8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحلة ريم من درعا إلى الزعتري

رغم قصر المسافة التي تفصل بين منطقة درعا (جنوب سوريا) ومخيم الزعتري للاجئين عند الحدود السورية ـ الأردنية، إلا ان اللحظات المريرة من الرعب وترقب الموت التي عاشتها شابة سورية تجعل من يسمعها يحس وكأنه في رحلة من جهنم إلى ابواب الجنة على الرغم من ان الحياة في مخيم النازحين لا تمت الى الجنان بصلة.
روت كاثرين (كات) كارتر التي تعمل لصالح سايف ذي تشيلدرن (المنظمة البريطانية التي تعنى بإنقاذ الأطفال وحمايتهم) من مخيم الزعتري قصة ريم الشابة السورية التي فرت من درعا تحت نيران وحوش بشار الأسد وحلفائه الى المخيم الراقد عند الحدود مع الأردن.
تقول كارتر في تقريرها: انا جالسة الى جانب ريم، شابة سورية جميلة تعيش الآن في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن. تغطي ريم شعرها بمشلح فيما عائلتها تتحرك حولنا. هي الآن تخبرني وهي تبكي عن حياتها في درعا وعن السبب الذي دفعهم الى الهرب الى هنا.
تقول ريم: اتذكر عندما قررنا الرحيل عن منزلنا. لقد بدأ سقوط القذائف والقصف منذ الثامنة صباحا في ذلك اليوم واستمر كثيفا لثلاث ساعات متواصلة. ولم يبد لنا ان المهاجمين يحاولون ضرب اي موقع بالتحديد انما كانوا يقصفون عشوائيا وكانت القذائف تنهمر كالمطر دون وجهة محددة. ولكن عندما كانت تصيب المنازل كانت تدمرها على رؤوس قاطنيها محدثة مجازر بحق السكان.
تتابع: بعد ثلاث ساعات على هذه الحال هدأ المكان. خرجنا من مخبئنا لنرى ما حصل فوجدنا ان القصف طاول ملجأ آخر ودمره وكان من الواضح انهم قصدوا تدمير الملجأ على رؤوس المختبئين فيه. لقد قتلوا عشرة مدنيين كانوا يحتمون فيه وهم تسعة اطفال وامهم. انها مجزرة.
تتساقط الدموع على وجنتي ريم وهي تروي قصتها لكارتر، وتضيف: لقد ظننا ان المعتدين غادروا. لكنهم عادوا مجددا. عادوا بعد نحو ساعة من توقف القصف. هذه المرة صبوا نيرانهم وقصفهم على المساجد التي لجأ اليها أغلب الناس. بالطبع هم كانوا يعلمون ان الناس لجأوا الى المساجد، وعلى الرغم من ذلك فقد استهدفت الطائرات الحربية المساجد بمن فيها. وتهدمت ثلاثة طوابق امام عينيّ هاتين. وامتلأت الشوارع بالرعب والدم. اعجز حقا عن وصف المشهد. وقد علا الصراخ والعويل وسيطرالرعب، الكل يبحث عن ملجأ او مخبأ ولكن لا شيء كان قادرا على حمايتنا من طائرات الموت. بعد هذه التجرية ايقنت انهم يستهدفون بالدرجة الاولى المدارس والمستشفيات والملاجئ. لكن للأسف لا وسائل اعلام تغطي اي شيء هنا، لا يوجد حتى اي كاميرا تصور. وبالتالي لا احد في الخارج يدري حقيقة هول ما يحصل.
