بدأ الغرب امس بتحريك حجاره في لعبة الشطرنج الاوكرانية، التي افتتحتها موسكو، بعدما سرّع اعلان برلمان القرم بالاجماع الرغبة بانفصال شبه الجزيرة عن اوكرانيا والانصمام الى روسيا وعزمه تنظيم استفتاء شعبي بعد ايام حول مستقبل شبه الجزيرة، في اقحام اللاعبين الغربيين. فجاءت النقلة الاميركية الأولى اكثر اقداماً من النقلة الاوروبية. اذ اعلنت واشنطن امس رسمياً حظر السفر وتجميد الاصول المصرفية لمسؤولين روس واوكرانيين (متآمرين معهم) متورطين بالانتهاكات الدائرة في القرم والاراضي الاوكرانية الاخرى، في حين توقفت بروكسل عند التلويح فقط بهذه الخطوات، والتهديد بتنفيذها في حال رفضت موسكو الحوار مع كييف واعادة الامور الى نصابها بما يصون سيادة اوكرانيا ووحدة اراضيها واستقرارها.
ميدانياً، بدت التحركات العسكرية الروسية في القرم وانتشار المقاتلات الجوية الاميركية لمراقبة بحر البلطيق وكأنها ترسم مجدداً شبح الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن. فقد واصلت القوات الروسية حصار المواقع والقواعد العسكرية الاوكرانية في القرم، وانتشرت وحدات منها في محيط برلمان شبه الجزيرة، الذي صوت امس لصالح الانضمام الى روسيا، ما سرّع في اثارة حفيظة الغرب.
واعلنت وزارة الدفاع الاميركية ان المدمرة يو اس اس تراكستن في طريقها الى البحر الاسود لاجراء مناورات مشتركة مع الاسطولين البلغاري والروماني، كانت مجدولة قبل اندلاع الازمة الاوكرانية. لكن اللافت كان نشر مقاتلات جوية من طراز اف 15 في بولندا لمراقبة مجال بحر البلطيق الجوي، هذا وستتجه طائرات اميركية من طراز اف 16 الى قاعدة لاسا البولندية في اطار تدريبات متفق عليها سابقا.
ديبلوماسياً، امر الرئيس الاميركي باراك اوباما بحظر السفر وتجميد الاصول المصرفية في البنوك الاميركية للشخصيات الروسية والاوكرانية المتورطة بالتدخل العسكري في اوكرانيا، لما يمثله تصرفهم من تهديد لسيادة اوكرانيا ووحدة اراضيها بالحدود المتعارف عليها دوليا، من دون ان تشمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحسب مصادر البيت الابيض.
وحذر اوباما في تصريح مخصص للازمة الاوكرانية من ان تنظيم استفتاء شعبي في القرم سيكون مخالفاً للقوانين الدولية وانتهاكاً صارخاً للدستور الاوكراني وسيادة الاراضي الاوكرانية ووحدتها، معتبراً ان الحل السياسي لا يزال ممكناً لهذه الازمة، مؤكداً وقوف الولايات المتحدة وحلفائها صفاً واحداً ضد اي تصعيد او توغل روسي في اراضي اوكرانيا.
في كييف، اعلن الرئيس الاوكراني اولكسندر تورشينوف ان الادارة الاوكرانية بدأت اجراءات حل برلمان شبه جزيرة القرم لأنه فاقد الشرعية، وذلك على خلفية تصويت نوابه بالاجماع لصالح ضم القرم الى روسيا واعلانهم اجراء استفتاء شعبي في البلاد للتأكيد على ذلك.
وفي روما اجتمع وزراء خارجية الدول الكبرى في مؤتمر حول ليبيا لكنهم بالطبع تداولوا الملف الاوكراني، وابرز ما رشح من اللقاءات كان تشديد وزير الخارجية الاميركي جون كيري على أن القرم هي اوكرانيا. القرم هي جزء من اراضي اوكرانيا، ولهذا ان مقررات برلمان القرم في ما يتعلق بمستقبل شبه الجزيرة غير شرعي لتعارضه مع دستور اوكرانيا. وان اي قرار بشأن مستقبل القرم يجب ان يكون للحكومة الاوكرانية رأي فيه، آملاً ان تعيد موسكو الامور الى طبيعتها في اراضي جارتها.
اما نظيره الروسي سيرغي لافروف، فاعتبر ان فرض العقوبات الاميركية على روسيا ليس بناء واكد ان اي عقوبات اقتصادية اميركية واوروبية ضد روسيا ستكون مؤلمة للطرفين.
