بينما تجول الأساطيل البحرية الحربية مياه البحار والمحيطات لإجراء مناورات عسكرية، وتقوم الدول الكبرى بإستعراض عضلاتها في تكنولوجيا الأسلحة وتتصاعد حدة الخطاب السياسي بين الغرب والشرق وتكثر الأقاويل عن حرب محتملة قد تحدث في اي لحظة، يشهد العالم حربا حقيقية تدور رحاها من وراء شاشات الكومبيوتر حيث تعتمد وزارات دفاع الدول الكبرى على مجموعات من الأخصائيين في برمجة الكومبيوتر والقرصنة الالكترونية وسرقة المعلومات.
وبعد سنوات من تركيز اميركي ـ بريطاني على البرنامج النووي الإيراني وقيام الخبراء الالكترونيين في واشنطن ولندن بشن غارات الكترونية على اجهزة الكومبيوتر في المنشآت النووية الإيرانية بهدف تأخير وصول إيران الى سلاحها النووي المنشود، بدأ صانعو الكومبيوتر والانترنت (اي الأميركيون والبريطانيون) يتحولون الى ضحايا لهجمات منسقة، كانت مجهولة المصدر بداية، حتى تمكن اخصائيون من كشف هوية المعتدين، الذين يشنون غاراتهم من مواقع خصصتها الحكومتان الروسية والصينية لهم.ومع مرور الوقت، تألفت جبهتان للحرب الالكترونية، الجبهة الغربية التي تضم الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والجبهة الشرقية التي تضم الصين وروسيا وإيران. وفي الوسط هناك بلدان تملك خزانا بشريا مميزا في كل ما يتعلق بالخبرات الالكترونية وأبرز تلك الدول الهند التي يحاول طرفا النزاع استمالتها الى صفهما.
هذه الحرب بدأت تنقل بصماتها من العالم الافتراضي الى عالم الواقع منذ ان قام الموقع الاكتروني ويكيليكس بسرقة ملايين الرسائل الالكترونية والملفات الديبلوماسية المهمة لواشنطن وحلفائها ونشرها الى الرأي العام ما تسبب بهزة ديبلوماسية كبيرة حول العالم ساهمت ارتداداتها في إشعال الثورات في الدول العربية. ومؤسس الموقع الأسترالي جوليان اسانج كان طفلا مدللا في اروقة الإستخبارات الاميركية (سي اي آي) قبل ان يصبح العدو الأول لواشنطن، وهذا ما يشير الى ان الإختراقات والعملاء المزدوجين موجودون في هذه الحرب الالكترونية منذ بدايتها.
ثم ظهرت مجموعة مجهولة من القراصنة انونيموس لا هيكل محددا لها، فتارة كانت خبطتها تضر بالمصالح الغربية وتارة اخرى تشهر سلاحها في وجه الإدارة الروسية، وهذا ما صعب من مهمة تحديد اي دور حقيقي تلعبه انونيموس في الحرب الدائرة. لكن وان كان هدف المجموعة كما يدعي قراصنتها هو نصرة المظلوم والحريات، إلا ان هذا لم يمنع ايا كان من التلطي تحت غطائها وبالتالي كان من السهل لقراصنة الصين وروسيا شن هجمات ونسبها في شريط فيديو على موقع يوتيوب الى انونيموس.
ولم يكن مستغربا ابدا ان تكون القرصنة الالكترونية الركيزة الاساسية لآخر افلام الجاسوس البريطاني الشهير 007 جايمس بوند، حيث اظهر الفيلم مدى خطورة خبراء الكومبيوتر في تحديد المنتصر في حروب المستقبل. فحتى وان كان سكاي فال مجرد فيلم الا ان السلسلة طالما عرضت الوضع الراهن الذي تعيش في اجوائه الاستخبارات الغربية عموما والبريطانية خصوصا. ولعل ابرز ما في الفيلم العبارة التي تقول فيها ام (جودي دانش) ان الخطر على الامن القومي قد يكون مصدره ليس حكومة اخرى بل مجرد خبير قرصنة يمكنه ان يسرق ما يشاء من معلومات ثم بقوم ببيعها للدولة التي تدفع اكبر مبلغ من المال، او اي ارهابي غاوي شهرة وان كانت على حساب ارواح الناس.
ومع نجاح واشنطن ولندن مرارا في اختراق اجهزة المعلومات في طهران، إلا ان نجاحهم هذا لم يشفع لهم في صد هجمات ازدادت وتيرتها في الأشهر الأخيرة حيث تمكن قراصنة بكين وموسكو من اختراق عدد كبير من ابرز المؤسسات الغربية ابتداء من المصرف المركزي الاميركي وصولا الى مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفايسبوك مرورا بعدد واسع من البنوك ووسائل الإعلام الغربية. ومع استعار الحرب الدائرة في ظل معاناة اقتصادية شديدية يئن تحتها الغرب منذ 2008، كان لا بد للمعسكر الغربي من اعادة النظر في استراتيجيته الدفاعية الالكترونية فالثمن الذي يخسره من سرقة الصينيين والروس لابتاكاراته وافكاره اصبح باهظا جدا ولم يعد يحتمل. ومن هذا المنطلق حذر البيت الابيض اول امس للمرة الأولى بشكل رسمي من الخطر الإكتروني الذي تمثله روسيا والصين على المصالح الاميركية.
ووصفت ادارة باراك اوباما الصين وروسيا باللاعبين العدوانيين في التجسس الالكتروني ووجهت الاتهامات اليهما بسعيهما الدائم الى سرقة الأسرار الصناعية والتكنولوجية الأميركية. وكان التقرير الاخير الذي نشرته الشركة الاميركية المختصة بمكافحة القرصنة مانداينت اشار بالإسم والموقع الى وحدة تابعة للجيش الصيني تدعي الخلية 61398 تعمل على شن هجمات دورية على اكثر من 140 مؤسسة اميركية وكندية وبريطانية.
وبدأت اجهزة الاستخبارات في واشنطن ولندن واوتاوا في مراقبة تحركات مواطنين او اشخاص مقيمين في اراضيهم يشتبه في ضلوعهم بالتعامل مع موسكو وبكين في هذه الحرب الضروس التي ما تزال في بداياتها. كما تعمل العواصم الغربية على وضع استراتيجية دفاعية جديدة تعمل كدرع لصد الإختراقات التي يقوم بها المعسكر الشرقي.
وتنعكس مجريات الحرب الالكترونية بصورة او بأخرى على مجريات الأحداث الميدانية حول العالم. والجديد في هذا السياق كان تأكيد روسيا والصين امس وقوفهما ضد اي محاولة للمس بسيادة كوريا الشمالية التي تجري تجارب نووية تؤرق الغرب وحلفائه الآسيويين ككوريا الجنوبية واليابان. هذا دون اغفال تأكيد موسكو ايضا بأن طهران حليف مناسب لروسيا، وخاصة في الشرق الاوسط. ولا تزال الصين تلعب دورا رئيسيا في تقليص حدة العقوبات الغربية المفروضة على ايران بما يسمح للنظام الإيراني بالتنفس، كما تعطل بكين وموسكو منذ عامين اي محاولة لإنهاء حكم بشار الأسد في سوريا مستغلتين حق النقض (الفيتو) الذي تملكانه في مجلس الامن ووقوف اسرائيل موقفا مساندا للأسد بما ينعكس برودة شديدة في السياسة الاميركية تجاه أزمة دمشق.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.