تقول كارتر في تقريرها إنها بدأت هي الأخرى تبكي من فظاعة ما تسمع. وتواصل ريم سرد الوقائع، فتقول: واصلوا القصف والضرب طيلة فترة بعد الظهر ثم توقفوا. وعندما عادوا هذه المرة رجعوا بالدبابات والصواريخ. الكهرباء كانت مقطوعة وكل وسائل الاتصالات. ومع حلول الظلام وعدم وجود أي شيء نشعله لنرى ما حولنا، ايقنا أنه ينبغي لنا الرحيل. هذا يكفي سنغادر في الغد مهما كان الثمن. لقد كنا نشعر اننا سنقتل في اي لحظة. لقد كان الموت يحيط بنا. كان الموت في كل ركن وفي كل مكان. لا يوجد اي منزل في بلدتي، لا يوجد منزل واحد لم يخسر فردا على الأقل سواء اكان ذلك بنيران القناصة او بهجوم مدفعي او غارة جوية او بعدما تم اعتقاله ومات تحت التعذيب. تضيف: ومع طلوع الفجر حزمنا اغراضنا وتمكنا من الفرار بمساعدة مجموعة تعمل لمساعدة اللاجئين عبر الحدود الى الأردن وها نحن هنا لا ندري ما يحمله لنا الغد بانتظار نهاية المأساة التي هجرتنا عن منازلنا وأفقدتنا الغوالي.
حارت كارتر ماذا تقول لريم للتخفيف عنها وفي النهاية سألتها ماذا تودين ان تقولي لزعماء العالم، فردت الشابة السورية من بين دموعها التي صبغت وجهها وعينيها بالإحمرار: ما اريد من حكام العالم ان يفعلوا؟ اطلب منهم ان يتحركوا. يكفيكم صمتا. واسأل شعوب العالم الا تشعرون بآلامنا؟ الا تخشون ان تتعرضوا وافراد اسركم لمصير مشابه؟ هناك اطفال تقتل كل يوم بسبب القصف في سوريا. انا اطلب من الجميع ان يحكم ضميره لأنني الآن اشعر ان ضمير الانسانية قد مات.
أن تكوني إمرأة في سوريا اليوم؟
كتبت كات كارتر تقريرا أمس من مخيم الزعتري بعنوان: ماذا يعني ان تكوني امرأة في سوريا اليوم؟، قالت فيه:
وانا امشي وسط مخيم الزعتري والهواء الثقيل يلفح وجهي مشبعا بالغبار الأصفر ودائرا في دوامات صحراوية تحجب قدرتي على الرؤيا احيانا. اتوقف عن المشي وانا اغمض عيني وافتحهما بعصبية فأرى امرأة ومعها اطفالها تجلس على فراش بالقرب من المكان حيث اقف.
انها تجلس في العراء وتبدو غير آبهة بالفوضى من حولها والغبار المتنقل فتقدمت منها لافتة انتباهها وعرفتها بنفسي. اجابتني: اسمي منى. هذا ليس اسمي الحقيقي. لا اقدر ان اقول لك اسمي الحقيقي لأني خائفة جدا مما قد يحصل.
تفهمت بالطبع خوفها فالكثير من الناس الفارين الى هنا يخشون تبعات كشف هوياتهم على افراد عائلاتهم الذين ما زالوا داخل سوريا. اخبرتها عن سبب وجودي في المخيم وعن اهمية اخبار العالم بما يجري ثم بدأت تخبرني قصتها وكيف غادرت سوريا ولماذا.
قالت منى: الحياة في سوريا رعب. الجميع خائفون. في بعض الاحيان تكون الامور هادئة ولكنك تكونين بإنتظار بدء العنف. وفجأة يبدأ القصف ثم يبدأ صبرنا واملنا بان يهدأ القصف مجددا. بقيت على امل ان تتحسن الأحوال لكنها للأسف ازدادت سوءا.
نظرت الى اطفالها الجالسين معها على الفراش ولامست منى وجه ابنها الأصغر الجميل وهو طفل في سن الثالثة. ثم اضافت اطفالي يبكون في نومهم ويرون احلاما مرعبة. لقد فقدوا طفولتهم.
سألتها عن بيتهم ووالدهم، اجابت: لقد بنى زوجي منزلنا على مدى 12 سنة. لكنهم احرقوه وحولوه الى ركام في اقل من ساعة. وبدأت تبكي وشعرت بالحرج فعدلت عن سؤالها اين هو زوجها.
وقبل ان اختم حواري معها، سألتها كيف تعيش النساء في سوريا وماذا يواجهن؟ أجابت: سأقول لك ماذا يعني ان تكوني امرأة في سوريا اليوم. كإمراة انت اليوم اذا كنت مسنة اما تقولين وداعا لشخص غال على قلبك ابنك او زوجك، او اذا كنت شابة تحاولين حماية اطفالك من القصف. هذا كل شيء.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00