقية المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي الى الرضوخ لضغط الشارع ما ادى الى تسارع الاحداث من سقوط جدار برلين في تشرين الثاني 1989 وتوحيد الالمانيتين في عام 1990 وصولا الى حل حلف وارسو في 25 شباط 1991. ولم يكد العام 1991 ينتهي حتى انهار الاتحاد السوفياتي حيث اعلن انفراط عقده في كانون الاول من ذلك العام.
وبتاريخ 26 كانون الاول 1991 زال الاتحاد السوفياتي رسميا من الوجود. وانبثق عن انفراط عقده ولادة 15 دولة جديدة، هي: روسيا وأوكرانيا وارمينيا واذربيجان وبيلاروسيا واستونيا وجورجيا وكازاخستان وقرغيزستان ولاتفيا وليتوانيا ومولدوفا وطاجيكستان وتركمنستان واوزبكستان.
هذه الاحداث المتسارعة وسقوط الكيان الشيوعي في القارة الأوروبية تصاحب مع انضمام المانيا الموحدة الى صفوف الناتو الذي فقد بانهيار الاتحاد السوفياتي خصمه الرئيسي الذي اسس لمواجهته. وهكذا اعلنت نهاية الحرب الباردة، ما استدعى اعادة هيكلة حلف شمال الأطلسي واجراء اصلاحات فيه بحسب التطورات على الساحة العالمية.
[ توسع الناتو ودائرة نفوذه
عمد الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة الى توسيع شبكة علاقاته الدولية مطلقا بين عامي 1994 و1997 مبادرات صداقة مع بعض الدول تحت عنوان الشراكة من اجل السلام وبدأ حوارا مع دول البحر المتوسط وانشأ مجلس العلاقات الأوروبية الأطلسية الذي تترسخ فيه اليوم العلاقة المميزة بين الحلف والاتحاد الأوروبي.
وفي عام 1998 تم انشاء هيئة لتطوير العلاقات المشتركة بين روسيا والناتو. وقام الحلف بتوسيع نفوذه شرقا فضم عام 1999 ثلاث دول خارجة من نير الكيان الشيوعي السابق وهي بولندا وجمهورية التشيك وهنغاريا. وفي آذار 2004 اصبحت كل من بلغاريا ورومانيا واستونيا ولاتفيا وليتوانيا وسلوفينيا وسلوفاكيا ايضا اعضاء في حلف شمال الأطلسي. واطلق الحلف في قمة اسطنبول من العام نفسه مبادرة للتعاون مع دول الخليج العربي.
وقام الحلف منذ العام 2002 بسلسلة اصلاحات في هيكله وتقسيماته العسكرية على انواعها من بحري وجوي وبري. وكانت آخر الدول المنضمة اليه كل من كرواتيا والبانيا اللتين انضمتا في نيسان 2009. وفتح الحلف الباب الى كل من جورجيا وأوكرانيا للانضمام ما اثار حفيظة روسيا وادى الى الحرب الروسية الجورجية عام 2008 والى الاجتياح الحالي الذي تقوم به القوات الروسية لشبه جزيرة القرم الأوكرانية بسبب خشية موسكو من خسارة نفوذها في القرار السياسي الاوكراني.
[ عمليات الناتو العسكرية تتعارض مع مصالح موسكو
رغم انفراط عقد الاتحاد السوفياتي الا ان روسيا تبقى دولة كبيرة المساحة ذات قدرات عسكرية واقتصادية ضخمة. ولم تتأخر موسكو من الاستيقاظ من الصفعة التي تلقتها صورتها في العالم بسبب اندحار جبروت الاتحاد السوفياتي واخذت تشعر مع كل عملية عسكرية ينفذها حلف شمال الأطلسي في القارة الأوروبية وخارجها بمدى الضرر الذي تلحقه تلك العمليات باقتصاد روسيا ومصالحها الدولية.
