تميز الموقف البريطاني عن غيره من المواقف العالمية عموماً والغربية خصوصاً بشأن الثورة السورية منذ اندلاعها، فعلى مدى أكثر من عام كان وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ في معظم تصريحاته الرسمية لا يستبعد أي خيار عن الطاولة بما في ذلك التدخل العسكري.
وترى بريطانيا أنه لم يعد مقبولاً حصول مجازر يومية بهذا الشكل المقزز في سوريا خاصة وأن الشعب يذبح على أيدي حكامه. من هذا المنطلق وقفت لندن منذ بداية الأزمة موقفاً متشدداً ضد بشار الأسد ونظامه، ولكن حليفها على الضفة الأخرى من الأطلسي والذي كان يوماًً ما ربيبها لم يبد أي حماسة لحسم الأزمة الدائرة في سوريا بحجة سياسة القيادة من الخلف التي تنتهجها ادارة اوباما.
وأمل رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون ان يغير الرئيس الاميركي باراك اوباما من اسلوبه بعد حصوله على الولاية الثانية وكانت دمشق إحدى النقاط التي تناولها معه في اتصال التهنئة عقب ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية. ونظراً لرفض واشنطن السابق واصرارها على عدم ارسال قوات عسكرية الى اي جهة في العالم وتطبيق سياسة معاكسة تماماً لسياسة ادارة جورج دبليو بوش، وجدت لندن نفسها وحيدة في الرغبة بدعم الثوار السوريين ميدانياً في حربهم خاصة بعدما تراجعت حدة مواقف باريس مع التغيير من ادارة نيكولا ساركوزي الى ادارة فرنسوا هولاند.
فباريس وواشنطن تلتقيان في التركيز على الجهود الديبلوماسية والسياسية والاعتراف بحكومة انتقالية وفي هذا الاطار سارع الرئيس الفرنسي الى اعلان استعداد بلاده فورا لاعتراف رسمي بحكومة تؤلفها المعارضة السورية. في حين حاكت واشنطن الاجتماعات الدائرة في الدوحة لتوحيد صفوف المعارضة وتابعتها أولاً بأول.
وتعتبر لندن انه في الوقت الذي تسيل فيه دماء السوريين بشكل يومي، لا تكفي الجهود الديبلوماسية وحدها بل يجب تقديم الدعم الميداني للمعارضة السورية بغض النظر عن امكانية صدرور قرار في مجلس الامن الدولي ام لا. فحق الدفاع عن النفس واجب انساني بامتياز، ومن حق الشعب السوري على العالم الحر ان يقف الى جانبه في مخاضه العسير نحو الحرية. هذه هي رؤية الإدارة البريطانية التي لا تزال واشنطن تتعامى عنها، واذا كانت إدارة اوباما 2 ستنتهج السياسة نفسها التي تبنتها في الأعوام الأربعة الماضية، فإن كاميرون سيجد نفسه مجبراً على تقديم اقتراحات آحادية للإسراع في انهاء معاناة الشعب السوري.
وكان كاميرون عبّر الخميس الماضي عن امتعاضه من ردة الفعل الدولية الباردة تجاه حمامات الدم في سوريا قائلاً: لقد بذلنا جهوداً خلال الـ18 شهراً الماضية لكنها لا تكفي. لا يمكن ان يستمر الأسد في السلطة.
من هنا اقترح كاميرون على شركائه الدوليين مؤخراً بحسب ما نقلت صحيفة التلغراف على ديبلوماسيين غربيين اقل ما يمكن فعله هو تزويد الثوار بالأسلحة وتدريب المقاتلين بشكل جيد ليس فقط على الضرب بالنار ولكن أيضاً على استخدام اجهزة الاتصالات المتطورة كي يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم بشكل كاف وحسم المعركة لصالحهم بأسرع وقت ممكن. ومن هذا المنطلق دعا كاميرون الأسد بطريقة غير مباشرة الى القبول بملجأ ما في احدى الدول لأن بقاءه في سوريا ستكون تداعياته وخيمة عليه شخصياً وعلى البلد.
وبعد هذه الدعوة وجد رئيس النظام السوري بشار الأسد نفسه مضطراً الى الرد، فخرج على احدى المحطات التلفزيوينة الروسية رافضاً العرض مؤكداً انه سيعيش ويموت في سوريا. وفي انتظار نتائج الجهود التي تبذل هنا وهناك في هذا الصف او ذاك يبقى هناك اكثر من سؤال يتوقع الإجابة عنهم قبل نهاية العام الجاري، هل رد الأسد جاء من ثقة مغرورة بالنفس ام من ارتباك اليائس؟ وهل ستتبنى ادارة اوباما سياسة جديدة؟ ام انها ستواصل النهج نفسه وربما تعطي على الأقل الضوء الاخضر لحلفائها في تحديد موعد انتهاء نظام الأسد عبر تحرك منظم ما؟
ولا بد من الاشارة الى أن لندن تتابع عن كثب أولاً بأول الأحداث الميدانية داخل سوريا وكانت دربت ناشطين لجمع الأدلة على المجازر وتوثيقها لمحاسبة المرتكبين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وترى الإدارة البريطانية أن الأوان قد حان لحسم الصراع الدائر لأن كل يوم اضافي سيسهم بشكل أكبر في دفع الثوار السوريين نحو التطرف الديني وهو ما لا يرغب أحد في رؤيته يهيمن على سوريا وجيرانها في المنطقة. وكانت الخارجية البريطانية هيّأت ديبلوماسيين للقاء قادة الجيش السوري الحر لكن هؤلاء رفضوا اللقاء الذي كان الهدف منه وضع استراتيجية ما لمساعدة المعارضة السورية في حربها ضد النظام.
الموعد الذي كان الجميع ينتظره وهو انتخابات البيت الأبيض انتهى. ولم يعد أحد قادراً اليوم على إقناع الشعب السوري بأنه ينتظر الإلهام والوحي كي يتدخل لمساعدته في محنته ضد الطاغية وحلفائه. وكان كاميرون وساركوزي نجحا في إقناع أوباما بدعم التدخل الدولي لفرض حظر جوي فوق ليبيا فهل ينجح كاميرون منفرداً هذه المرة في هندسة تحرك دولي ما بدعم تركي وعربي؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.