ما كادت ملامح مجزرة اوسلو تتضح للأوروبيين وتتكشف فصولها حتى استدعي رؤساء الاستخبارات المحلية لاجتماعات طارئة في غالبية البلدان الاوروبية. السبب طبعا هو مفاجأة فجرها مارد الاصولية المسيحية الذي خرج من القمقم على حين غرة في وقت كان العالم بالكاد يتنفس الصعداء اثر مقتل اسامة بن لادن على امل ان يكود المارد الاسلامي المتطرف قد روض واعيد الى داخل فانوس الارهاب الذي خرج منه منذ اكثر من عشر سنوات.
وتركزت التحقيقات مع السفاح النروجي اندرس بهرينغ برايفييك الذي ارتكب المجزرة حول امكان وجود مساعدين او خلايا تعمل معه لا تزال جاهزة لارتكاب المزيد من الفظائع في النروج او في بلدان اوروبية اخرى. وحتى الامس القريب اعترف الجاني بوجود خليتين تعملان معه داخل النروج وخلايا اخرى في الخارج من دون الافصاح عن المزيد من التفاصيل. بهذه المعلومات والمانيفستو المسيحي ـ الصهيوني المتطرف المعادي للإسلام والماركسية والتعددية الثقافية في اوروبا الذي وضعه القاتل، تأكدت مخاوف الحكومات الاوروبية بأن الخطر كبير وان خلايا وعناصر متطرفة قد تكون اعتنقت هذه العقيدة وهي على وشك تنفيذ مجازر مشابهة كي تفرض وجهة نظرها على الساحة الاوروبية.
وعلى الفور، تم نبش ملفات المتطرفين اليمينيين في القارة البيضاء وبدأت الاجهزة الامنية بحملات مراقبة مكثفة لهؤلاء تحسبا لأي زلزال جديد قد يزيد في تصدع المجتمعات الاوروبية. ويبدأ اول الخيط من مكاتب الاستخبارات البريطانية المحلية (ام اي 5) حيث صدرت اشارات تحذر من ان اعضاء في الحزب اليميني المعادي للاسلام في بريطانيا دوري الدفاع الانكليزي (انغليش دفانس ليغ) كانوا يتواصلون على شبكة الانترنت في السنتين الماضيتين مع الارهابي النروجي الذي اعترف في بيانه (المانيفستو) ان لديه اتصالات مع قادة دوري الدفاع الانكليزي وان لديه 600 من اعضاء الحزب اصدقاء له على موقع فايسبوك.
من جهته، نفى زعيم الحزب المذكور ستيفن لينون اي علاقة لحزبه مع القاتل النروجي، مشيرا الى ان الصداقات التي تشكل على الفيسبوك ليس بالضرورة ان يعرف اصحابها احدهم الآخر. وشدد على ان حزبه، وان كان يوافق على وجهة النظر المناهضة للمهاجرين والمعادية لانتشار الاسلام في اوروبا، الا انه وانصارهم لا يمكن ان يعبر عن رأيهم الا سلميا وينبذون العنف بشدة. ووصف ما قام به برايفييك بـالمريض والمروع.
على ضوء المعلومات المتوافرة، شدد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الاجراءات الامنية وتوجه وفد من رجال الشرطة الى النروج للتنسيق في المعلومات مع نظرائهم النروجيين للايقاع بافراد الشبكة الارهابية ان وجدت.
وفي جنوب فرنسا، دهمت الشرطة الفرنسية منزل والد القاتل الذي يقطن في فرنسا منذ فترة وصرح بانه لم يتصل بإبنه منذ اكثر من 14 عاما الا انه لم يتم العثور على ما يثير الشبهات. لكن وزارة الداخلية، امرت بمراقبة تحركات اكثر من 400 شخص من العناصر المعروفة بتشددها اليميني في البلاد في حين اخلد حزب الجبهة الوطنية اليمني المتطرف الذي ترأسه مارين لوبين للصمت ازاء هذه الأحداث الدموية التي على ما يبدو ستقوض آمال زعيمته في تحقيق مفاجأة في سباق الرئاسة الفرنسية العام المقبل.