وفي بروكسل، توصل رؤساء الدول الـ28 الاعضاء في الاتحاد الاوروبي امس بعد قمة مطولة، الى اتفاق بشأن الخطوات التي يجب اتخاذها في سبيل الضغط على روسيا من اجل وضع حد للازمة التي خلقتها في الاراضي الاوكرانية.
وحدد المجتمعون 3 مراحل، لكل مرحلة منها خطوات سيتبعها الاتحاد الاوروبي بحسب تعامل الادارة الروسية مع الازمة.
وشدد رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون على ان روسيا يجب ان تفهم ان العمل معها من الآن فصاعدا لا يمكن ان يستمر كما كان. ان ما قامت به في اوكرانيا غير مقبول اطلاقا وستترتب عليه عواقب. نحن في هذه القمة في الاتحاد الاوروبي اتفقنا على التصدي للازمة الاوكرانية على اساس 3 احتمالات او مراحل. اليوم قررنا تجميد المشاركة في تحضيرات مجموعة الثماني وتجميد محادثات تسهيل تأشيرات الدخول بين بلداننا وروسيا ولكننا ايضا اوضحنا في البيان الختامي انه في حال لم تتحاور موسكو مع كييف ضمن مهلة زمنية محددة تنتهي بحل يعيد الامور الى نصابها بما يحفظ وحدة الاراضي الاوكرانية، فاننا سنعمد الى فرض عقوبات حظر سفر وتجميد الاصول المصرفية للشخصيات الروسية التي تقوم بهذه الانتهاكات. وفي حال لجأت موسكو الى تصعيد اكبر كالعبث باستقرار المحافظات الاوكرانية الواقعة في شرق البلاد فاننا سنلجأ عندها الى عقوبات اقتصادية مشددة.
وعقب لقاء في بروكسل جمع رئيس الوزراء الاوكراني ارسيني ياتسينيوك بأمين عام حلف شمال الاطلسي (الناتو) اندرس فوغ راسموسن، اكد الرجلان في مؤتمر صحافي ان الخيار العسكري ليس مطروحا على الطاولة وان الحكومة الاوكرانية تدعو موسكو الى الحوار، لان الحل بسيط ويتمثل بعودة روسيا عن الخطوات الاخيرة التي قامت بها في القرم.
وجدد ياتسينيوك التأكيد على نوايا حكومته السلمية تجاه موسكو وان حكومته موالية لأوكرانيا ومصلحة اوكرانيا لكنها ليست معادية لروسيا.
وفي ختام قمة الاتحاد الاوروبي امس في العاصمة البلجيكية، اصدر الرؤساء بيانا تضمن 11 نقطة هي:
اولاً: التقينا اليوم (امس) برئيس وزراء اوكرانيا ارسيني ياتسينيوك الذي اطلعنا على الوضع في بلده. ونحن نشيد بالشجاعة وضبط النفس اللذين ابداهما الشعب الاوكراني في الاشهر والاسابيع الاخيرة.
ثانياً: نتبنى الخلاصات التي اعتمدها مجلس خارجية الاتحاد الاوروبي في الثالث من آذار الجاري. ندين بشدة الانتهاك غير المبرر لسيادة اوكرانيا ووحدة اراضيها من قبل روسيا الاتحادية. ونطالب الاخيرة بسحب قواتها المسلحة فورا الى مناطق تمركزها الاعتيادية، بما يتماشى مع الاتفاقيات المتعلقة بوجود قوات روسية على الاراضي الاوكرانية. وندعو روسيا الى السماح بنشر مراقبين دوليين. ونعتبر ان القرار الذي اتخذه المجلس الاعلى لجمهورية القرم بإجراء استفتاء شعبي حول مستقبل شبه الجزيرة يتعارض مع الدستور الاوكراني وبالتالي هو غير شرعي.
ثالثاً: الاتحاد الاوروبي مستعد للانخراط في حوار مفتوح وصريح مع روسيا واكرانيا. ويتحمل مسؤولية خصوصا في حفظ السلام والاستقرار والازدهار في اوروبا. وسيشارك ايضا في الآلية المتعددة الاوجه ضمن مجموعة الاتصال الدولية الساعية لازالة التوتر والابتعاد عن التصعيد، وذلك من خلال بناء الثقة بين الاطراف بمراقبة سيادة ووحدة اراضي اوكرانيا وحماية جميع المواطنين الموجودين على اراضيها، والحرص على حماية حقوق الاقليات ومساعدة الحكومة الاوكرانية على اجراء انتخابات حرة ونزيهة.
