لعل النسيان الذي يعتبره كثيرون نعمة قد ينقلب في بعض الأحيان ليصبح نقمة. فشرائح واسعة من الشعوب الأوروبية تشعر هذه الايام وكأن مآسي الحربين العالميتين الاولى والثانية اللتين أزهقتا ارواح الملايين في القارة البيضاء خلال النصف الاول من القرن المنصرم، أصبحت مجرد ماض بعيد، وبالتالي فإن اي درس استخلص منها قد طواه النسيان. التيارات القومية المتطرفة عادت لاستقطاب المزيد من الانصار في شتى البلدان الاوروبية والجامع بين هذه الاحزاب هو كرهها للمنظمة المسماة الاتحاد الاوروبي التي يرون فيها العنكبوت السام الذي يمتص مقدرات بلدانهم ليضعها في جيوب التجار الكبار العابرين لحدود الدول.
جهل الطبقة غير المثقفة من جهة وسذاجة الطبقة السياسية من جهة ثانية قد يؤديان في المستقبل القريب الى انفجار براكين الحروب الاهلية النائمة وحدوث زلازل سياسية كبرى على شكل انقلابات غير مرسومة تطيح ارتدادتها بهيكل الاتحاد الاوروبي الهش الذي يديره طاقمه بطريقة ساذجة لا توزان بين الوحدة الثقافية لمكوناته والوحدة الاقتصادية والمالية. فجل ما يهم القيمين على الاتحاد منذ بروزه على الساحة الدولية وخاصة في السنوات العشر الاخيرة هو الترويج للحدود المفتوحة والتبادل التجاري الحر وتوحيد العملات والاسواق، ولم يتردد هؤلاء في سبيل تسريع وتيرة اجندتهم المالية والاقتصادية الى الاتيان بطبقة سياسية من الزعماء في شتى البلدان الاوروبية القواسم المشترك بينها هو ولاؤها لأوروبا المتحدة وافتقادها أي رؤيا طويلة الامد من شأنها وضع استراتيجية حلول تقلص الفارق الثقافي الهائل بين بلد اوروبي وآخر وتقرب الشعوب بعضها من بعض.
الواقع الذي لا يفقهه هؤلاء الزعماء هو ان الترويج لحياة الرفاهية من خلال الاعلانات التجارية التي تدخل منازل الناس على مدار الساعة يحد من اي احساس بالقناعة والرضا لدى هذا الشعب بما يمتلكه فيدفعه الى المطالبة بزيادة للاجور وتقليص الضرائب وايجاد المزيد من فرص العمل وتأمين التمويل المجاني لاولاده. وبالتالي، فإن هذه الرغبة التي يولدها التجار لدى الزبائن بعدم الاكتفاء والحاجة الى اقتناء آخر المنتجات وأحدثها هي في صلبها تحضير مشاريع ثورات وفوضى لن تكون عاجزة، بعد فترة زمنية ما، عن تدمير الحضارة التي ينعم بها الانسان اليوم. وما يزعج هؤلاء الجهلة الغاضبين بشكل اكبر هو مصادفتهم في شوارع مدنهم بشكل يومي لأجانب (آسيويين وعرب وأفارقة وأوروبيين من دول أخرى) من ذوي الثراء الفاحش يمتلكون كل ما هم أنفسهم يحلمون باقتنائه. فتكون ردة الفعل هي الاشارة باصبع الاتهام الى المهاجرين كسبب اول للبؤس الذي يشعر به مواطن هذه الدولة الاوروبية او تلك. فيذهب هذا الشخص الذي لم يشرح له سياسيوه الوجه الثقافي للعولمة ويشاطر أحاسيسه المفعمة بالكراهية تجاه الغرباء الى شخص آخر تنتابه هواجس مشابهة فيقرر هؤلاء توحيد صفوفهم مع كل من يرى الامور حوله من نفس المنظار. وهكذا عادت شعبية الاحزاب القومية المتطرفة لتزداد.
ففي بريطانيا على سبيل المثال الحزب الذي تتضاعف شعبيته اليوم بشكل غير مسبوق هو حزب استقلال المملكة المتحدة (يو كي اي بي) الذي يطالب بالانفصال عن الاتحاد الاوروبي. وفي فرنسا يستمر تقلص نفوذ أحزاب اليمين الوسط امام تسونامي التيارات المتطرفة وفي مقدمها حزب الجبهة الوطنية. وفي ايطاليا اخترقت احزاب فوضوية تشكلت جديداً الحياة البرلمانية للمرة الاولى منذ سقوط موسوليني وانتهاء الحرب العالمية الثانية. اما في المانيا فتكاد احزاب اليمين الوسط تتحد مع اليسار المعتدل لدرء خطر المد الذي بدأ يشكله النازيون الجدد على شكل تيارات مقنعة بمسميات أخرى. هذا دون الاتيان على ذكر الاحزاب القومية المتطرفة التي ولدت من رحم الازمات الاقتصادية والبطالة غير مسبوقة في دول جنوب اوروبا كاليونان واسبانيا.
ولعدم طمر الرؤس في الرمال كالنعام، يجب ان يفتح القيمون على الاتحاد الاوروبي عيونهم على التظاهرات الشعبية التي تسير في العواصم والمدن الكبرى. فما التظاهرة الضخمة التي سارت في باريس نهاية الاسبوع المنصرم وشارك فيها اكثر من مئة الف شخص وتخللتها اشكال والوان من الهتافات العنصرية والنازية والقومية المتطرفة سوى عينة من المستقبل القريب الذي ينتظر اوروبا في ظل طبقة سياسية تضع قوانين جديدة حيز التنفيذ من دون أن تشرحها لشعوبها ومن دون ان تبين اسباب اتخاذها وما هي ايجابياتها. وعلى الرغم من ان القارة الاوروبية تعتبر قارة تدين بالعقيدة المسيحية، الا ان الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والانغليكانية لم تلعب حتى الآن اي دور بنّاء يذكر في سبيل إحداث ثورة اصلاحية دينية تتماشى مع التغيرات الاجتماعية السريعة.
وفي ظل غياب أي هوية دينية لغوية ثقافية جامعة لا يمكن لاتحاد مبني على التجارة والمال فقط ان يصمد في وجه متطلبات الانسان الاوروبي الذي تختلف حياته اليومية بشكل كبير بين بلد وآخر. وعلى كوادر الاتحاد الاوروبي الاستيقاظ من غفلتهم والتصدي لجميع هذه المعضلات قبل فوات الاوان وقبل أن تصبح المجازر التي ارتكبها متطرف أخرق كالنروجي اندراس برايفيك جزءاً من الحياة اليومية في اوروبا المستقبل التي قد تعيش فوضى اجتماعية يسقط فيها أعداد هائلة من الضحايا الابرياء لم تعرف القارة البيضاء مثيلاً لها منذ أفول نجم النازية التي ولدت مع انتهاء العقد الثاني من القرن الفائت.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.