لم يتمكن أحد المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية من حسم الأمور لصالحه بعد ثلاث مناظرات بينهما ومناظرة واحدة بين زميليهما المرشحين لمنصب نائب الرئيس. ففي حين تعادل مرشحا نائب الرئيس (الديموقراطي جو بايدن والجمهوري بول راين) في مواجهتهما، سحق المرشح الرئاسي الجمهوري ميت رومني منافسه الرئيس الأميركي باراك اوباما في الجولة الأولى ما استدعى جهداً هائلاً من الأخير مكنه من تحقيق فوزين متتاليين في المناظرتين الثانية والثالثة ومعادلة النتيجة تقريباً. وهكذا يكون مسلسل الحوارات المتلفزة انتهى باقتسام المرشحين الكعكة الجماهيرية.
وجاءت أجواء المناظرة الأخيرة المخصصة للسياسة الخارجية ونتائجها مساء الاثنين بديهية إلى حد بعيد حيث تمكن الديموقراطي أوباما من تسجيل نقاط أكثر من منافسه الجمهوري، وذلك عبر أداء هجومي وصل أحياناً الى حد القسوة ارتكز على ثلاثة محاور هي: نجاحه في قتل أسامة بن لادن، انهاء الحرب في العراق والانسحاب منه، نجاح عمليات حلف شمال الأطلسي بقيادة واشنطن في التخلص من معمر القذافي ونظامه في ليبيا.
واستضافت جامعة لين في بوكاراتن (فلوريدا) المناظرة الثالثة والأخيرة بين المرشحين تحت إشراف الإعلامي الأميركي بوب شيفر من شبكة سي بي أس الإخبارية. ودامت المواجهة المتلفزة مدة تسعين دقيقة، تكلم خلالها أوباما بشكل هجومي حاد ضد خصمه وقاطعه عدة مرات.
وبدأت المناظرة بسؤال حول ظروف مقتل السفير الاميركي في بنغازي وجه أولاً إلى رومني، الذي كان فاقد التركيز تماماً في بداية اللقاء، فجاء جوابه بعيداً جداً عن فحوى السؤال عندما تكلم بالعموميات عن الربيع العربي والإسلاميين المتطرفين والخطر النووي الإيراني. في المقابل ركز أوباما جيداً لإعطاء إجابة دقيقة وهذا ما أتاح له الإمساك بزمام الأمور من انطلاق المناظرة حتى نهايتها. ورغم أن رومني نجح هو الآخر في أوقات لاحقة في تسجيل عدد من النقاط، إلا أنها لم تكن كافية لتعديل تقييم الناخبين حول المناظرة نفسها، لكنه بحسب الخبراء مهد الطريق لنفسه للظهور بكاريزما جديدة تصلح لرئيس مقبل للولايات المتحدة. وسيعول المرشح الجمهوري من البناء على الشكل المسالم الذي بدأ فيه، وسيظهر للناخبين خلال الاسبوعين المتبقيين على موعد الانتخابات في السادس من تشرين الثاني المقبل بأنه ليس بوش الابن وأنه لن يبدأ حروباً جديدة، لكنه في الوقت عينه لن يساوم على سمعة الولايات المتحدة الأميركية وموقعها الريادي كقائد للعالم الحر.
وتحاشى رومني طيلة اللقاء الظهور بشكل المحارب، لا سيما أنه يريد جذب أصوات عائلات الجنود الأميركيين الذين بينت استطلاعات الرأي في أوقات سابقة تفضيلهم أوباما لأنه أنهى حرب العراق وتحاشى أي عمليات ميدانية برية في ليبيا. ولهذا السبب وافق رومني بشكل شبه تام خلال المناظرة على سياسة العقوبات التي ينتهجها أوباما ضد إيران حتى وإن دعا الى تشديدها بشكل أكبر ومعاقبة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد على خطابه المعادي لإسرائيل والمحرض على إزالتها من الوجود. كما أجمع المرشحان على وقوف أميركا إلى جانب اسرائيل في أي حرب ضد إيران. ووافق رومني على سياسة أوباما أيضاً في أفغانستان وجدول انسحاب القوات الأميركية من كابول في العام 2014، وتميز عنه في باكستان عندما لفت إلى خطورة تدهور العلاقات معها والتهديد الكبير الذي تمثله ترسانتها النووية في حال انهار النظام في البلاد وسقطت الأسلحة في أيدي الإرهابيين من القاعدة وطالبان.
كما وافق المرشح الجمهوري الرئيس الأميركي على تعامله مع الثورة المصرية ودعوته السريعة حسني مبارك إلى ترك السلطة، ولكنه انتقد أداءه في سوريا معتبراً أن واشنطن لم تطلع بواجبها هناك ولم تلعب دور القائد في العالم لوقف المجازر التي قضت على أكثر من 30 ألف سوري خلال 19 شهراً. ودعا إلى تسليح الثوار السوريين في حين وافق أوباما الرأي على ضرورة حث المعارضين السوريين على توحيد صفوفهم.
