رحل اول انسان مشى على سطح القمر رائد الفضاء الأميركي نيل ارمسترونغ اول من امس عن عمر يناهز ال82 عاما. موته وإن جاء طبيعيا لرجل مسن اجرى حديثا جراحة قلبية، إلا أنه فتح في نفوس محبي العلم والمعرفة جروحا عميقة حيث شعر هؤلاء بأن صفحة براقة من تاريخ الإنسان ربما طويت إلى غير رجعة.
انها خطوة صغيرة لللإنسان لكنها وثبة عملاقة للبشرية هذا ما قاله ارمسترونغ عندما وضع قدمه كأول انسان مشى على سطح القمر، بعدما حط بمركبة ابوللو 11 بنجاح على الكوكب الصغير في 21 تموز (يوليو) 1969 على مرأى من ملايين البشر الذين تابعوا عملية الهبوط خلال بث مباشر على اثير اذاعات الراديو وشاشات التلفاز حول العالم. فكانت لحظة عظيمة للأنسانية جمعت بني البشر ووحدتهم وجعلتهم على مدى العقود الأربعة الماضية يحلمون ان الأفضل ما زال في طريقه نحو الحضارة البشرية في المستقبل، لكن هذا التفاؤل سرعان ما خبا بريقه، وآمال ارمسترونغ نفسه بتحقيق الناسا انجازات اكبر قبل انتهاء القرن العشرين لم تبصر النور. ومرد ذلك بحسب قوله لقد وصلنا القمر خلال اوج الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ويبدو الآن ان الحافز الرئيسي كان شدة المنافسة وبعد تحقيق الانجاز عدلت الناسا عن متابعة برنامج القمر، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي تقلصت اكثر فأكثر الموازنة المخصصة لبرامج الفضاء.
ما ميز ارمسترونغ بشكل اكبر عن مرافقيه في الرحلة باز الدرين الذي مشى واياه لمدة ساعتين ونصف الساعة على سطح القمر ومايكل كولينز الذي بقي في الكبسولة، هو تواضعه الشديد وابتعاده عن الأضواء والإعلانات التجارية. كما انه رغب دائما في ان يتم ارجاع الفضل له في ماجرى معتبرا انه جهد العديد من البشر وان الاختيار وقع عليه ليكون على متن الرحلة ولهذا فهو محظوظ كي يكون اول رجل وطأت قدماه سطح القمر.
وفي عبارة ثانية شهيرة له عما دار في ذهنه على سطح القمر نظرت في اتجاه الأرض مندهشا ان تكون هذه الكرة الصغيرة الزرقاء الجميلة هي الأرض، وضعت ابهامي قبالتها واغمضت عينا واحدة واذا بإصبعي يخفي الأرض كلها. لم اشعر بأنني عملاق. بل شعرت بأني صغير، صغير جدا.
من الصعب ان يتكرر في تاريخ البشرية رجال عظماء على هذا القدر من التواضع، ومهما قيل في تكريم الرائد الراحل سواء اكان ذلك من ارفع المناصب السياسية في وطنه كالرئيس الاميركي باراك اوباما الذي قال ان نيل سيبقى من بين كبار الابطال الاميركيين الذين لن تمحى ذكراهم ابدا. او منافسه في الانتخابات المقبلة الملياردير الجمهوري ميت رومني الذي قال ان القمر يبكي رحيل ابنه الارضي الاول. الا ان التكريم الحقيقي له يكون بإعادة دعم برامج الفضاء بالمزيد من الامكانيات المالية والبشرية كي نحتفل مجددا بأبطال حقيقيين كما احتفل بأرمسترونغ ورفاقه عام 1969 وكي تعيش الانسانية من جديد احلاما كل ما فيها جميل.
ورغم الزمن العصيب الذي تعيشه البشرية، يبقى الأمل بالنظر مجددا الى وجه القمر بعصر جديد تصبح فيها احلام السلام الحقيقة. في هذا الاطار جاءت وصية عائلة ارمسترونع لمحبيه بالكلمات التالية في المرة المقبلة التي تمشي بها في ليلة سماؤها صافية وترفع بصرك الى القمر لتراه يبتسم لك، تذكر نيل ارمسترونغ وحيه بغمزة.
نيل ارمسترونغ من مواليد الخامس من آب (اغسطس) عام 1930 في واكابونيتا (اوهايو) في الولايات المتحدة الاميركية. توفي في 25 آب (اغسطس) في سينسيناتي (اوهايو) اثر خضوعه لجراحة في الشرايين التاجية للقلب. حاصل على شهادة علمية في الهندسة الفضائية من جامعة بوردو وعلى الماجستير في الحقل نفسه من جامعة سوذرن في ولاية كاليفورنيا. أبرز المحطات في حياته: خدمته العسكرية في السلاح الجوي الاميركي ومشاركته في الحرب الكورية عام 1950. التحاقه بوكالة الفضاء الاميركية (ناسا) كطيار باحث وشارك في وظيفته تلك بأكثر من 200 رحلة جوية. ترقيته الى رتبة رائد فضاء عام 1962 وقيادته رحلة جيميني الشهيرة الى الفضاء عام 1966 حيث اصبح اول رائد فضاء ينجح في عملية التحام مركبتين فضائيتين ببعضهما بواسطة انسان. قيادته رحلة ابولو 11 الى القمر في تموز (يوليو) 1969 ليصبح اول انسان يمشي على سطح القمر. بدء العمل كأستاذ لعلوم الفضاء في جامعة سنسيناتي عام 1971.
يشار الى ان ارمسترونغ رفض في السبعينات دعوتين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي للترشح بإسمهما الى الانتخابات الرئاسية الاميركية. في عام 2010 انتقد ارمسترونغ بشدة برامج الناسا الجديدة في مركز كينيدي للأبحاث واصفا اياها بالإنتكاسة مشيرا الى انها تعتمد على صدق نوايا روسيا في اجراء بحوث فضائية مفيدة للبشرية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.