فالتدخل العسكري للناتو في الحرب البوسنية التي اندلعت عام 1992 ادى الى انفراط عقد يوغوسلافيا آخر حليف قوي يمكن لروسيا الاتكاء عليه لمواجهة المد الغربي. اذ على الرغم من ان الاتحاد اليوغوسلافي رفض الانضمام الى حلف وارسو ايام الاتحاد السوفياتي وفضل البقاء على الحياد بين المعسكرين الشرقي والغربي، الا ان موسكو الجريحة كانت تنظر اليه عند ولادة روسيا كامتداد اجتماعي يشبه النسيج الروسي ولا سيما في ان غالبيته تتبع الكنيسة الاورثوذوكسية. العمليات العسكرية للناتو للدفاع عن الاقليات المسلمة امام المجازر والتطهير العرقي التي ارتكبها الصرب بحقهم سرع في زوال يوغوسلافيا وولادة سبع دول جديدة هي صربيا وكرواتيا والبوسنة الهرسك ومقدونيا والجبل الاسود وسلوفينيا وكوسوفو.
كما ان اجتياح قوات الناتو لأفغانستان في اعقاب اعتداءات 11 ايلول 2001 من اجل التخلص من حكم حركة طالبان وتنظيم القاعدة جاء ليزيل الغشاوة عن اعين السوفيات القدامى في الادارة الروسية الحديثة. ودفع هؤلاء للتساؤل الم تدعم الاستخبارات الغربية هذه التنظيمات المتطرفة كي تجاهد ضد القوات السوفياتية ابان احتلال الاتحاد السوفياتي لأفغانستان؟
ولم يكد الروس يتنبهون لما يحدث حتى شاهدوا احد الانظمة الحليفة لهم ايام الاتحاد السوفياتي نظام صدام حسين في العراق يسقط جراء اجتياح القوات الاميركية والبريطانية لأراضيه. وآخر الغيث في سلسلة تغيير الانظمة الذي تقوم به دول الناتو كان تدخل الحلف عسكريا في الحرب الاهلية الليبية الاخيرة واسهامه الرئيسي في الاطاحة بنظام معمر القذافي.
وما كادت الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد تندلع حتى وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ثقله كاملا في مجلس الأمن لمنع اي قرار قد يسمح بتغيير النظام الديكتاتوري في سوريا. تحرك الناتو تجاه الازمة لم يتعد حتى الآن نشر منظومة صواريخ دفاعية على الحدود التركية السورية لحماية اراضي تركيا العضو فيه على الرغم من مطالبة شعبية واسعة في سوريا لانقاذ الشعب السوري من آلة الأسد الاجرامية. لكن السياسة الروسية لا تحظى بشعبية لدى العرب عموما ولا تلقى ترحابا لدى غالبية السوريين خصوصا فقد تسبب عناد موسكو واصرارها على حماية الأسد وابقائه في الحكم بمصرع اكثر من 150 الف سوري وتشريد نحو 10 ملايين منهم والى دمار شبه شامل لشتى المدن السورية وضغط سكاني واقتصادي وامني هائل على كل من لبنان والعراق وتركيا والأردن.
[ العلاقة بين الناتو وروسيا
بدأت العلاقة بين الناتو وروسيا منذ العام 1991، اي بشكل اوتوماتيكي منذ اتخذت روسيا شكلها السياسي والجغرافي الحالي. وتقربت روسيا من الحلف بتوقيعها عام 1994 على اتفاق الشراكة من اجل السلام. وفي قمة للحلف استضافتها باريس عام 1997 اعلن الروس والغربيون انهم من الآن فصاعدا ليسوا خصوما انما شركاء ووضع الطرفان خارطة عمل مستقبلية لتعزيز اطر التعاون وتنسيق الجهود الامنية وتوطيد العلاقات المشتركة.
وبعد احداث 11 ايلول 2001 واعلان الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها الحرب على الارهاب العالمي بدت للروس ثغرة يمكن من خلالها اطلاق مرحلة جديدة في علاقتهم مع الأطلسيين. وهذا ما حصل في قمة الناتو في 28 ايار 2002 في روما حيث اعلنت ولادة مجلس روسيا الناتو الذي من خلاله يتم طرح الهواجس الامنية لدى الطرفين ووضع استراتيجية مشتركة لمكافحة الارهاب، وقد برهنت روسيا عن حسن نواياها في هذا السياق بتسهيل مرور ونقل معدات القوات المتعددة الجنسيات المشاركة في الحرب في افغانستان. وقد اثنى الجانبان على الايجابية التي لعبها المجلس في تطوير العلاقات الديبلوماسية والامنية بينهما وهذا ما اكده زعماء دول الناتو في قمة بوخارست في نيسان 2008.