وقال رومني إنه لن يرسل جنوداً أميركيين الى هناك أو أن يفرض حظراً جوياً إلا أنه أكد أن اهتمام الأميركيين يجب أن يكون من اهتمام حلفاء لهم مثل السعودية وتركيا وقطر بالملف السوري، وأكد أنه لو كان رئيساً للولايات المتحدة لكان على الأقل زود الثوار جميع الأسلحة التي يحتاجونها لإطاحة الأسد سريعاً. وفي تفاصيل ما قاله المرشح الجمهوري أولاً هناك كارثة إنسانية في سوريا حيث قتل النظام 30 ألفا من شعبه. ثانياً إن هذه فرصتنا لأن سوريا محور رئيسي في ما يجري في الشرق الأوسط. وهي الحليف الوحيد لإيران في العالم العربي. إنها الطريق التي تربط الايرانيين بحزب الله في لبنان الذي يشكل تهديداً لأمن اسرائيل ولهذا فإن إزاحة الأسد من السلطة هي أولوية قصوى لنا. وعلينا أن نساعد في إيصال حكومة جديدة لا تكون معادية لنا. لا نريد التدخل عسكرياً هناك. ولكن بإمكاننا بمساعدة حلفائنا وتحديد المجموعات المناسبة من الثوار وتنظيم صفوف المعارضة في إطار حكومة انتقالية أو مجلس ما وتزويدهم بالأسلحة اللازمة للدفاع عن أنفسهم. الأسد يجب أن يرحل وسيرحل. ولذا ينبغي أن نعمل كي ينظر إلينا مواطنو سوريا المستقبل كبلد صديق وليس كبلد تخلى عنهم. وقال: هذه فرصة مهمة لنا ويجب إن نضطلع بدور القيادة في الأمم المتحدة وليس أن نتكل على جهود موفدين مثل كوفي أنان الذي وضع خطة وقف إطلاق النار لم تنفذ. وليس بأن نرجو من روسيا أن تضغط على الأسد كي يوقف آلة القتل. يجب أن تكون واشنطن في موقع القوة والقيادة. وهناك سبل للوقف بشكل فاعل إلى جانب الشعب السوري غير إرسال قوات عسكرية أميركية إلى ميدان المعركة.
أما أوباما فركز على أن تنسيق واشنطن حول ما يجري في سوريا هو بالدرجة الأولى مع الإدارة الاسرائيلية التي لديها اهتمام كبير بما تؤول إليه الأمور في سوريا، بما معناه أن تل أبيب راضية عن الاستنزاف الحاصل ولا مصلحة لها في سقوط نظام الأسد على الأقل في المدى المنظور. هذا الوضوح من الرئيس الاميركي خطير جداً لأنه مؤشر إلى أنه في حال استمر هو رئيساً فلن يطرأ أي تغيير يذكر على السياسة الدولية السائدة الآن. وفي المحاور التي يعرفها الجميع حول الأزمة السورية وتنتهجها الإدارة الأميركية مع دمشق قال أوباما: لقد نظمنا الأسرة الدولية وقلنا إن على الأسد الرحيل. لقد فرضنا عقوبات على حكومة دمشق وعزلناها. قدمنا مساعدات إنسانية ونسهم في جهود توحيد صفوف المعارضة ونحن حريصون على دعم القوى المعتدلة داخل سوريا. لكن بالطبع السوريون وحدهم هم من يقررون مستقبلهم. ونحن ننسق مع شركائنا في المنطقة بشأن الأزمة. إن ما يحصل في سوريا يحطم القلب وسنفعل كل ما في وسعنا لدعم المعارضة. وفي حال أردنا مساعدة عسكرية ما يجب أن نضمن عدم تقديم أي سلاح للمجموعات المتطرفة التي قد تنقلب ضدنا وضد حلفائنا في أي لحظة. أضاف: أنا على ثقة أن أيام الأسد معدودة لكني أعارض رومني الذي يقول بتزويد الثوار السوريين بالأسلحة الثقيلة.
وشدد رومني على وجوب التعامل بحزم الآكبر مع إيران وروسيا والصين واستعادة هيبة الولايات المتحدة التي فقدتها عبر سياسة اليد الممدودة التي لم تفهم على أنها رغبة صادقة في التعاون بل فهمتها تلك الأنظمة المستبدة على أنها دليل ضعف. فأشار إلى أن أوباما لم يستغل الثورة الخضراء في إيران ولم يدعمها بل اكتفى بالصمت. والآن إيران أصبحت بعد أربع سنوات من إدارة أوباما قاب قوسين أو أدنى من امتلاك سلاح نووي وأصبحت تهدد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة والعالم، كما أنها تمول وتدعم المجموعات الإرهابية مثل حزب الله وحماس.
أما أوباما فاكتفى بالتركيز على النتائج التي بدأت تحققها العقوبات المفروضة على الاقتصاد الايراني، مؤكدا أن استخدام القوة العسكرية ضدها سيكون آخر الحلول وهو ما وافقه عليه رومني. وعاد ليتكلم في الصداقة والشراكة مع كل من موسكو وبكين، مذكراً بأن مصلحة واشنطن مستقبلاً هي في علاقات صداقة أمتن معهما.
