8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاستعراض الأوروبي بين كاميرون وساركوزي

عندما تشاهد وتسمع ما يجري في اجتماعات الاتحاد الاوروبي يخيل اليك لوهلة انك في مسرح او سيرك. فالعروض البهلوانية والمسرحية ازدادت في الفترة الأخيرة ومرد ذلك بالدرجة الأولى الى اقتراب استحقاق مهم في دولة اوروبية رئيسية هو انتخابات الرئاسة في فرنسا. ويكاد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ان يكون بطل الاستعراض الرئيسي في هذه الفترة لا ينافسه في ذلك سوى رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون الذي وجد نفسه مرغما ان يطل مع جاره اللدود على المسرح مرارا وتكرارا.
وخلال مسلسل حرب كلامية اشتد رحاها بين الزعيمين منذ تشرين الاول (اكتوبر) 2011، أبصرت حلقة جديدة النور في بروكسل مساء الإثنين عندما اعتبر ساركوزي ان بريطانيا لم يعد لديها صناعات. فجاء الرد البريطاني صاعقا من مسؤولين في رئاسة الحكومة البريطانية بالقول ان ساركوزي يكذب من اجل زيادة حظوظه بالفوز في الانتخابات الرئاسية في فرنسا. لأن القطاع الصناعي في بريطانيا اكبر من نظيره في فرنسا.
وقال الرئيس الفرنسي في مؤتمر صحافي في ختام القمة الاوروبية التي عقدت بشأن الاتفاقية المالية الجديدة وخرج منها منتصرا على ما يبدو ان المملكة المتحدة لم يعد لديها صناعات. انها تركز بشكل كبير على لندن ـ سيتي في اشارة الى قطاع المصارف والاموال في لندن. اضاف لقد اخترنا ليس فقط تطوير القطاع المالي بل ايضا ان ندفع بالصناعة الى الامام. وربما هذا يضعنا في صف واحد في موضع اقرب الى اصدقائنا الالمان منه الى اصدقائنا البريطانيين.
وذكر مصدر بريطاني لـ المستقبل ان العلاقة تردت جدا بين كاميرون وساركوزي منذ رفض الاخير في آخر قمة اوروبية العام المنصرم مصافحة الأول. واول من امس في بروكسل صافحا بعضهما مرور الكرام دون ان ينبسا بأي حرف.
وهاجم مسؤولون في الحكومة البريطانية الرئيس الفرنسي على تصرفاته ووصفوه بأنه يائس ويقوم بكل هذه المسرحيات بهدف لفت أنظار الناخب الفرنسي وردم الهوة التي تفصله في استطلاعات الرأي عن متصدر السباق الانتخابي المرشح الاشتراكي فرنسوا هولاند.
هذا الهجوم على ساركوزي لم يأت من بريطانيا فحسب بل تبنته ايضا وسائل اعلام فرنسية بينها صحيفة لوموند التي اكدت في تقرير لها ان ادعاءات ساركوزي بشأن الصناعة البريطانية غير صحيحة وان بريطانيا في الواقع صناعية اكثر من فرنسا. وسخر مسؤولون في الوفد البريطاني من ذكر الرئيس الفرنسي لتدبير فرض ضرائب جديدة خلال الفقرة المخصصة للكلام عن النمو الاقتصادي في الاتحاد الاوروبي مستغربين اختياره الخاطئ بالقول ما هذا الشعار؟ ضرائب جديدة من اجل النمو.
وكان ساركوزي صعد مرارا في الاشهر الثلاثة الاخيرة انتقاده البريطانيين وسياستهم، ولعل احد اقسى العبارات التي استعملها بحق كاميرون كان قوله لأنك قادم من جزيرة (في اشارة الى بريطانيا) ليس بإمكانك ان تفهم البنيان الاوروبي.
