بدت موسكو مضطربة طوال يوم أمس وبالكاد نبست الإدارة الروسية بحرف حيال مستجدات الساعات الأربع والعشرين الأخيرة في أوكرانيا، ولم يصدر عنها أي رد فعل على مذكرة التوقيف الذي أصدرها الأوكرانيون الأحرار بحق الرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفيتش بسبب الجرائم التي ارتكبتها القوى الأمنية خلال التظاهرات وأودت بحياة العشرات. واكتفى رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف بالتشكيك في شرعية وأهداف المعارضة الأوكرانية التي استولت على السلطة عنوة، معرباً عن قلقه على مستقبل أمن بلاده ومواطنيها.
فهل فوجئ بوتين برد فعل المؤسستين العسكرية والأمنية في أوكرانيا وتخليهما عن حليفه يانوكوفيتش بهذه السرعة غير المتوقعة؟ لا يقدر أحد من المراقبين اليوم الإجابة عن هذا السؤال لسبب بسيط هو الأهمية الكبرى لأوكرانيا جيوسياسياً بالنسبة لرئيس دولة عظمى من طينة فلاديمير بوتين. ولكن رغم صعوبة التكهن بخطوته التالية، فإن ما يجمع عليه المحللون والمتابعون هو أن الرئيس الروسي في ورطة حقيقية وأنه من المستحيل ألا يحرك ساكناً لإيجاد مخرج يرضيه.
لقد مرت العلاقة الروسية ـ الأوكرانية بتوتّر مشابه العام 2006 أيام الثورة البرتقالية، لكن بوتين حينها لم يكن يشعر بالقوة والنفوذ اللذين يتمتع بهما اليوم على الساحة العالمية. ففي تلك الأيام كان الاتحاد الأوروبي في قمة زخمه التوسعي وكان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن يتصرف على هواه في السياسة الخارجية من دون إتاحة مساحة للروس للبروز في أي ملف كان. لذا صمت بوتين على مضض عن استلام الأوكرانيين الموالين للغرب السلطة في كييف وقتها، وبدأ في الوقت عينه يحضر الأرضية المناسبة لانتزاع الحكم منهم في أول فرصة تسنح لحلفائه هناك مستخدماً ورقة الضغط الاقتصادية بقطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا. وما إن جاءت انتخابات الرئاسة الأوكرانية العام 2010 (خلال عهد الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما الذي شهد تراجعاً ملحوظاً في نفوذ واشنطن الخارجي)، حتى عاد يانوكوفيتش حليف بوتين الى حكم أوكرانيا وانتقم من السياسيين الموالين للغرب ولفق لهم التهم وزج رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو في السجن.
لكن كل ما بناه بوتين في السياسة الأوكرانية انهار مجدداً في مشهد مفاجئ أخذ الكرملين على حين غرة. ففي تصريح للرئيس الروسي قبل استقالة الحكومة الأوكرانية وفرار الرئيس الأوكراني، اعتبر بوتين الثوار الأوكرانيين مرتهنين للخارج وأن ما يقومون به في شوارع كييف لا يعدو مجرد تحضير لمعركة الانتخابات الرئاسية العام المقبل. لكن مجريات الأحداث في الأيام الأخيرة بينت أن حسابات بوتين وتوقعاته كانت خاطئة، فقد انقلبت الموازين في زمن قياسي وأصبح يانوكوقيتش مطارداً من قبل القضاء وخرجت تيموشينكو من سجنها. ويبقى السؤال الأهم: كيف سيرد بوتين؟
بالنظر الى أداء الرئيس الروسي في السياسة الخارجية، هناك جوابان محتملان على هذا السؤال: أولاً أن يمارس سياسة القوة والبطش بيد من حديد متبعاً سياسة مماثلة لسياسته التي اتبعها في سوريا. هذا السيناريو يعتمد بالدرجة الاولى على مدى نفوذ موسكو لدى قادة الجيش الأوكراني، وعلى مدى استعداد يانوكوفيتش أو بديل له (قد يظهر فجأة في أي لحظة) للعب دور ديكتاتوري دموي كبشار الأسد.
