شهدت الولايات المتحدة الاميركية خلال العام 2013 بعدا جديدا في الانقسام السياسي الداخلي الحاد بين ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما ومعارضيها من الحزب الجمهوري، ما انعكس سلبا على اداء البلاد كدولة عظمى في العالم. ففي الشؤون الداخلية شل الخصام السياسي بين الفريقين اي مشروع كبير، حيث كانت تتم عملية اجهاض او تجميد المشاريع بمجرد طرحها امام الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون. وفي السياسة الخارجية ادت سياسة التلكؤ والتردد التي انتهجتها الخارجية الاميركية تحت اشراف جون كيري الى الوصول الى نقطة غير اعتيادية من الضعف، وهذا ما حمل حلفاء واشنطن حول العالم الى التذمر والتشكيك بمدى قدرتهم على الاعتماد على حليفهم هذا في تنظيم امورهم العامة ولا سيما الامنية منها.
داخلياً
تمكن اوباما بعيد انطلاق ولايته الثانية بشكل رسمي في كانون الثاني من تمرير مشروع لاراحة مسدد الضرائب الاميركي يهدف الى وضع حد للانكماش الحاصل في اقتصاد البلاد وكان هذا المشروع ربما الوحيد الذي تمكن الرئيس من تمريره في الكونغرس طوال العام. ثم قام اوباما بتغييرات رئيسية في حكومته مستبدلا هيلاري كلينتون بجون كيري في وزارة الخارجية وليون بانيتا بتشاك هيغل في وزارة الدفاع ووعد بتعاف اقتصادي وبانهاء 10 سنوات من الحرب التي بدأها سلفه جورج بوش الابن.
وفي الربيع عاد الارهاب ليضرب مجددا وسط الساحل الشرقي، وكانت مدينة بوسطن هذه المرة مسرحا لانفجار عبوتين ناسفتين وضعتا قرب خط نهاية ماراثون المدينة وتسببتا بمقتل 3 اشخاص وجرح 170 آخرين. المنفذان من احدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق والقت الشرطة القبض على احدهما دزوخار تسارناييف فيما لقي شقيقه تامرلان حتفه خلال المطاردة.
وفي ايار ادت الخلافات الداخلية بين الليبراللين من جهة والمحافظين من جهة اخرى الى استقالة رئيس وكالة الضرائب ستيف ميللر من منصبه. واثر تفجر فضيحة التنصت والتجسس التي تديرها وكالات الاستخبارات الاميركية حول العالم بعد انشقاق احد عملاء وكالة الامن القومي ادوارد سنودن، حاول رؤساء تلك الوكالات شرح الوسائل المتبعة وتبريرها للاميركيين ولاصدقائهم حول العالم، واكد رئيس وكالة الامن القومي كيث الكسندر للكونغرس ان الاساليب المستخدمة التي فضحها سنودن مكنت قوى الامن الاميركية من احباط 50 هجوماً ارهابيا منذ 11 ايلول 2001.
وفي تشرين الاول وبعد جهد جهيد واقفال للكونغرس دام 16 يوما تمكن الحزبان الديموقراطي والجمهوري من الاتفاق على تمرير قرار مؤقت لموازنة العام 2014 وسيكون بت هذه الموازنة بشكل رسمي اول تحد داخلي لاوباما في كانون الثاني وشباط المقبلين. وكما في الاعوام الاخيرة لم يكن العام 2013 بخيلا بحوادث مؤسفة من اطلاق للنيران في الاماكن العامة ولا سيما المدارس لتمر سنة اخرى والولايات المتحدة الاميركية تعاني من مشكلة ضبط انتشار الاسلحة بين عامة الشعب وقوانين حظر اقتناء السلاح التي تختلف بين ولاية واخرى.
ولم تنته سنة 2013 الا وسط انتشار صور للسيدة الاميركية الاولى ميشيل اوباما وهي في اوج غضبها من تصرفات زوجها خلال مراسم وداع زعيم جنوب افريقيا نيسلون مانديلا بسبب لهوه ومزاحه مع رئيسة وزراء الدنمارك هيله ثورنينغ- شميدت، وسرت انباء في الايام الاخيرة من العام بأن الزوجين لا يتشاطران السرير نفسه في البيت الابيض وانهما سيتطلقان بمجرد مغادرة باراك الكرسي الرئاسي.
