8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الدول الأوروبية تراجع حساباتها النووية

بعدما وقف الإنسان بداية العام الفائت عند بوابة عصر الطاقة النووية وهيأ نفسه للدخول، تكشفت له فجأة خطورة الخطوة التي هو في صدد الإقدام عليها بعدما تلقى صفعة طبيعية ايقظته من احلامه الذهبية، تلك الصفعة تمثلت بزلزال فوكوشيما في اليابان الذي لا يزال اليابانيون وجيرانهم يعيشون كابوس تداعياته المحتملة حتى اليوم. وآخر التحذيرات الواردة عن الخبراء بهذه الطاقة تفيد بأن اي تكرار للزلزال في محيط المنطقة المنكوبة سيؤدي هذه المرة لكارثة حتمية لا احد يعلم حدا اقصى لما يمكن ان تخلفه على حياة الناس. تلك الصفعة دفعت الدول الغربية عموما والاوروبية خصوصا الى تشكيل لجان تدقيق في مدى سلامة وامن المنشآت النووية المنتشرة على اراضي القارة البيضاء والبالغ عددها 143 منشأة، فجاءت نتيجة الدراسة شبه صاعقة على مؤيدي الإعتماد هذا النوع من الطاقة حيث يظهر التقرير (الذي سينشر اليوم بشكل رسمي) ان جميع هذه المفاعلات تقريبا بحاجة لإعادة تأهيل وتطوير وتحسين اصول السلامة المتبعة فيها، كي لا تنجم عنها تسريبات تؤدي إلى كوارث مشابهة لتشرنوبيل او فوكوشيما.
وبحسب مسودة التقرير التي اطلع عليها عدد من كبار الإعلاميين، فإن الدراسة التي اجريت كشفت عن مئات المشاكل التي تعاني منها المنشآت النووية الأوروبية. هذه المشاكل كي يتم اصلاحها جميعها تحتاج الى موازنة مالية قدرها 25 مليار يورو.
وكشفت مسودة التقرير الذي ينشر اليوم رسميا من قبل اللجنة، التي خولت عقب زلزال فوكوشيما دراسة مدى قدرة المنشآت الاوروبية على التعامل مع الكوارث الطبيعية، ان جميع المنشآت الاوروبية النووية وعددها 143 تحتاج الى نسب متفاوتة من الاصلاحات والتطوير كي تصبح قادرة نسبيا على التكيف مع اي كوارث طبيعية قد تحدث مستقبلا.
واشارت اللجنة الى انه ضمن الاتحاد الاوروبي يوجد 47 منشأة نووية تحوي 111 مفاعلا منتشرة في مناطق قريبة من نحو 100 الف من السكان يعيشون في دائرة لا تبعد اكثر من 30 كيلومترا عن هذه المنشآت. اضافت بعد التدقيق في كل المنشآت في القارة الاوروبية رصدنا مئات المشاكل واخطاء السلامة العامة التي يجب احترامها وتطويرها. فرغم انه بعد كارثتي تشرنوبيل وجزيرة ثري مايل، تبنى العالم بأسره قوانين سلامة جديدة خاصة بالمنشآت النووية لعدم تكرار مثل هذه الحوادث، ولكن للأسف هذه الأطر لا تزال غير محترمة او غير مطبقة في عدد من البلدان الأوروبية.
وفي الشق البريطاني من التقرير اوضحت اللجنة ان المنشآت البريطانية ينقصها بناء غرف طوارئ بديلة للمراقبة في حال تعرضت الغرف الرئيسية فيها لتسرب اشعاعي ما. من جهتها اكدت وزارة الطاقة البريطانية ان منشآتها مؤمنة ورغم ذلك فهي ستعمل على تطوير ما تحتاجه مفاعلاتها وستعمل بالنصائح التي تقدمها الدراسة الاوروبية.
أما فرنسا فهي البلد الأكثر اثارة للقلق في التقرير كونها البلد الاكثر انتاجا للطاقة النووية في القارة وهي تعتمد على 58 مفاعلا نوويا في انتاج 80 في المئة من الكهرباء. وقد رصدت الدراسة وجود مشاكل جمة في جميع المفاعلات الفرنسية.
وكانت تسريبات بسيطة تكررت في عدد من المفاعلات الفرنسية خلال العقدين الاخيرين كان آخرها الشهر المنصرم في محطة فسناهيم النووية في منطقة الألزاس وهي محطة كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند وعد خلال برنامج حملته الانتخابية الرئاسية بإغلاقها وإنهاء العمل فيها. وتقع المحطة قرب الحدود الفرنسية مع كل من المانيا وسويسرا وتحدث هزات ارضية خفيفية في محيطها كما ان الباحثين الجغرافيين يتوقعون حصول فيضانات شتوية في محيطها من حين لآخر، ولهذا فقد طالب الأهالي مرارا بإقفالها.
وتواجه الحكومات الأوروبية ما يكفيها من المشاكل الاقتصادية الآن لحماية عملتها الموحدة، لكنها في الوقت عينه تجد نفسها مرغمة على التعامل بجدية مع هذا التقرير النووي، وخاصة بعدما تبين في اليابان انه رغم التسريبات النووية المحدودة التي حصلت في موقع فوكوشيما عقب زلزال 11 آذار 2011، إلا ان الخبراء بعد عام ونيف من العمل في مراقبة هياكل المفاعلات اطلقوا تحذيرا بشأن حوض المفاعل رقم 4 الذي يبدو الأضعف قدرة على تحمل كارثة طبيعية أخرى. ويحتوي هذا الحوض على 1500 قضيب من الوقود النووي هي عرضة للتسرب على نطاق واسع في حال تكرر زلزال في المنطقة عينها لأن الضربة هذه المرة ستكون قادرة على افراغ الحوض تماما من مياهه وبالتالي ارتفاع حرارة المفاعل الى الدرجة القصوى وانبعاث الأشعة منه وخروجها تماما عن السيطرة.