لكن العلاقات ما لبثت ان تعرضت لنكسة من جراء اندلاع الحرب الروسية الجورجية في صيف العام نفسه. فقد دان الأطلسي اعتراف روسيا بمنطقتي اوسيتيا الجنوبية وابخازيا التابعتين لجورجيا كدولتين مستقلتين، واتهم الامين العام للحلف اندرس فوغ راسموسن موسكو بانتهاك قرارات مجلس الامن، ونددت موسكو في المقابل بنشر الناتو قواته في جورجيا واعتبر الرئيس الروسي وقتها ديمتري مدفيديف انه لو لم تدخل روسيا الحرب في جنوب اوسيتيا لكان الناتو وسع انتشاره شرقا وفي كلامه هذا تحديد واضح ان المشكلة الاساسية كانت معارضة روسيا لباب الانضمام الذي فتحه الأطلسي امام جورجيا. ثم اشتد التوتر في العلاقة في ايار 2009 عندما طرد الناتو ديبلوماسيين روسيين متهما اياهما بالتجسس. ولم تخف الادارة الروسية معارضتها التامة لمحاولات الناتو ضم أوكرانيا وجورجيا لعضويته. واعتبر مدفيديف انه لا يوجد دولة في العالم ينتابها السرور لرؤية حلف عسكري يوسع نفوذه قرب حدودها.
ولعل ابرز الاعتراضات الروسية على الانتشار العسكري الميداني للأطلسي يبقى مناهضة موسكو لمشروع الدرع الصاروخية الذي اقترحت الولايات المتحدة نشره في قواعد للناتو في كل من تشيكيا وبولندا، بذريعة حماية اراضي دول الحلف من اي هجمات صاروخية محتملة من قبل نظامي كوريا الشمالية وايران. والسبب الرئيسي لاعتراض الادارة الروسية على الدرع الصاروخية وما تتضمنه من برامج وتقنيات متطورة في تلك الاماكن هو ادراكها ان اجهزة الرادار الحديثة للناتو ستكون قادرة حينها على رصد اي تحرك للجيش الروسي المتمركز في الشق الأوروبي لروسيا والتقاط اي اشارة تصدر من الاسطول الروسي الرابض في مياه البحر الأسود.
كما عارضت موسكو بشدة ارسال الناتو بطاريات دفاعية المانية وهولندية الى الحدود التركية السورية محذرة من اي خطوة غير محسوبة للحلف ومن اي تدخل عسكري له في الصراع السوري.
وعلى الرغم من هذه الخلافات، الا ان العلاقة بين الطرفين شهدت تقدما ملموسا منذ العام 2009 بسبب التقارب الاقتصادي والتجاري بين روسيا ودول كبرى اعضاء في الحلف مثل المانيا التي اقترحت عام 2010 انضمام روسيا الى الناتو. وفي السادس من حزيران 2011 اجرت القوات الروسية والأطلسية للمرة الاولى مناورات عسكرية مشتركة شاركت فيها مقاتلات جوية من الطرفين سبقتها تدريبات مشتركة لغواصات. الا ان هذا التقارب لم يكن محط اعجاب القوميين الروس المتطرفين وبقايا التيارات الشيوعية في روسيا وقام هؤلاء بعدد من التظاهرات عام 2012 مطالبين بوضع حد لهذا التقارب الروسي مع الأطلسي. وآخر الغيث في التعاون المشترك، كان الخطة التي وضعها الاميركيون والروس لاتلاف ترسانة سوريا الكيميائية.
وكان بوتين اعلن عام 2000 ان روسيا قد تنضم الى الناتو يوما ما، الا ان ادارته الحالية اكدت عدم وجود اي نوايا للانضمام الى الحلف. ويختصر سفير روسيا الحالي لدى الناتو ديمتري روغوزين موقف بلاده بالقول القوى العظمى لا تنضم الى احلاف (اتحادات)، انما تخلق احلافا. وروسيا تعتبر نفسها دولة عظمى.
الثقة الهشة بين روسيا والناتو ما لبثت ان اهتزت مجددا على خلفية اجتياح القوات الروسية لشبه جزيرة القرم واتهام موسكو الغرب بمؤامرة انقلابية اطاحت بالرئيس الاوكراني المخلوع
(تتمةص15)








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.