8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

انطفأ الموقد الأولمبي وأسدلت الستارة على المسرح

إختتمت بريطانيا، ليل امس، الألعاب الأولمبية الصيفية، التي استمرت طوال 16 يوما، واستقطبت فيها لندن انظار العالم، موزعة دروسا مجانية في فن التنظيم وضبط الأمن واحترام التعددية البشرية، ومؤكدة، بما لا يدع مجالا للشك، ان حوار الثقافات وليس صراعها، هو الذي يرقى بالحضارة الإنسانية نحو الكمال، وان الانسان، وان عشق الركن الذي ولد فيه، الا ان الأرض هي الحاضنة الكبرى، والانسانية هي عائلة واحدة ينتمي اليها الجميع من دون النظر الى اللون او العرق او الدين او الجنس.
وعلى امل ان تكون البعثات التي شاركت في العرس الأولمبي فهمت هذه الدروس، كان الحفل الختامي، امس، تجسيدا للهدف الأساسي والجوهري من وراء المنافسات الرياضية التي تتكرر بصورة أخوية كل اربعة اعوام. فعلى عكس حفل الإفتتاح الذي شهد دخول الرياضيين كل فريق منهم وراء علم بلاده، دخلت أعلام الدول ليل امس وراء بعضها في خط واحد متحد، في حين سار الرياضيون سويا مختلطين من دون تفريق او تمييز في اشارة الى ان الناس أمة واحدة، وينبغي ان يتغلبوا على خلافاتهم ويعتنقوا ثقافة المحبة والمودة بدلا من ثقافة الكراهية والتعصب. هذه كانت الرسالة المقدسة لأولمبياد لندن 2012: لقد جئتم الى هنا أمما متفرقة، وها أنتم تغادروننا أمة واحدة، وهذا هو الأمل الذي زرعته الروح الرياضية في النفوس ان يحافظ الناس على مبادئ الأخوة والمحبة والشرف والأمانة وان يجتمعوا دائما على الخير وعلى كل ما يجمع بينهم ولا يفرق.
واحتلت الموسيقى، التي طورتها الأمة البريطانية على مدى العقود الأخيرة، المكانة الرئيسية في حفل الختام، ليل امس، والهبت الفرق الغنائية المشاركة حماسة المحتشدين وسط الملعب الأولمبي في لندن والملايين من المشاهدين على شاشات التلفزة حول العالم. وانتهى الحفل الذي حمل عنوان سيمفونية الموسيقى البريطانية بتسليم رئيس بلدية لندن بوريس جونسون الراية الأولمبية الى ادواردو بايس رئيس بلدية ريو دي جانيرو التي تستضيف العرس الرياضي المقبل عام 2016، وذلك تحت رايات ثلاث دول هي اليونان مهد الألعاب الأولمبية وبريطانيا البلد الذي استضاف الألعاب والبرازيل البلد الذي سيحتضن المناسبة بعد اربع سنوات.
وفي تفاصيل حفل الختام، توسط مجسم مصغر للندن الملعب الأولمبي ليل أمس وكان لكلمة الصحافة وقصائص الجرائد شارة البداية حيث غطت الصحف سيارة دارت حول المجسم الذي هندس على شكل علم المملكة المتحدة المضلع ثم خرج ممثل يؤدي دور رئيس الوزراء البريطاني الراحل وينستون تشرشل من قمة برج ساعة بيغ بن ليبدأ بعد ذلك الأداء الموسيقي الذي شارك فيه عدد كبير من مغني وفرق البوب البريطانيين وبينهم غنى جورج مايكل وحضر الراحل جون لينون بصوته وصورته على الشاشة. واختفت ملامح المدينة عند دخول الرياضيين وتجمع هؤلاء في حنايا واجزاء مجسم العلم البريطاني الذي شع كالذهب واللؤلوء الملون بالأحمر والأزرق وسط الملعب في اشارة واضحة الى ان القبائل البشرية ها هي تعود الآن على اختلاف مشاربها تجتمع تمجيدا للخالق وسط شعار المملكة المتحدة. وتخلل الحفل تسليم آخر ميداليات الأولمبياد كما جرت العادة لعدائي للماراتون وكانت هذا العام الذهبية لأوغندا والفضية والبرونزية لكينيا. وتسلم الأوغندي ستيفن كيبروتيتش ميداليته من رئيس اللجنة الاولمبية الدولية جاك روغ وحظيت اوغندا بالتالي بهذا الإستثناء ان يعزف نشيدها الوطني بين عشرات الآلاف من المحتشدين وسط لندن. وجرى تكريم المتطوعين الذين تبرعوا بوقتهم وجهدهم لإنجاح العرس الاولمبي.
