إذا كان هناك من بلد على سطح المعمورة يستحق عن جدارة لقب عاصمة العالم فإن هذا البلد من دون شك بريطانيا لما يحتضنه من مكونات تشمل جميع أجناس البشر من دون تفريق أو تمييز في ما بينهم على أسس عرقية أو دينية أو جنسية. وأمس، بارتدائها حلة الألعاب الأولمبية بدت لندن كالعروس برداء أبيض ناصع وسط كوكب مزّقته الحروب الدينية والصراعات القومية والعرقية والأزمات الاقتصادية.
بعد سبع سنوات من التحضير والعمل الدؤوب، عاشت لندن مساء أمس أجمل استعراض تشهده البشرية في التاريخ المعاصر. وبعد العد التنازلي، أعلن برادلي ويغينز (الدراج البريطاني الفائز بسباق فرنسا للدراجات هذا العام) بدء الحفل الافتتاحي بقرعه الجرس الكبير الذي احتل طرف الملعب الأولمبي.
تلا ذلك مسرحية شكسبيرية قصيرة بطلها الممثل الشهير كينيث براناه الذي حمل الكتاب بيده ووقف وسط التلة أسفل الشجرة التي تطل على القرية الصغيرة التي توسطت الملعب وقد بُنيت منازلها المتواضعة وسط خضار الطبيعة وأنواع شتى من الحيوانات الأليفة كالبقر والأحصنة والخراف ومشاركين ومشاركات بملابس ريفية في إشارة من المنظمين الى الريف البريطاني الوديع. وسرعان ما تحولت القرية الى أشكال وألوان مختلفة مع مرور لوحات الاحتفال تباعاً. فمرت بعصر تحولت المملكة المتحدة خلاله الى الثورة الصناعية مع أجواء رجال الأعمال بالملابس والقبعات السود. واجتاحت مساحات حديدية رمادية الواحة الخضراء. وعمل سكان الريف في خدمة أصحاب المصانع. وارتفعت الأبراج ومداخن المصانع. ثم بدأ زمن صهر الحديد والمادة فصهرت على مرأى من الجمهور الحلقات الخمس التي تشكل شعار الألعاب الاولمبية وتمثل اتحاد قارات الأرض الخمس.
بعد ذلك، عرض فيلم قصير بعنوان هابي اند غلوريوس حيث يرافق العميل السري جايمس بوند الملكة اليزابيث الثانية في رحلة بالمروحية من قصر باكينغهام الى الملعب الأولمبي حين قفز مجسمان لهما بمظلتين عبارة عن علمين بريطانيين فوق الحفل. ثم تم الترحيب بالملكة وزوجها دوق ادنبره ورئيس اللجنة الأولمبية الدولية جاك روغ وأنشد الأطفال نشيد بريطانيا الوطني الله احفظ ملكتنا.
تلا ذلك رقصات استعراضية تحت إضاءات زرقاء وملونة تتوسطها كلمات واختصارات معروفة تقليدياً لدى البريطانيين مثل غاش وان اتش اس (في إشارة الى نظام الطبابة والاستشفاء). ثم جاء وقت الأساطير والحكايات الخيالية التي يقرؤها الأطفال قبل النوم وانتشرت مجسمات الشخصيات الشريرة في تلك الروايات وسط الملعب وراحت تطارد الأطفال النائمين على أسرة على مرأى من الممرضات. وبعد زوال الأرواح الشريرة، عاد الأطفال للرقص على أسرتهم، أطفال ذكور واناث من شتى اللوان والأديان (بينهم محجبات) في صورة أخرى رائعة عن العيش المشترك والمحبة والاحترام المتبادل انتهى بمجسم ضخم لطفل في مهده.
وعزفت الأوركسترا بحضور مستر بين (راوين اتكينسون) سيمفونية عربات النار الشهيرة. فبالطبع لا يمكن سوى تذكر حس الفكاهة الذي يأتي مع البريطانيين بالولادة. ثم حان وقت استعرضت فيه التكنولوجيا الحديثة والمعلوماتية وبرامج الكومبيوتر والمعدات الالكترونية الحديثة التي جعلت من العالم كله قرية صغيرة ومن سكانه عائلة واحدة.
وشهد القسم الثاني من الاحتفال دخول البعثات المشاركة في الألعاب من شتى بلدان العالم وكل بعثة يتقدمها أحد أبرز رياضييها رافعاً علم بلاده.
باختصار رسم الافتتاح أمس تطور الحضارة والثقافة الإنسانية في بريطانيا وطريقة امتدادها منها الى العالم بأسره مروراً بالسينما في بداياتها وتشارلي تشابلن ثم موسيقى الروك اند رول وميك جاغر ودايفيد بوي وفريدي مركوري. كما مر خلال الحفل شريط عرض تطور الأجهزة من الراديو وشرائط المسجلة والفيديو الى الفلوبي ديسك الى السي دي الى فلاش ديسك والهارد درايف والهواتف الحديثة والآي باد وغيرها.
وغرقت بريطانيا كلها أمس في بحر من الألوان الرزقاء والبيضاء والحمراء وأعلام الـيونيون جاك رمز المملكة المتحدة، وغصت العاصمة لندن وتحديداً الملعب الأولمبي بعشرات الآلاف من عشاق الألعاب الأولمبية لمدة ثلاث ساعات أبهرت نحو مليار مشاهد عبر شاشات التلفزة حول العالم بدقة التنظيم وروعة حفل الافتتاح.
وسبقت الحفل بثلاثة أرباع الساعة، دقات ساعة برج بيغ بن الشهيرة التي استمرت فترة ثلاث دقائق كاملة وهي بدعة لا تشهدها بريطانيا إلا في المناسبات العظمى. وهذه المرة الأولى تدق بيغ بن لثلاث دثائق متواصلة منذ مراسم دفن الملك جورج السادس عام 1952.
وقبل بدء الاحتفال استضافت الملكة اليزابيث الثانية في قصر باكنغهام رؤساء الدول والزعماء المدعوين الى حفل افتتاح المناسبة الرياضية الأبرز في العالم هذا العام، وبينهم رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي.
يُذكر أن الألعاب الأولمبية سجلت أمس عودتها الى بريطانيا للمرة الأولى منذ العام 1948، وهذه المرة الثالثة تستضيف لندن الألعاب (رقم قياسي: 3 من 30 أولمبياداً). أما الحفل المهيب أمس فكان من إعداد وإخراج المخرج السينمائي الشهير الحائز على جائزة الأوسكار داني بويل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.