8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تدخّل روسيا عسكرياً في أوكرانيا اختبار عسير لشمال الأطلسي

لم يتأخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كثيراً في التأكيد على السياسة الوحيدة التي يتبناها عندما لا يشعر بوجود أحد قادر على منعه من استخدامها. إنها سياسة الإخضاع بالقوة. فأمس عاد حليفه فيكتور يانوكوفيتس الرئيس الأوكراني المخلوع والمكروه من غالبية الشعب الأوكراني ليطل برأسه مجدداً عازفاً على سيمفونية أنه الزعيم الشرعي للبلاد وذلك بعدما وصلته تطمينات وضمانات من موسكو أن روسيا بجيشها وقواتها وصوتها المؤثر في مجلس الأمن الدولي ستدعمه حتى الرمق الأخير، تماماً مثلما تفعل في سوريا مع بشار الأسد.
إذاً، الضوء الأخضر صدر من الكرملين الى يانوكوفيتش وحاشيته في كريميه الأوكرانية بالمواجهة مهما كانت الكلفة، وقد بدأ الجيش الروسي عرض عضلاته والاستعداد لدخول أرض المعركة في سبيل منع كييف من الخروج من تحت جناح موسكو. في المقابل لم ير الأوكرانيون الأحرار أي تحرك عسكري مشابه من حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الكيان العسكري المعني مباشرة بالدفاع عن الحريات بحسب المفهوم الغربي.
وجل ما سمع أمس في عواصم القرار الغربية كان تشديد المستشارة الألمانية انغيلا ميركل أمس خلال خطابها أمام البرلمان البريطاني في لندن على ضرورة حماية الأوكرانيين التواقين الى الحرية وتأمين انتقال أوكرانيا الى ديموقراطية حقيقية بعيداً عن أي ضغوط خارجية.
ما يجري في أوكرانيا هو اختبار حقيقي للناتو لأن روسيا لا مزاح لديها عندما لا تجد من يواجهها بجدية. وكييف إذا لم تخضع لبوتين كما يريد فإنها ستكون من دون شك السبب في خلاف حاد بين موسكو ودول الأطلسي، وقد تؤدي الى قطيعة تامة للعلاقة بينهما وانقلاب الصداقة التي لم تترسخ الى عداء رسمي. إلا أن السيناريو الوحيد الذي قد يبقي على هذه العلاقة كما هي، هو أن يخذل الغربيون الأوكرانيين مثلما خذلوا السوريين وأن يجلسوا متفرجين على فظائع بوتين التي ستظهر تباعاً على مساحة الأراضي الاوكرانية. وفي هذا السياق إن تغريدة أمين عام الناتو اندرس فوغ راسموسن أمس على تويتر التي أمل فيها أن لا تقوم روسيا بأي تحرك قد يحدث سوء تفاهم بالكاد ستدغدغ أذني موسكو المتأهبة للمعركة.
العمود الفقري للناتو يبقى من دون شك الجيش الأميركي، وعندما انتقد بالأمس وزير الخارجية الأميركي جون كيري الانغزالية الأميركية التي تجسدها الإدارة الحالية في الانسحاب من الملفات الدولية على اختلافها وتقليص موازنة الدفاع ومخصصات الجيش، فهذا يفضح الى حد كبير الانقسام الحاصل في نواة الإدارة الأميركية الحالية بين الرئيس الأميركي المتردد الذي لا يملك استراتيجية واضحة في السياسة الخارجية من جهة وبين وزرائه ولا سيما كيري ووزير الدفاع تشاك هيغل اللذين طفح بهما الكيل من المظهر الخارجي لواشنطن منذ وصول أوباما الى البيت الأبيض. هذا ضمن الإدارة الواحدة والحزب الديموقراطي الحاكم فإلى أي مدى يشعر المعارضون الأميركيون من الحزب الجمهوري بالاستياء من سياسة التقاعس التي اشتهرت بها أميركا أوباما؟.
بوتين يسمع كل هذا ويراه ويدون في دفتر ملاحظاته وعندما يجري حساباته يدرك أن احتمال وقوف الناتو في وجهه في المسألة الأوكرانية ضئيل جداً. فهو، إذا لجأ الى استخدام القوة حتى وإن وضع نفسه في مواجهة شرسة مع الشعب الأوكراني والغرب، يعلم أنه في أسوأ الأحوال سيتمكن من تقسيم أوكرانيا الى شرقية وغربية ويبقي الشرقية تحت سيطرته محافظاً على هيبته كأقوى رجل في العالم.
قالها الروس مراراً إنهم لا يعرفون أي مبادئ وقيم غير قيمهم هم، وقد كرروا التصريحات التي تؤكد للغرب أن روسيا ـ بوتين لن تدور يوماً في فلك الثقافة الغربية وعالمها الحر. ومن هذا المنطلق ستكون موقعة أوكرانيا امتحاناً عسيراً بالنسبة للمنظومة العالمية التي يديرها الغرب، وبخاصة أن الربان أوباما لم ينجح حتى الآن في طمأنة البحارة الأحرار أن سفينة الحضارة الإنسانية في مأمن من العواصف التي تتربص بها في أفريقيا أو أوروبا الشرقية أو سوريا أو حتى في الكوريتين.
وفي حال نأي الأميركي بنفسه عن حرية الأوكرانيين فماذا سيكون بمقدور الأوروبي أن يفعل؟ رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون غارق حتى أذنيه في الخسائر التي سببتها الفيضانات في بلاده، والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند دخل جبهات قتال في أفريقيا ويحاول بشتى الوسائل إعادة الاقتصاد الفرنسي الى سكته الصحيحة. وفيما تبدو ألمانيا الأكثر ارتياحاً على الساحة الأوروبية، إلا أن من المستبعد أن تقوم انغيلا ميركل بخطوات عسكرية آحادية. أما الجيش الثاني من حيث العديد في الناتو بعد الجيش الأميركي، فهو الجيش التركي آخر من يمكن أن يتحرك في ظل المشاكل السياسية الداخلية الآخذة في الازدياد في تركيا التي لم تتدخل عسكرياً في أزمة جارتها الجنوبية وبالتالي فهي حتماً لن تتدخل في أوكرانيا.
الأسابيع القليلة المقبلة كفيلة بتبيان الحقائق وفي أي اتجاه ستذهب أوكرانيا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00