الجواب الثاني وهو الأكثر ترجيحاً: أن يسلك بوتين نهجاً مشابهاً للفترة ما بين 2006 و2010، فيقوم باستخدام الضغوط الاقتصادية وإقلاق راحة اي حكومة موالية للغرب قد تبصر النور في اوكرانيا الى حين اعادة ادارة موالية له الى السلطة مجددا. الا أن التحدي الذي سيواجهه بوتين اذا سلك هذا النهج هو انه سيثير حفيظة مناطق شرق اوكرانيا الموالية له. فالاوكرانيون هناك سيشعرون بضعف حليفهم التاريخي ولن يكون بوسعهم الانتظار خمس سنوات يتفرجون خلالها على غرب البلاد يزدهر وينتعش بعلاقات اقتصادية مع الغرب. وفي سبيل إرضاء هؤلاء قد يجد الرئيس الروسي في تقسيم أوكرانيا الى دولتين شرقية وغربية مخرجاً يحافظ فيه نسبياً على حجم عضلاته.
إن الظهور بمشهد الضعيف هو آخر ما يمكن أن يقبل به بوتين ولا سيما في هذه الفترة التي يعتقد فيها حقيقة انه الرجل الأقوى في العالم. ولا يناسبه بتاتاً التراجع في المشهد السياسي الأوكراني المتاخم لحدوده في الوقت الذي يسعى لترسيخ نفسه عالمياً على أنه الزعيم المحافظ على الاديان والتقاليد، ولهذا الغرض قام باتخاذ خطوات صارمة ضد المثليين جنسياً في روسيا وجميع البلدان الحليفة لها. وما يهم بوتين في تجسيد الهالة العالمية التي صنعها لنفسه بانه القائد الممانع للثقافة الغربية العلمانية التي لا تعير التفاتاً الى الكنيسة والموروثات الاجتماعية، هو خلق منظومة عالمية تأتمر برؤياه وسياساته.
وجاءت الالعاب الاولمبية الشتوية في سوتشي الاكثر كلفة في تاريخ الاولمبياد (زهاء 30 مليار دولار أميركي) لتؤكد هذه النظرية، حيث وجه بوتين للغرب رسالة واضحة مفادها أن بإمكان روسيا الانفتاح على العالم بالطريقة التي تناسبها هي والتي لا تنظر الى العالم من المنظار نفسه الذي ينظر به الغرب.اللافت في سوتشي كان تسليط الأضواء على رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفيديف بشكل متساو مع بوتين، بما يشير الى أن الرئيسين يتجهان لمواصلة تبادل المناصب بينهما على الاقل لولاية أخرى. والانظمة التي تعتمد على عدد محدود من الاشخاص لا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة لا يمكن أن تعيش بسلام مع ديموقراطيات تنمو على حدودها. لذا فإن بروز أوكرانيا كقوة ديموقراطية حقيقية في محيط روسيا ينغص حاضر بوتين ومستقبله لأنه سيشكل تهديداً مباشراً لحكمه، ففي يوم من الأيام قد ينظر الشعب الروسي الى النقلة النوعية التي أحرزتها أوكرانيا اجتماعياً واقتصادياً عندما اعتنقت الديموقراطية الغربية بحذافيرها ويقرر أن الاوان قد حان للتخلص من هذا الطاغية الذي ينومنا مغناطيسياً بموسيقى قومية روسيا العظمى وتراتيل الكنيسة الاورثوذكسية.
إن ظهور أي سياسي قوي مؤيد للديموقراطية والحريات في مستقبل أوكرانيا القريب سيضع بوتين في موقف مشابه لتعامل بشار الأسد مع لبنان عند سطوع نجم الرئيس الشهيد رفيق الحريري على الساحة العالمية وازدهار الاقتصاد اللبناني والحياة الديموقراطية في لبنان الى حد أثار سخط الديكتاتور السوري واقلق راحة نظامه الاستبدادي. فهل تشهد أوكرانيا ازدهاراً لفترة وجيزة يعقبها مسلسل اغتيالات سياسية وزعزعة لاستقرارها يهندسه ويشرف عليه المقيم في الكرملين؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.