خارجياً
بعدما تذرع الرئيس الاميركي باراك اوباما طوال العام 2012 بأنه يتفرغ لمرحلة الانتخابات وامل حلفاؤه ان يقوم بتطوير سياسته الخارجية بعد انتخابه لولاية ثانية بشكل يتماشى وحجم الملفات المصيرية ولا سيما في الشرق الاوسط، بدأت تلك الآمال تتلاشى مع كل شهر مر في العام 2013 الى ان اصبح الحلفاء والشركاء على قناعة بأنهم يرون بلاد العم سام في اضعف صورة لها على مدى اكثر من قرن من الزمن. وشهدت السنة اهتزاز سمعة الاستخبارات الاميركية بشكل غير مسبوق بعد انشقاق احد عملاء وكالة الامن القومي ادوارد سنودن وفراره الى روسيا حيث قام على مدى اشهر بفضح عمليات التجسس والتنصت الواسعة التي تديرها واشنطن على حلفائها كما على اعدائها حول العالم عبر مراقبة المكالمات الهاتفية وشتى مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل البريد الالكتروني على شبكة الانترنت. ولم ينج احد من آذان الاخ الاكبر حتى قادة اسرائيل والمستشارة الالمانية انغيلا ميركل كانوا في دائرة الاستهداف.
وبدت واشنطن للمرة الاولى في تاريخها كمدينة ملاه لأطفال وليست معقلا لسياسيين محنكين يخططون ويعدون وينفذون. فلا احد يمكن ان ينسى تعابير وجهي نائب الرئيس الاميركي جو بايدن او وزير الخارجية جون كيري وهما يطلقان اعلاني حرب ضد نظام بشار الأسد في سوريا عقب الهجوم الكيميائي على غوطة دمشق، وبعد ايام قليلة اصبح الموضوع برمته في خبر كان وكأن الشعب السوري او الرئيس الفرنسي لا اهمية لهم. وفي الحقيقة لم يعد احد يصدق او يثق بالبيت الابيض حتى اسرائيل نفسها لم تستسغ الخطوة خاصة وان اتفاقا غير مكتمل تلاها مع ايران بشأن برنامجها النووي ما اطلق صفارات الانذار في تل ابيب ان هناك سياسة غير معهودة في واشنطن تكرس نفسها على ارض الواقع.
ولم تطمئن تحركات العملاق الاميركي حلفاءه في الشرق الاقصى وعلى رأسها اليابان وكوريا الجنوبية اللتين وجدتا امنيهما عرضة لتهديدات تصعيدية غيرمسبوقة من الصين وكوريا الشمالية على التوالي. ولم يسعف عرض العضلات التي قامت به القوات الاميركية في بحر الصين في وقف الاستفزازات الصينية في جزر سنكاكو ولا ادت الى ردع الديكتاتور الشاب في بيونغ يانغ عن تهديد سيول ولم يكد العام ينتهي حتى وجدت كوريا الجنوبية نفسها تستقبل رسالة تهديدية جديدة من جارتها الشمالية بطريقة ساخرة لكونها ارسلت عبر الفاكس في القرن الحادي والعشرين.
الدول العربية وفي مقدمها المملكة العربية السعودية وجدت نفسها مضطرة هذا العام للتلويح بتخفيف امتياز العلاقات التي تربط بين الرياض وواشنطن على خلفية السياسة الاميركية المخيبة التي لا تراعي مصالح الخليج العربي وامنه سواء اكان ذلك في طريقة التعامل مع ايران او التعاطي مع الازمة السورية.
ولا يهم الخطاب الذي القاه اوباما في نهاية العام معددا فيه انجازاته الخارجية حيث اعتبر ان توصله الى اتفاق لتدمير ترسانة الاسد الكيميائية وتجميد برنامج خامنئي النووي انجازين كبيرين يحسبان لادارته، لكن العالم لا يترجم مواقف واشنطن كما يراها الرئيس الاميركي فنظيره الروسي يراه ضعيفا متذبذبا وحليفه الاسرائيلي يجده حالما منفصما عن دنيا الواقع. اما حلفاؤه العرب فيعتبرون الانجازين اللذين عددهما مجرد اخفاقين كبيرين فلا ماكينة الاسد توقفت عن جزر الشعب السوري ولا ايران جمدت نشاطها النووي الى حين ثبوت العكس.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.