رابعاً: ان الهدف المشترك للاتحاد الاوروبي وروسيا لبناء علاقة على اسس المصالح المتبادلة واحترام الواجبات الدولية يجب ان يعاد ترميمه. وسيكون مؤسفا جدا في حال فشلت روسيا في العمل في هذا الاتجاه، ولا سيما في حال واصلت رفض المشاركة في حوار مع الحكومة الاوكرانية. لقد قررنا اتخاذ خطوات، بما فيها مقررات مجلس خارجية الاتحاد التي صدرت في الثالث من آذار الجاري، وتحديدا تجميد المحادثات مع روسيا بشأن قضايا تأشيرات الدخول وامور الاتفاقية الجديدة. وندعم قرار الدول الاوروبية الاعضاء في مجموعة الثماني بتجميد مشاركاتهم في التحضيرات لقمة المجموعة المقرر عقدها في سوتشي الروسية في حزيران المقبل.
خامساً: ينبغي ايجاد حل للازمة من خلال محادثات بين الحكومتين الاوكرانية والروسية، بما في ذلك من خلال الآليات المتعددة الاطراف. هذه المحادثات يجب ان تبدأ خلال الايام القليلة المقبلة وان تؤدي الى نتائج ملموسة ضمن مهلة زمنية محددة. وفي حال غياب مثل هذه النتائج فإن الاتحاد الاوروبي سيتخذ تدابير اضافية تتضمن حظر السفر وتجميد الاصول المصرفية والغاء القمة الاوروبية ـ الروسية. وليكن من الواضح انه في حال اتخاذ روسيا خطوات تصعيدية لزعزعة الاوضاع في اوكرانيا، فان هذا سيؤدي الى تداعيات قاسية جدا لها تبعات عميقة على العلاقة بين دول الاتحاد الاوروبي وروسيا، ستطال مواضع اقتصادية عدة.
سادساً: يشيد الاتحاد الاوروبي بالرد المتزن الذي ابدته حتى الآن الحكومة الاوكرانية الجديدة. ويشجع السلطات الاوكرانية على متابعة الجهود من اجل ضمان اجراء انتخابات حرة ونزيهة والقيام بالاصلاحات الدستورية والتحقيق في جميع اعمال العنف.
سابعاً: نقف الى جانب اوكرانيا ونلتزم بدعمها ماليا بقوة، ونرحب بالرزمة التي درستها وحضرتها المفوضية ونطلب من شتى هيئات الاتحاد تنفيذها باسرع وقت. ان دعم صندوق النقد الدولي اساسي من اجل تسريع المساعدات الاوروبية. والاولوية الفورية هي لاستعادة الاقتصاد الكلي من خلال السياسات المالية والنقدية وسعر الصرف. وندعو الحكومة الاوكرانية لاطلاق سريع لمجموعة طموحة من الاصلاحات الهيكلية ابرزها محاربة الفساد وتعزيز الشفافية. ونرحب بقرار مجلس الاتحاد تجميد الاصول المصرفية للاشخاص الاوكرانيين المشتبه بانتهاكهم واستغلالهم الاموال العامة. ونحن مستعدون لتقديم المساعدات الانسانية بشكل فوري بحسب الحاجة.
ثامناً: اتخذ الاتحاد الاوروبي واوكرانيا خطوة مهمة باعادة طرح الاتفاقية التي تتضمن منطقة تجارة حرة. ونعيد التأكيد على التزام الاتحاد الاوروبي بالتوقيع على هذه الاتفاقية وسنوقع على كل فصول هذه الاتفاقية قريبا جدا (واعلن رئيس مجلس الاتحاد الاوروبي هرمان فان رومبوي في ختام القمة ان معاهدة التجارة الحرة مع اوكرانيا ستوقع قبل موعد الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 25 ايار.
تاسعاً: يعيد الاتحاد الاوروبي التأكيد على عزمه المضي قدماً في تسهيل مبادرة الشعب الى الشعب بين شعوب الاتحاد الاوروبي والشعب الاوكراني عبر تسهيل تأشيرات الدخول المتبادلة بين الطرفين.
عاشراً: الطاقة وامنها مهمان جدا في السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي. سنواصل جهودنا من اجل ضمان حماية التزود بها. ونطالب بتنفيذ جميع ما ورد في اتفاقية الرزمة الثالثة للطاقة من قبل جميع اللاعبين المشاركين في سوق الطاقة الاوروبي. والاتحاد الاوروبي مستعد لمساعدة اوكرانيا في حماية وارداتها في قطاع الطاقة من خلال تنويع المصادر وتعزيز عمليات النقل مع دول الاتحاد.
حادي عشر: يعرب الاتحاد الاوروبي عن عزمه على تعزيز تعاونه السياسي والاقتصادي مع كل من جورجيا ومولدوفا. ويؤكد سعيه الى توقيع اتفاق شراكة معهما بما في ذالك انشاء مناطق تجارة حرة. وان يتم التوقيع على هذه الاتفاقية في موعد لا يتعدى نهاية آب المقبل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.