طالب وزراء خارجية كل من أيرلندا والدنمارك والنمسا وسلوفينيا بتحويل جرائم الحرب التي ترتكب في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية، وأشاروا في رسالة وجهوها عبر وسائل الاعلام، وحصلت المستقبل على نسخة منها، إلى أن تحركهم هذا جاء بسبب فشل الدول الكبرى في التكلم بصوت واحد وبشكل حازم وواضح تجاه المآسي في سوريا.
وكتب وزراء خارجية كل من ايرلندا ايمون غيلمور والدنمارك فيللي سوفندال والنمسا مايكل سبيندليغر وسلوفينيا كارل ارجافتش رسالة مشتركة، جاء فيها:
نحن نتابع منذ أشهر الأحداث الدائرة في سوريا بقلق عميق. نحن ندعم تطلعات الشعب السوري لكي يختار بحرية حكومة جديدة، تمثل بشكل عادل جميع اطياف المجتمع السوري ومكوناته، وتحترم حقوق الانسان وحكم القانون والديموقراطية. من المؤسف ان النظام الحالي في سوريا لم يستجب للدعوات المكررة التي وجهت اليه من اجل حصول عملية انتقال سلمية للسلطة. وبرأي مشابه لزملائنا في الجامعة العربية، نحن ندين بشدة العنف الممارس من قبل نظام الأسد ضد الشعب السوري، وندعو جميع الاطراف الى انهاء العنف ودعم الجهود التي تقوم بها الأمم المتحدة من اجل التوصل الى حل سياسي.
لكن التطورات الاخيرة خلقت اسبابا للشعور بقلق اكبر. فعناصر من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة اصيبوا بجروح خطيرة جراء هجوم شن على قافلة لهم في هضبة الجولان. وهناك تقارير تشير الى تحضيرات لاستخدام السلاح الكيميائي في الصراع. ونظام الأسد يحضر دمشق لتصبح مشهدا لمواجهات عنيفة مع الثوار ونحن نعلم ان قتالا من هذا النوع في المناطق الآهلة بالسكان يخلف خسائر فظيعة في الأرواح ويشكل خطرا كبيرا على المدنيين. نظرا لقلقنا من بلوغ الصراع في سوريا مرحلة جديدة اكثر عنفا، نحن نطالب جميع اطراف الصراع باحترام القوانين الدولية ولا سيما القوانين الانسانية وحقوق الانسان، ونذكرهم بأن كل من يرتكب جرائم حرب وكل من يصدر الأوامر بارتكابها سيحاسب على افعاله. هذا المبدأ لا يمكن ولن تتم المساومة عليه.
ونحن نعرف من التقارير الصادرة عن لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة ان جرائم بشعة ومروعة ارتكبت خلال النزاع في سوريا ولم يحاسب اي من مرتكبيها حتى الآن. ان احداثا كهذه هي بالضبط السبب الرئيسي الذي انشأت من اجله المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (اي سي سي) قبل عشر سنوات. هذا الكيان القضائي المستقل بإمكانه توفير العدالة عندما تكون احدى الدول غير قادرة او غير راغبة في ملاحقة افظع الجرائم والاقتصاص من مرتكبيها. وبما ان سوريا ليست طرفا في النظام الاساسي لهذه المحكمة فإن الإحالة القضائية لما يحصل في تلك البلاد الى المحكمة الجنائية الدولية يتطلب قرارا صادرا عن مجلس الامن الدولي التابع للأمم المتحدة. ونظرا للمخاوف الكبيرة التي ذكرناها اعلاه وعدم حصول اي محاسبة قضائية في سوريا، نطالب مجلس الامن الدولي بإحالة الوضع في سوريا سريعا وبشكل طارئ الى المحكمة الجنائية الدولية. وفي هذا الصدد، نرحب بالبيانات الصادرة عن مجلس خارجية الاتحاد الاوروبي في 10 كانون الاول 2012 وايضا بالمبادرة السويسرية في الامم المتحدة من اجل تحقيق هذا الهدف.
ان هذه الاحالة الى المحكمة الجنائية الدولية، التي طالما اوصت بها المفوضة السامية لحقوق الانسان في الامم المتحدة نافي بيلاي، لها العديد من المزايا. فالمحكمة مؤسسة محايدة غير متحيزة تقوم بالتحقيقات وتحاكم اخطر الجرائم المرتكبة من قبل جميع الاطراف. من شأن هذه الإحالة، ان تمت، ان تمنح قادة المعارضة السورية حجة قوية امام مكونات قواتها المسلحة ميدانيا كي ينضبطوا بشكل اكبر. كما انها ستدفع بالمقاتلين الموالين لنظام الاسد الى اعادة النظر في ولائهم هذا. وبإمكانها ايضا ان تساعد في البحث عن حل سياسي للصراع. وهذا ما رأيناه في صراعات سابقة ان عمليات الحلول السياسية والقضائية تدعم بعضها بعضا وتؤدي الى المخارج. لا قرار يمكن اتخاذه هنا ويفصل بين اما السلام واما العدالة، فالحل الطويل الأمد يتطلب الاثنين معا.
والاهم من كل ذلك، ان احالة الملف الى المحكمة الجنائية الدولية سيؤكد لكل مقاتل في سوريا، لأي طرف انتمى، ان الجرائم الفظيعة سيحاسب عليها. ونحن مدينون بالقيام بهذه الخطوة ليس فقط للضحايا وعائلاتهم بل ايضا للأجيال القادمة من السوريين الذين يريدون العيش في دولة حرة مؤسسة على مبادئ السلام والعدالة. كما اننا مدينون بذلك امام مستقبل البشرية: فبعد آلاف السنين من التاريخ الشنيع احيانا، لم يعد مقبولا ان ترضى الحضارة الانسانية بمنهج الإفلات من العقاب وخصوصا على اشد الجرائم بشاعة. فقط اذا اوضحنا بشكل جازم ان هذه الجرائم لن تمر دون عقاب، يمكننا حماية البشرية من جرائم مشابهة في المستقبل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.