تمكن الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال المناظرة الثانية في السباق الى البيت الأبيض إلى حد ما من فرملة التقدم الذي أحرزه عليه خصمه المرشح الجمهوري ميت رومني في المناظرة الأولى. وحسن أوباما من أدائه لكنه لم يكن مقنعا كفاية لإحراز إنتصار واضح على خصمه. واكتفى بفوز طفيف لم يظهر جليا إبان المعركة الكلامية، إنما ظهر في استطلاعات الرأي التي اجريت عقب انتهاء المناظرة واعطت فوزا لأوباما في المناظرة بفارق بسيط لم يتجاوز سبع نقاط مئوية عن رومني.
ودخل المتنافسان ليل الثلاثاء قاعة المناظرة في جامعة هوفسترا في هامبستيد (ولاية نيويورك) على وقع تصفيق 80 من الناخبين الذين لم يحسموا بعد نواياهم التصويتية. وبدأ سيل الأسئلة من الجمهور تحت إشراف الإعلامية كاندي كراولي من شبكة سي ان ان ولم يتوقف إلا عند إنقضاء 90 دقيقة جاءت مليئة بالهجمات والهجمات المضادة وقاطع المرشحان احدهما الآخر مرات عديدة ما اضطر كراولي في غالب الأحيان الى إسكاتهما.
وفيما كان مقررا ان تأتي المواضيع المطروحة مازجة بين السياستين الداخلية والخارجية، إلا ان معظم طارحي الأسئلة من الجمهور ركزوا اسئلتهم على الإقتصاد ولم يطرح سوى سؤال واحد في السياسة الخارجية كان عن عملية اغتيال السفير الأميركي في ليبيا. واستهل الطرفان معركتهما بحدة حول الإنتاج النفطي وقطاع الطاقة، وتبادلا الإتهامات طارحا كل منهما وجهة نظره التي يعتبرها الأفضل للنهوض بالاقتصاد الأميركي وخلق فرص العمل للشباب وخفض مستوى البطالة. في هذه النقطة بدا رومني اكثر اقناعا من اوباما لتذكيره بوعود الرئيس الاميركي التي قطعها قبل اربع سنوات ولم يتحقق منها شيء.
وهاجم المرشح الجمهوري خصمه في مطلع المناظرة وختامها مفندا بالأرقام عندما وصل الرئيس اوباما الى البيت الأبيض كان حجم الدين الوطني 10 تريليون دولار، والآن بعد اربع سنوات من حكمه اصبح هذا الدين 16 تريليون دولار. لهذا فإذا انتخبتم الرئيس اربعة اعوام اضافية فمن المتوقع ان يصل هذا الرقم الى اكثر من 20 تريليون دولار. وهذا ما يضعنا على طريق اليونان (في اشارة منه الى الأزمة الخانقة التي انهار فيها اقتصاد اليونان بشكل تام).
من جهته ركز اوباما على الوعود التي قطعها وتمكن من تنفيذها مذكرا بخلق 5 ملايين وظيفة جديدة وانهاء الحرب على العراق والتركيز على الحرب ضد الإرهابيين الذين شنوا هجمات 11 ايلول 2001 وهذا ما حصل عند قتل أسامة بن لادن. فقاطعه رومني على الفور، مشيرا الى ان الخمسة ملايين الوظيفة التي يتكلم عنها الرئيس وحصل عليها اميركيون كانوا عاطلين عن العمل قابلها اكثر من خمسة ملايين آخرين فقدوا وظائفهم. اذا سياسة الرئيس اوباما لم تحرز اي تقدم يذكر في خفض نسبة البطالة. على العكس من ذلك هناك 23 مليون اميركي اليوم عاطلين عن العمل.
وكان السؤال حول عملية اغتيال السفير الاميركي في ليبيا هو نقطة التحول الرئيسية في المناظرة فبدلا من ان يتمكن رومني استغلاله لصالحه ادى تسرعه والطريقة التي جادل فيها الرئيس إلى خسارته المناظرة حيث تعاطف الجمهور بشكل واضح مع أوباما. وما حدث هو ان ناخبا وجه سؤاله اولا إلى اوباما حول عملية ليبيا والمعلومات التي اشارت الى احتمال وقوع اعتداء ورغم ذلك رفضت الادارة الاميركية تعزيز عديد الحراس الأمنيين حول سفارة بنغازي، وكان سؤاله لماذا رفض طلب التعزيز؟ فراوغ الرئيس في اجابته ولم يرد على مضمون السؤال انما اخذ يتكلم عن مشاعره العميقة للضحايا وعائلاتهم والتزامه الكامل بضمان امن الاميركيين الذين يخدمون بلادهم واكد تحمله مسؤولية ما جرى بصوت فيه غصة. وعندما جاء دور رومني للكلام بدلا من ان يتنبه الى ان اوباما لم يرد على السؤال الرئيسي وهو لماذا رغم معرفة الادارة مسبقا بأن الاعتداء وارد لم تعزز امن السفارة، راح يتكلم هو الآخر عن مشاعره تجاه ضحايا الاعتداء ثم ختم جوابه بطريقة ساخرة من الضياع التي بدت فيه ادارة اوباما عقب الحادثة وعدم معرفتها الا بعد اسبوع ان الاعتداء كان مدبرا وليس ضمن ردود فعل غاضبة على الفيلم المسيء للرسول. كما اشار الى ان اوباما لم يهتم كفاية بمعرفة ما جرى حيث شغل نفسه في الايام التالية للإعتداء بزيارات الولايات الاميركية وجمع التبرعات المالية لحملته الرئاسية.