وعملت السلطات اليابانية عبر مشغل طوكيو الكهربائي المركزي على صيانة الهيكل آملة ان يقدر على الصمود في وجه زلزال مشابه للذي حصل العام الفائت، لكن بالطبع لا ضمانات تؤكد قدرته على الصمود. كما يشير الخبراء الى ان تداعيات كارثة العام الفائت جاءت خفيفة الوطأة نسبيا لأن الرياح حملت الاشعاعات شرقا في اتجاه المحيط الفاصل بين شواطىء اليابان الشرقية والشواطئ الغربية للولايات المتحدة، لكن اي كارثة اخرى ترافقها رياح في الاتجاه المعاكس اي غربا، فإن جزر اليابان وسكانها سيكونون عرضة لمأساة حقيقية لا احد يقدر على توقع حجمها.
وبدأت الحكومة اليابانية تدرس جديا طريقا يؤدي بها الى خارج العالم النووي. فالطاقة الذرية التي تؤمن اليوم 30 في المئة من احتياجات اليابان من اجمالي الكهرباء سيتم تقليص الاعتماد عليها رويدا رويدا ضمن خارطة عمل تأمل خلالها طوكيو من التخلص نهائيا من عبء الطاقة النووية وخطرها بحلول العام 2030.

مشكلة النفايات النووية الى تفاقم
ليس ببعيد عن الأراضي اليابانية، بالإتجاه جنوبا الى أعمق نقطة في سطح الكرة الأرضية او ما يعرف بخندق ماريانا لموقعه الى الشرق من جزر الماريانا الشمالية (التابعة لكومنولث الولايات المتحدة) حيث تكون التحركات التكتونية في قشرة الأرض في اشدها، درست الإدارة الاميركية خلال السنوات الأخيرة بشكل مفصل امكان دفن نفايات مفاعلاتها النووية في ذلك الشق الهائل تحت المحيط، الا ان تلك الدراسات توقفت لأن القيام بمثل هذه الخطوة محظر في القانون الدولي. لكن لا احد يعلم بشكل يقين ماذا تفعل البلدان النووية بنفاياتها تلك واين تلقي بها. وهناك مواقع جبلية عدة داخل الولايات المتحدة ولا سيما في الولايات ذات المساحات الشاسعة غير الآهلة بالسكان اتخذت منها السلطات مدفنا للنفايات النووية التي يزداد حجمها شهرا بعد شهر وعاما بعد عام وتضيق المنافذ في وجه الحكومة لمعرفة كيفية التخلص منها دون التسبب بكوارث على حياة المخلوقات.
وتجدر الإشارة الى ان جزر الماريانا بالذات احتوت القواعد العسكرية الأميركية التي انطلقت منها خلال الحرب العالمية الثانية الطائرات التي ألقت القنبلتين النوويتين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي في اليابان.
وكانت مونغوليا اوقفت في ايلول 2011 مفاوضات مع واشنطن وطوكيو بشأن بناء مستوعبات للنفايات النووية على اراضيها مقابل مبالغ مالية خيالية. ولعبت كارثة فوكوشيما دورا اساسيا في تحذير السلطات في منغوليا من خطر تلك النفايات التي تستمر اشعاعات بعضها لملايين السنين على مستقبل حياة ابنائها. وتحقق ايطاليا على الدوام في تحركات ونقليات تقوم بها المافيا قد تكون تحتوي على كميات من تلك النفايات تستوردها العصابات وتخزنها مقابل اموال طائلة.
ودق زلزال فوكوشيما جرس الإنذار لبني البشر وهم على وشك وضع اقدامهم داخل العصر النووي بعدما اكتشفوا ان هذا العصر قد يكون في الحقيقة عصارة نووية تلقي بحياتهم على الأرض من اعصار الى اعصار، ليرقصوا كما لم يرقصوا من قبل على قرع طبول الموت المحيط بهم من كل ناحية.
وجيولوجيا فإن الدول الأكثر عرضة تاريخيا لحدوث الزلازل والهزات والكوارث الأرضية هي المعنية اليوم أكثر من غيرها بتفادي إغراءات الطاقة النووية السلمية منها والعسكرية.
يشار الى ان الدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة وفرنسا كانت بدأت اتفاقيات تعاون في مجال الطاقة النووية مع دول عربية بينها الأردن ودول الخليج ومصر. وفي ظل اعتراف الولايات المتحدة بعدم جهوزيتها الكاملة لحماية منشآتها النووية من كوارث مشابهة لزلزال اليابان، لا بد ان تتأثر المشاريع في الشرق الاوسط بهذه الكارثة وخاصة ان المنطقة تمر في هذه الفترة بثورات غضب بشرية قد تطيح هي بدورها بأي مشاريع نووية في المدى المنظور.
وفي الشرق الأوسط الخطر المحدق يتمثل بالمنشآت النووية في كل من اسرائيل (التي تقع على خط تضربه زلازل اقله مرة في القرن الواحد) وايران (الواقعة على حزام زلازل وهزات ناشط) التي لا تزال تلملم خسائرها البشرية من تحت الركام الذي تسبب به الزلزال الأخير الذي ضرب تبريز في 11 آب الجاري وأوقع اكثر من 300 قتيل.
لكل هذه الاسباب فمن الافضل للبشرية ايجاد طاقات بديلة لهذه الطاقة الخطيرة التي تترك تداعيات مرعبة على حياة المخلوقات. ومن الافضل لدول المنطقة وفي مقدمها ايران عدم السعي الى امتلاك هذه الطاقة لا لأغراض عسكرية ولا حتى مدنية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00