8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نشوة سوتشي شارفت نهايتها

يسدل الستار غدا الاحد على مهرجان الالعاب الاولمبية الشتوية في مدينة سوتشي الروسية، وينتهي العرس الذي صرف عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مليارات الدولارات لإبهار العالم بقدرات دولته العظمى. نقاهة الزعيم المضياف لم تمر دون مصاعب، فالأزمة الاوكرانية الآخذة في التدهور كانت كفيلة غالبا بطرد النوم الذي لم يكن هناك سبيل لإعادته سوى برامج الالعاب التي شغلت الرئيس يوميا طوال الاولمبياد الشتوي حيث كان يتنقل من مدرج رياضي الى آخر مستمتعا قدر الامكان باللحظة التي يعيشها.
ولكن مع بزوغ شمس الاثنين المقبل سيجد بوتين نفسه على موعد مع كابوسه الذي تهرب منه في سوتشي. انه كابوس كييف الذي تجسد على ارض الواقع حقيقة سوداء بعدما سالت دماء المواطنين الاوكرانيين ولقي العشرات منهم حتفهم بنيران قوى الامن المؤتمرة بربيبه فيكتور يانوكوفيتش. وتمهيدا للخروج من سكرة سوتشي الى فكرة كييف، اجتمع الرئيس الروسي امس بمجلس امنه القومي. فكيف لا تنغص اوكرانيا على بوتين هناءه في سوتشي وهي التي ناصفت مع روسيا عقودا نواة الاتحاد السوفياتي؟. انها الوجه الحضاري لشبه القارة الشمالية وهي الامتداد الجغرافي الذي يصل الروس بمحيطهم الاوروبي.
لقد جهد بوتين كثيرا في السنوات الاخيرة حتى نجح في استعادة اوكرانيا من الاوروبيين. فكييف دارت سنوات قليلة في فلك بروكسل اثر نجاح فيكتور يوتشنكو ويوليا تميوتشنكو في الوصول الى السلطة عقب الثورة البرتقالية العام 2006 التي رفضت التزوير في نتائج الانتخابات الذي قال بفوز صديق موسكو فيكتور يانوكوفيتش بالرئاسة حينها. وبعد اخذ ورد، حكم الموالون للاتحاد الاوروبي البلاد مدة اربع سنوات قبع خلالها يانوكوفيتش الموالي لروسيا على مضض في منصب رئاسة حكومة وحدة وطنية الى حين تم تلفيق التهم لتيموتشنكو وزجها في السجن، فعاد حليف بوتين الى رئاسة اوكرانيا منذ العام 2010 حتى اليوم ثمرة ضغط اقتصادي من روسيا استمر مدة ثلاثة اعوام بين 2006 و2009عاقبت موسكو خلالها كييف الدائرة في الفلك الاوروبي بقطع امدادات الغاز عنها الى حين تسديدها جميع الديون المتوجبة عليها. الضغط الروسي طبعا كان لغايات سياسية بحتة خلاصتها في النهاية فرض يانوكوفيتش رئيسا للبلاد، وهكذا وصل الاخير الى الحكم في الانتخابات الرئاسية العام 2010 بعد حصوله على نحو 48 في المئة من اجمالي الاصوات.
اوكرانيا اليوم استيقظت مجددا قبل فوات الاوان، استيقظت على تدابير اتخذها يانوكوفيتش رهن فيها كييف تماما لموسكو واخضعها لها. غالبية الاوكرانيين يرفضون سياسة التبعية تلك لأنهم يدركون خطر مطامع الرئيس الروسي التي قد تودي بحياة الديموقراطية والحريات في اوكرانيا على مدى عقود مقبلة. ولكن هل يخون الحظ الشعب الاوكراني في توقيت محنته؟ انه يثور في زمن يعيش فيه الاتحاد الاوروبي حالة انعدام وزن ناتجة عن سياسة خارجية واهنة لحليفه الراقد وراء الاطلسي الولايات المتحدة الاميركية. وبوتين قام بتجارب عدة في الازمة السورية تخوله معرفة اي اسلوب هو الانسب له للتعامل مع الازمة الاوكرانية التي هي حتما بالنسبة اليه على قدر اكبر من الاهمية بسبب حصولها في الحديقة الخلفية لمنزله. ولم تتأخر ادارة يانوكوفيتش كثيرا كي تعلن انها في صدد تنفيذ عملية امنية لمواجهة الارهاب، مستخدمة العبارات نفسها التي ينطق بها ويكررها على مدار الساعة نظام الأسد، حتى اصبح يخيل للرأي العام العالمي ان كل من يعارض بوتين واصدقاءه في الديكتاتورية يصح ان يطلق عليه نعت الارهابي. وفي مقابل التصدي لحراك الشعوب بقبضة حديدية من القمع والقتل الذي اصبحت تمارسه تلك الانظمة دون حسيب او رقيب، تكتفي بروكسل وواشنطن بخطاب التنديد وممارسة العقوبات الشكلية من تجميد اموال وحظر سفر وما شابه من السياسات التي لا تسمن الشعوب الثائرة على جلاديها ولا تغنيها عن جوع.
ان جل ما فعله الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي يقود ما يسمى العالم الحر هو انه صعد خطابه في وجه بوتين متهما اياه مؤخرا خلال خطاب القاه في قمة للدول الاميركية في مكسيكو بأنه (بوتين) يهمل الحقوق التي يطالب بها الشعبان الاوكراني والسوري ويتعامل مع الواقعين في سوريا واوكرانيا بشكل منحاز للنظامين الحاكمين فيهما. ولكن اما آن لأوباما ان يدرك ان اناقة الخطاب وسياسة اليد الممدودة لا مكان لها في شريعة الغاب التي يؤمن بها الطغاة؟ الجواب لن يتأخر في دق باب البيت الابيض، حيث ان الوجه الحقيقي لبوتين سيتجلى اكثر من ذي قبل خلال الاسابيع والاشهر المقبلة من خلال اسلوبه في التعاطي مع كييف. يانوكوفيتش اعلن امس قبوله بتشكيل حكومة وحدة وطنية مع المعارضة الاوكرانية، لكن الى اي مدى هذا الامر سيحصل فعلا على ارض الواقع؟. وهل سيتنازل بوتين عن درجة الهيمنة التي يملكها الآن على اوكرانيا ويتيح للغرب الفرصة للعودة الى مسرح السياسة فيها في وقت يشعر انه الرجل الاقوى في العالم؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00