وحذر رومني من الفوضى التي نتجت في بلدان الربيع العربي ومن انتشار أفكار متطرفة أصبحت تتحكم بزمام الامور هنا وهناك، منتقدا بشدة اداء ادارة اوباما التي قبل اندلاع الثورات لم تتمكن من رصد الطوفان القادم، وبعد الثورات لم تضع اي استراتيجية واضحة للتصدي للايديولوجيات المتطرفة وذلك لا يتم الا عبر خلق قنوات تربوية وتعليمية وتثقيفية تساعد الاجيال الصاعدة في العالم العربي على بناء مجتمعات مدنية خالية من الافكار التدميرية والارهابية. هذه المجتمعات يمكن ان نسهم في بنائها عبر دعم اقتصادي ورفع مستوى التعليم وحماية حقوق الانسان ونبذ الافكار المتطرفة الاجرامية.
أما اوباما فصال وجال على كل ثورة في كل بلد وكيفية التعامل معها، وتبنى رؤيا تعتمد على خمس نقاط اولا التأكد ان البلدان العربية تساعد اميركا في حربها ضد الارهاب. ثانيا ضمان ان الدول في الشرق الاوسط تشاركنا في حماية مصالح اسرائيل وامنها. ثالثا علينا حماية الاقليات الدينية وحقوق النساء في تلك البلدان كي تتطور مجتمعاتها كما ينبغي. رابعا علينا تطوير القدرات الاقتصادية لتلك البلدان. خامسا لا يمكننا مواصلة عمل اميركا في المنطقة كبلد يبني الاوطان الاخرى لأنه علينا النظر في بناء بلدنا نحن.
وفي انتظار ما ستحمله صناديق الاقتراع في السادس من تشرين الثاني المقبل، ليس هناك افضل من ختام مسلسل المناظرات بالكلمتين الختاميتين لكل من اوباما ورومني، ولكل قارئ الحرية في رؤية وفهم ما يدور في خلد كل منهما.
بالإجمال ما ادى الى فوز اوباما بالمناظرة هو اسلوبه الكلامي ودقة اجاباته، اضافة الى التوافق الذي ابداه منافسه معه حول غالبية القضايا. والنقطتان الرئيسيتان اللتان اكسبتا اوباما آراء المشاهدين كانتا جوابه الاول المحدد بشأن بنغازي، وسخريته من منافسه عندما قدم الاخير ارقاما حول عديد القطع البحرية التابعة للجيش الاميركي وكيف تقلص هذا العدد بشكل ملحوظ بين العامين 1917 و2012 ، فنبهه الرئيس مذكرا اياه بأنه مع تطور التكنولوجيا فإن القوة العسكرية اصبحت تعتمد على النوعية اكثر من الكمية وانه في التاريخ الذي يعود اليه (1917) كان هناك ايضا خيول لدى الجيش الاميركي لم تعد موجودة اليوم، موضحا ان القطع البحرية العسكرية تطورت مع ظهور الغواصات النووية وحاملات الطائرات وغيرها. هذه النقطة تحديدا نجح اوباما في استغلالها الى حد بعيد كي يظهر منافسه بمظهر الجاهل الذي لا يزال يعيش في القرون الوسطى.
في المقابل، كان افضل ما سجله رومني خلال المناظرة وعلق حتما في ذاكرة المشاهدين كان جوابه عن السؤال: من برأيك هو اكبر خطر يتهدد الامن القومي الاميركي؟ فأجاب: ايران نووية. في حين كان جواب اوباما باهتا عندما قال المجموعات الارهابية، وخاصة ان فلوريدا فيها جالية كبيرة من الناخبين اليهود القلقين جديا من البرنامج النووي الإيراني. وحاول المرشحان اللعب على الوتر الذي يهم هؤلاء الناخبين فسلط رومني الضوء على اول جولة لأوباما في الشرق الاوسط كرئيس عندما زار مصر والسعودية وتركيا وتجاهل اسرائيل، فما كان من اوباما الا ان ذكر ان ابرز جولة له كمرشح قبل ان يصبح رئيسا في 2008 كانت الى اسرائيل حيث زار معرض الهولوكوست ليتذكر السبب الذي يدعو الولايات المتحدة الى تعزيز روابط صداقتها مع اسرائيل.
ولعبت الصين والوضع الاقتصادي دورا مهما ايضا في رفع ارقام رومني حيث تكلم بطريقة الواثق جدا من نفسه، مؤكدا انه سيعاقب بكين منذ اليوم الاول له في الحكم بسبب تلاعبها بالعملة والتجارة التي تمارس الصين فيها الغش عبر تقليد المنتجات الاميركية وسرقة تصاميمها من دون حسيب او رقيب، ما يؤثر سلباً على الاقتصاد الاميركي ويخسر ملايين الاميركيين وظائفهم.
واجمع المراقبون على ان المناظرة الاخيرة لم تغير شيئاً يذكر في السباق وعليه فإن الاسبوعين المقبلين سيشهدان معارك ضارية بين الحملتين، لا سيما في ثلاث ولايات قد تحدد الفائز وهي اوهايو وفلوريدا وفرجينيا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.