لجزر سنكاكو الراقدة في المحيط الهادئ تاريخ حافل بالصراعات وانتقال الملكية بين بلدان كبرى، إلا أن عودة الصين بقوة أخيراً للمطالبة بحقها في هذه الجزر والتوقيت الذي اختارته لذلك يطرح العديد من علامات الاستفهام حول الدوافع. فالجزر رسمياً اليوم تحت سيطرة اليابان لكن الصين على ما يبدو مستعدة لخوض حرب لاستعادتها استناداً الى إثباتات تؤكد أن الصينيين هم أول من اكتشف الجزر واستعمرها في القرن الرابع عشر.
وبحسب المراقبين والمؤرخين الدوليين، هناك سببان يقفان وراء الاستيقاظ الصيني المفاجئ هما أولاً ترجيح وجود حقول نفط وغاز في محيط سنكاكو، وثانياً أن النظام الشيوعي في الصين يحاول جاهداً إرضاء نقمة شعبه الذي يعاني من تزايد الفوارق الطبقية وانحسار الخدمات الاجتماعية المتساوية للجميع، لذا تحاشياً لتكرار انتفاضة تيانانمان (التي قمع بها النظام العام 1989 بوحشية معارضيه مرتكباً مجزرة أوقعت أكثر من 2500 قتيل و7000 جريح)، فقد ارتأت الإدارة الصينية تحويل مشاعر الغضب لدى الشارع من النقمة على الحالة الداخلية في الصين الى مشاعر قومية وطنية مستعدة لخوض غمار حرب جديدة مع اليابانيين.
بالنظر في سجلات التاريخ، اكتشف الصينيون الجزر خلال القرن الرابع عشر، ثم تعاقب على استخدامها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر المستعمرون الأوروبيون وفي مقدمهم البريطانيون. وفي 14 كانون الثاني (يناير) 1895 سيطر اليابانيون على الجزر عقب الحرب الصينية اليابانية الأولى وبدأوا باستغلالها منذ العام 1900 الى حين هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية أمام الأميركيين. واشنطن بدورها استعمرت الجزر من العام 1945 حتى العام 1972 تاريخ إعادتها الى اليابان. لكن اليابانيين يواجهون منذ ذلك الحين ادعاء من تايوان بأن الجزر تابعة لأراضيها ورغم أن الصين ليس لها علاقات مميزة مع تايوان إلا أنها تدعم الحكومة التايوانية ضد طوكيو.
اليابان لا تعير التفاتاً الى تلك المزاعم لأنها في الدرجة الأولى لا تعترف بتايوان كبلد مستقل ذي سيادة. واللافت أن الجزر هي مجموعة من 5 مساحات يابسة صغيرة و3 صخور تقع جغرافياً في نقطة أقرب الى تايوان والصين منها الى أرخبيل اليابان. لكن الدراسات التي أجراها الأميركيون في محيطها العام 1968 بينت احتمال وجود ثروة نفطية ما تحت سطح مياه المحيط التي تحتضن الجزر. وهذا ما دفع بالصين الى وضع اصبعها مجدداً في المعمعة الدائرة بين تايوان واليابان.
وفي 11 أيلول الجاري أعلنت الحكومة اليابانية جزر ميناميكوجيما وكيتاكوجيما ويوتسوري (3 من أصل الجزر الـ5) جزءاً من أراضيها الوطنية بعدما أقدمت على شرائهم من عائلة كوريهارا التي كانت تملكهم مقابل أكثر من ملياري يوان ياباني. وهذا ما أثار حفيظة بكين التي أعلن وزير خارجيتها أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى أراضيها التاريخية تُستباح. وقامت بكين ببناء أبراج مراقبة في الجزء التابع لها والقريب من الجزر المتنازع عليها وقامت بحشد مئات المراكب والسفن المدنية في المنطقة المحيطة وتلك المعدات تنتظر إشارة من بكين لاقتحام المياه الإقليمية اليابانية. وفي حال حصل ذلك تكون الصين تستفز اليابان عمداً وتستدرجها الى حرب إقليمية جديدة لا أحد يعلم كيف تنتهي.
بدأت الصين أولاً حربها الاقتصادية التي تلجأ اليها عادة عند بداية كل صراع وذلك بتحريض الشعب الصيني على مقاطعة المنتجات اليابانية والسماح للشبان والشابات القوميين بتنظيم تظاهرات واسعة تعمل على حشد الشعور القومي لدى المواطنين وتحويل أنظارهم الى حرب تاريخية جديدة ضد اليابان بدلاً من النظر في عسرة أمور حياتهم اليومية التي تتجه من سيئ الى أسوأ.
لكن هذا الحشد ستكون أيضاً له تداعياته على الاقتصاد الصيني الذي ينعم بدعم تكنولوجي وتقني معتبر من الشركات اليابانية، التي في حال أخذت الأمور منحى أكثر خطورة فإنها ستغادر حتماً الأراضي الصينية. وبين الطرفين تجد الولايات المتحدة الأميركية التي تربطها اتفاقية دفاع وصداقة متينة باليابان نفسها في وضع حرج في حال حصول حرب ووجدت نفسها مضطرة الى الوقوف طرفاً فيها مع طوكيو في مواجهة بكين.
وتبدو الأمور في غاية التعقيد نظراً الى الحالة الاقتصادية المتردية التي تعاني منها واشنطن، كما أن طوكيو ليست هي الأخرى في وضع يُحسد عليه. ويأتي التهديد الصيني في وقت بدأت تتنامى في دول الشرق الأقصى كإندونيسيا وماليزيا والفيليبين مشاعر معادية للعملاق الصيني الذي على ما يبدو بدأ باستعراض عضلاته وتحريك قدميه بطريقة عشوائية قد تشعل حرباً إقليمية جديدة في المحيط الهادئ تمتد شراراتها لتشمل العالم بأسره.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.