وفي الخلاصة الاخيرة لقمة امس الاول في بروكسل، لم تتمكن بريطانيا من ادخال تعديلات على الاتفاقية الاوروبية كما توقع خبراء بريطانيون بل على العكس تعرض كاميرون وفريقه لهجوم عنيف ايضا من قبل رئيس المفوضية الاوروبية خوسيه مانويل باروسو الذي اعلن ان بريطانيا بين الدول الاوروبية التي لديها اكبر نسبة بطالة بين الشبان، في اشارة الى نحو مليون من الشبان البريطانيين العاطلين عن العمل.
وتحت الضغوط الاوروبية والضغوط الداخلية من نائبه في الحكومة الائتلافية رئيس حزب الليبراليين الديموقراطيين نيك كليغ تراجع كاميرون امس عن الفيتو الذي شهره بوجه الاتفاقية المالية الجديدة، معتبرا ان بريطانيا لن تعرقل الاتفاقية وان في إمكان الدول الـ26 الباقية في الاتحاد الاوروبي العمل بها. نحن سنراقب كيف ستدور الامور. بريطانيا لا تزال غير موافقة على هذه الاتفاقية لذا فالمؤسسات البريطانية غير ملزمة بها على الاطلاق. وعلل كاميرون موقفه الجديد المتسامح نسبيا قائلا يجب التصدي للأزمة التي تعصف ببلدان الاتحاد. يجب فعل شيء فلنر ما سيحصل. نحن لن نعارض سير العملية طالما انها لن تتعرض للمصالح البريطانية وسنلجأ الى المحاكم في حال حصول اي خرق من هذا القبيل.
هذا التراجع النوعي في موقف كاميرون سينعكس حتما بحسب المراقبين على شعبيته التي ارتفعت اواخر العام 2011 بعد اشهاره الفيتو ضد الاتفاقية الاوروبية لأنها لا تحفظ مصالح المؤسسات البريطانية المالية. ويقول احد المحللين السياسيين في حزب المحافظين الذي يرأسه كاميرون كان كاميرون منذ شهر اقرب للمقارنة بمارغريت تاتشر اما الآن فيبدو ان الجميع سيقارنه بجون مايجور الذي وقع العام 1992 معاهدة ماستريخت.
ويزداد الضغط على كاميرون داخل حزبه مع هذه الخيارات التي لا تتماشى مع ما وعدوا ناخبيهم به، ومع اعلان 70 نائبا من المعادين للاتحاد الاوروبي في مجلس العموم دعوتهم كاميرون الى اجراء استفتاء شعبي حول جدوى استمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي.
وترتكز المعاهدة الجديدة على تعزيز الانضباط المالي داخل البلدان الاوروبية. وتقوم على فرض ضرائب جديدة والعمل في اطار ميثاق للموازنات يحترمه الجميع دون استثناء. وخلال القمة الاخيرة قرر الزعماء أيضا ان يحدد حجم صندوق الانقاذ الدائم لمنطقة اليورو عند 500 مليار يورو (666 مليار دولار) وهو ما اصرت عليه المانيا تحديدا. ولن يحصل الصندوق على صلاحيات بنك ما كان من شأنه ان يتيح له السحب من أموال البنك المركزي الأوروبي لزيادة حائط الحماية وهي خطوة أخرى اعترضت عليها ألمانيا. وابرز نقطتين تضمنهما الاتفاق: اولاً الالتزام بـميزانيات متوازنة لبلدان منطقة اليورو يعرف بأنه عجز هيكلي لا يزيد على 0.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وأن يدرج ذلك في الدساتير الوطنية لكل بلد. ثانيا عقوبات تلقائية على أي دولة في منطقة اليورو يتجاوز عجزها 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي شرط أن تقدم ميزانياتها الوطنية إلى المفوضية الأوروبية، التي سيكون لها القدرة على أن تطلب مراجعتها. وبما ان المصرفيين البريطانيين لا يحبذون فكرة القيود المفروضة كان من الطبيعي ان ينتهي بهم الامر خارج المنظومة الجديدة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00