وبين الإفتتاح والختام، عكست مجريات المنافسات وانواع الألعاب الواقع الذي تعيشه الإنسانية اليوم بين أمم سباقة في حمل لواء الحضارة الإنسانية ومعتنقة الى حد بعيد ثقافة السلام وأمم أخرى لا تزال تعاني من وحول العصبية والشراسة وتسيطر عليها ثقافة القوة. وتماما كالإصطفاف السياسي الموجود في العالم قسمت الميداليات الذهبية التي وزعت بين الرياضيين البلدان الى معسكرات، فالدول الغربية حصدت غالبية ميدالياتها في رياضات غير عنيفة، في حين سيطر المعسكر الذي يعتمد على التعصب الإيديولوجي والديني على الرياضات العنيفة.
بريطانيا حصدت غالبية انتصاراتها في رياضات الدراجات والتجذيف والفروسية والتنس، والولايات المتحدة سيطرت في السباحة وألعاب القوى والجمباز والتنس، وأستراليا نصف ذهبياتها كانت في سباق المراكب الشراعية، وهولندا ميدالياتها جاءت في السباحة والجمباز والدراجات والهوكي، أما حصة الأسد في التجذيف فكانت من نصيب رياضيي نيوزيلندا ورياضياتها.
وبالإتجاه الى المقلب الآخر، غالبية ميداليات روسيا الذهبية تحققت في رياضتي الجودو والمصارعة، وبرزت ايران في رياضتي المصارعة ورفع الأثقال، وفي هذه الرياضات أيضا حصدت كوبا ذهبياتها، اضافة الى الرماية بالبنادق. وهيمنت كوريا الشمالية في رفع الاثقال وحققت ذهبية ايضا في الجودو، أما ذهبية فنزويلا الوحيدة فكانت في مبارزة السيف.
وبين المعسكرين جاءت بلدان جمعت ذهبيات في العنيف والناعم معا وتتصدرهذه الدول الصين التي على رغم سيطرتها بـ5 ذهبيات في رفع الأثقال وبروزها في الرماية بالمسدس ومبارزة السيف إلا انها ايضا حصدت الكثير من الميداليات في كرة الطاولة والجمباز والسباحة والغطس. وفرنسا في الفئة عينها نالت ذهبيتين في الجودو، لكن غلتها الأكبر كانت في السباحة، والامر عينه ينطبق على اسبانيا بذهبيتين في المراكب وذهبية في التايكواندو.
ومع تعدد الرياضات وانواعها المختلفة فإن النظر بدقة الى جدول الميداليات في نهاية كل اولمبياد يشير الى الثقافة التي تهيمن في هذا البلد او ذاك. ومن منطلق ان يصبح العالم مكانا افضل للعيش، نأمل في اولمبياد ريو 2016 ان نرى ذهبيات المصارعة والجودو ورفع الأثقال وغيرها من الرياضات العنيفة تتبعثر بين جميع الدول المشاركة وان لا يتركز حصادها بكثرة في جعبة بلد ما. عندها فقط يمكننا القول ان قدسية الأولمبياد بدأت تقطف ثمارها وتترك بصمات إيجابية في ثقافات الشعوب.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00