تكثفت في الفترة الأخيرة الزيارات الايرانية الرسمية الى تركيا مع ازدياد وتيرة الثورة في سوريا وانسحاب الجيش الاميركي من العراق.
وتسعى ايران من خلال هذه الزيارات، الى بناء علاقة متينة مع جارتها اللدودة تضمن لها استمرار عمل الهلال الذي تعبت من اجل بنائه في المنطقة على مدى ثلاثة عقود بدءا من اراضيها مرورا بالعراق وسوريا وصولا الى النصف الجنوبي من لبنان. ولكن هذه الزيارات السياسية الواضحة للعيان تتم ايضا بالتوازي مع زيارات استخبارية وتخريبية في الخفاء تتمثل بمخططات لدخول مجموعات من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الايراني الاراضي التركية بهدف احداث تهديدات داخلية مزعجة للحكومة التركية في حال رفضها لما يتماشى ورغبات النظام الايراني. دون ان ننسى طبعا ان تنظيم حزب الله الكردي بعث اخيرا الى الحياة من جديد، وفي هذا مؤشر واضح بأن ايران تعانق تركيا في العلن ولكن في الوقت عينه ترفع الرداء لتريها خنجرا قد تزرعه في صدرها عند اي لحظة تلمس منها رفضا قاطعا لضمانات تؤمن المصالح.
الثورة السورية ووقوف الحكومة التركية في صف الشعب يقابله دعم ايراني اعمى لنظام بشار الأسد. هذا الإختلاف الشديد في وجهات النظر حيال الأزمة السورية أدى الى تصعيد في اللهجة من حين لآخر من قبل الايرانيين وكشف النقاب عن سياسة التقارب ـ التباعد والصداقة ـ العداء التي يحترفها النظام الايراني مع اعدائه الذين لا يجد نفسه قادرا على اعلان عدائه لهم بشكل تام. ففيما الزيارات الديبلوماسية الى انقرة تتكرر ويدعو من خلالها وزير الخارجية الايراني علي أكبر صالحي نظيره التركي احمد داود اوغلو للدخول على خط المفاوضات النووية بين ايران والمجتمع الدولي املا بتخفيف ضغط العقوبات التي بدأت تعاني منها بلاده، حصل في الماضي القريب ان هاجم قائد الحرس الثوري الايراني الجنرال امير علي حجي زاده بشراسة سماح تركيا لحلف شمال الاطلسي (ناتو)، الذي تنتمي اليه، نشر درع صاروخية دفاعية على اراضيها وهدد بأن ايران ستهاجم المنظومة الدفاعية للناتو في تركيا في حال اقدمت اسرائيل او الولايات المتحدة الاميركية على ضرب ايران.
هذا التصريح جاء من اعلى هيئة عسكرية تنفيذية ايرانية في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بسبب ارتفاع منسوب الكلام عن ضربة عسكرية محتملة للمنشآت النووية الايرانية في الاعلام الغربي. لكن مع تدهور وضع الحليف الرئيسي لطهران في الشرق الاوسط، الرئيس السوري بشار الأسد، لم يكن امام الايرانيين الا اللجوء الى تلطيف الأجواء مجددا مع الأتراك. فأكد وزير الخارجية صالحي بعد التصريح الناري لحجي زاده بأيام ان تصريحات قائد الحرس الثوري لا تعكس ابدا حقيقة الموقف الايراني الرسمي وان على تركيا ان تأخذ على محمل الجد ما يصدر فقط عن المسؤولين السياسيين الايرانيين الموجودين في مركز القرار السياسي. ورغم انه حاول تبريد التوتر الذي نتج عن تصريحات القائد العسكري، الا انه في الوقت عينه لم ينكرها او يشجبها.
سياسة التهديد والوعيد ثم التهدئة استمرت في طريقة التعاطي الايرانية مع جيرانها في المنطقة بمن فيهم تركيا. في هذا الاطار، اتت تصريحات قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني التي اطلقها الخميس الماضي بأن بلاده تسيطر على العراق وجنوب لبنان ومن خلال هذه السيطرة بإمكانها التأثير من اجل محاربة القوى المتعجرفة.
وتزامنت تصريحاته تلك مع تناقل وسائل الاعلام التركية اخبارا استخباراتية تشير الى مخططات ايرانية بإدخال مجموعات من فيلق القدس الى الاراضي التركية لزعزعة الاستقرار وتنفيذ عمليات ارهابية ضد اهداف غربية قد تكون السفارة الاميركية احدها.
وما عزز مخاوف انقرة، اصدار حزب الله الكردي بيانا الثلاثاء الماضي اكد فيه عودته الى مزاولة نشاطه على الاراضي التركية. وفي هذا رسالة واضحة من ايران لتركيا انه في حال تورط الاخيرة في اي عمل ضد الأسد في سوريا او اي تحرك يهدد ولاية الفقيه، فإن الخلايا الايرانية النائمة في تركيا ستستيقظ وتحول جنة الاستقرار التركية الى جحيم.
بالإضافة الى التهديدات الامنية، تحاول ايران ايضا التلويح بالورقة الاقتصادية والتجارية من خلال وضع يدها على الحكومة العراقية. وهذا ما يخلق مشكلة لوجستية كبيرة للإقتصاد التركي الذي يرى الآن في العراق المنفذ الرئيسي له نحو باقي المنطقة خاصة في هذه المرحلة التي تشهد مقاطعة تامة بين الحكومة التركية ونظام الأسد في سوريا.
في اطار هذا التجاذب في المصالح بين ايران وتركيا، تفرض العقوبات الدولية المتصاعدة على الاولى ان تعانق الثانية لتعرب لها عن حبها الملوث (المسموم) لأنها بحاجة ماسة اليوم اكثر من اي وقت مضى ان تؤمن عمليات التبادل التجاري والمالي بين مكونات هلالها (العراق وسوريا ولبنان) بما يمكنها الى اقصى حد مقاومة العقوبات الدولية ويسمح لها بالاستمرار في برنامجها النووي الذي تعتبره ضمانتها المستقبلية لترسيخ سيطرتها على المنطقة. فيما تجد الثانية نفسها مضطرة تحت ضغط غالبية المكونات الشعبية في المنطقة والمحيط العربي الى رفع سقف عدائها للأولى ووضع اصبعها في الطنجرة السورية الملتهبة دفاعا عن مصالحها المستقبلية مع الغالبية الساحقة من الشعب السوري. وما يزيد في حدة التجاذب بين القطبين الايراني والتركي هو الانقسام العمودي بين الدول العربية مع دوران بلدان مثل الجزائر والسودان والعراق ولبنان في الفلك الايراني وعدم نضوج العمليات الانتقالية التي تعيشها بلدان شمال افريقيا. هذا الواقع اضعف قدرة الجامعة العربية على اتخاذ موقف حازم في اي قضية شرق اوسطية حساسة او طارئة كالثورة السورية التي ازهق فيها المحور الايراني بغطاء روسي ـ صيني ارواح اكثر من 6000 شهيد على مرأى ومسمع جامعة عربية عرجاء ومجلس امن دولي مشلول. ومع العجز العربي الحاصل وانشغال البلدان الغربية في مشاكلها الاقتصادية او الانتخابية تجد تركيا نفسها في موقف الحائر المتردد بشأن مدى صواب اي خطوة قادمة يقوم بها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.