عندها قاطعت كراولي النقاش، ووجهت سؤالا في الاطار نفسه الى اوباما حول رأيه بكلام وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، التي كانت في لقاء متلفز قبل المناظرة اعلنت تحملها المسؤولية كاملة عن حادثة ليبيا رافعة بذلك المسؤولية عن اوباما ونائبه جو بايدن. فأجاب اوباما احترم جدا ما قالته الوزيرة كلينتون التي قامت بعمل ممتاز طوال الولاية في السياسة الخارجية. لكنها ايضا تعمل عندي وفي ادارتي اذا انا اتحمل مسؤولية ما جرى في ليبيا وهو امر لا انكره. ثم انتقل الى الرد على اتهامات رومني، موضحا انا في اليوم التالي وقفت في حديقة البيت الابيض واشرت الى ان ما جرى في ليبيا عمل ارهابي لن يردعنا عن اداء مهامنا في ليبيا والعالم.
هنا قاطعه رومني بطريقة ساخرة رجاء كرر ما قلت بصوت اعلى. هل انت قلت فعلا منذ اليوم التالي انه عمل ارهابي؟. فهز اوباما رأسه مؤكدا ذلك وهو فعلا ما حصل لغويا رغم ان الرئيس يعرف جيدا انه قال عمل ارهابي بالمعنى العام للكلمة. لكن التركيز على جملة في خطابه وطريقة المقاطعة وضعا رومني في موقف حرج امام الجمهور الذي صفق تعاطفا مع اوباما. خطأ رومني جاء في عدم تعبيره بالطريقة المناسبة على الموضوع اولا لأنه امر جدي جدا يتعلق بارواح الاميركيين وثانيا هو اراد تسليط الضوء على تخبط ادارة اوباما في معرفة ماذا جرى بالضبط وخروج المسؤولين يوما بعد يوم بتصريحات متناقضة الى حين التأكيد بعد اسبوع من الحادثة انها كانت اعتداء ارهابيا مدبرا ولا علاقة له بفيلم الرسول. رومني لم ينجح في التعبير عن هذا بالأسلوب الذي جاوب به، وسقط في فخ التركيز على كلمات محددة في خطاب اوباما وهذا ما بينه بمنظر الوقح رغم انه محق في النقطة التي اراد الإضاءة عليها.
رومني رغم ارتكابه هفوات بدا ثابتا طيلة المناطرة، فهو ضرب على الوتر الحساس مرارا عندما هاجم تلاعب الصين بسوق العملات والغش الذي تعتمده في سياستها الاقتصادية وتقليدها المنتجات الاميركية دون حسيب ولا رقيب، ووعد بمعاقبتها ابتداء من اول يوم يتسلم فيه السلطة. وذكر المرشح الجمهوري مرارا بإنجازاته كحاكم لولاية ماساشوستس التي عرفت في عهده افضل نظام تربوي وانجح دورة اقتصادية في البلاد، مؤكدا خبرته الاقتصادية وقدرته على النهوض بالاقتصاد الاميركي واعادة المستثمرين الى الولايات المتحدة عبر خفض الضرائب على الشركات ودعم المؤسسات الصغيرة كي تنمو وتكبر.
أما اوباما فنجح في المراوغة وتهرب من العديد من الأسئلة بطريقة حذقة . حاجة الرئيس الاميركي للعودة الى السباق ومحو المظهر الهزيل الذي بدا فيه خلال المناظرة الأولى، كانت جلية ليل امس الاول في عدد الدقائق التي استغرقها اوباما في اجوبته والتي فاقت الـ44 دقيقة (44:04) في حين لم تبلغ ردود رومني الـ41 دقيقة (40:50). واربع دقائق كاملة في مناظرة كهذه تعني الكثير وتشير بشكل واضح الى المرشح الذي كان بحاجة اكبر الى اقناع الجمهور بقدراته، ونعني في هذه الحالة باراك اوباما.
وعقب اللقاء بين استطلاع رأي اجرته شبكة سي ان ان ان 46 في المئة من الاميركيين اعتبروا اوباما فائزا في المناظرة الثانية مقابل 39 في المئة اعتبروا رومني فائزا و15 في المئة قالوا انها انتهت بالتعادل. السبع نقاط مئوية هذه التي تقدم بها اوباما لا يمكن مقارنتها اطلاقا بالفوز الساحق الذي حققه رومني عليه في المناظرة الأولى بفارق 23 نقطة مئوية (47 مقابل 23 في المئة). وهذا يعني انه بعد مناظرتين لا تزال الأرقام متقاربة جدا بل ولا تزال تميل قليلا لصالح رومني.
ويتوقع المراقبون ان تحسم المناظرة الثالثة والاخيرة يوم الاثنين المقبل في فلوريدا الأفضلية لصالح احد المرشحين. وتتمحور المواجهة الاخيرة حول السياسة الخارجية وصورة الولايات المتحدة في العالم وينتظر ان يركز اوباما خلالها على انهائه حرب العراق وقتل بن لادن وعدم تورطه في حروب جديدة، فيما سيسعى رومني الى تسليط الضوء على ميوعة السياسة الخارجية الحالية وتقهقر الدور الاميركي في الشرق الاوسط واستمرار المجازر في سوريا ومواصلة ايران برنامجها النووي العسكري في وقت لا يزال اوباما يستخدم معها سياسة اليد الممدودة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.