وتعيش القارة الاوروبية بأسرها في حال من التأهب حيث لا احد يمكنه توقع متى واين يمكن لمارد الاصولية المسيحية المتصهينة ان يضرب ضربته التالية. ولكن التركيز الامني الآن يتمحور حول البلدان التي زعم برايفييك انه والفرسان الآخرين اسسوا فرقة جديدة في لندن عام 2002 بإسم فرسان المعبد احياء لذكرى فرسان الهيكل في القدس ابان الحروب الصليبية الذين عادوا الى اوروبا واسسوا ما عرف لاحقا بـالماسونية. فقد اوضح القاتل النروجي خلال استجوابه انه فارس من فرسان المعبد وهي مجموعة اسسها صربي وتضم الى جانب المؤسس وبرايفييك، انكليزيين وفرنسي والماني وهولندي ويوناني وروسي. وزعم برايفييك ان لقبه في المجموعة كان سيغورد يورسالفار تيمنا بملك النروج سيغورد الاول الذي خاض غمار الحملات الصليبية في القرن الثاني عشر. اما رئيس المجموعة فكان لقبه ريتشارد قلب الاسد تيمنا بملك انكلترا الشهير ريتشارد الاول. واوضح برايفييك ان المجموعة ليست دينية انما تعتبر ذراعا مسيحية مسلحة، واشار الى وجود 4848 نروجيا من الخونة بنظره يستحقون الموت. واللافت ان القاتل ابدى اعجابه بكل من رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء بريطانيا الراحل ونستون تشرشل والسياسي الهولندي المشهور بعدائه للاسلام غيرت فيلدرز. كما انتقد بشدة كنيسة البروتستانت التي نشأ على تعاليمها وفضل اعتناق الكاثوليكية.
وتنتشر في شتى البلدان الاوروبية احزاب ومجموعات يمينية متطرفة تعاظمت قدرتها بسبب استفحال الازمة الاقتصادية العالمية على استقطاب انصار ومؤيدين في اوساط الشباب ولا سيما العاطلين من العمل الذين يلقون اللوم في مشاكلهم الاجتماعية على العمال الأجانب ولا سيما القادمين من البلدان الاسلامية والعربية. ويعتنق قادة معظم هذه التيارات افكارا متصهينة ويرفعون في تظاهراتهم دوما اعلاما اسرائيلية تعبيرا منهم عن التأييد الاعمي للكيان الذي يشكل بنظرهم العدو الاول للدين الاسلامي في العالم. واكبر هذه الاحزاب في بريطانيا هما الحزب القومي البريطاني ودوري الدفاع الانكليزي.
ويجب هنا توضيح الفارق بين بعض المجموعات التي لا تزال تتبنى الأفكار الفاشية والنازية الكلاسيكية كما كانت بين الحربين العالميتين اي كما وضعها ادولف هتلر في المانيا وبنيتو موسوليني في ايطاليا واوسفالد موزلي في بريطانيا وهؤلاء لا يزالون يرون في الجالية اليهودية العدو الحقيقي للبلدان الاوروبية وليس المسلمين الذين بحسب عدد من مسؤوليهم كانوا الحليف الاول للرايخ الثالث في الحرب العالمية الثانية، في اشارة الى انتساب المسلمين الالبان واليوغوسلاف الى جيش هتلر في الحرب الثانية وتحالف تركيا العثمانية مع المانيا في الحرب الاولى. الا ان هذه التنظيمات تناقص عددها في الآونة الاخيرة لعدم توافر الامكانية المادية للاستمرار وهذا ما دفع معتنقي الافكار المتطرفة الى ركوب الموجة المتصهينة التي تناصر اسرائيل وتعادي الاسلام والعرب وازداد عدد الاحزاب التي تعتنق هذا الفكر مع قدرات مالية وتنظيمية غير مسبوقة اضافة الى حرية هؤلاء في التحرك علنا وبث افكارهم على عكس الكلاسيكيين الذين كمت افواههم ولا يمكنهم ان ينبسوا بحرف واحد معاد لليهود حيث يتعرضون فورا للغرامة او السجن.
ومخاوف الحكومات الاوروبية اليوم من اعتداءت ارهابية مشابهة لمجزرة النروج، مصدره هذا النوع الجديد المتصهين من اليمين المتطرف والاصولية المسيحية. ودور اسرائيل في دعم هذه التيارات في القارة البيضاء لا يمكن اخفاؤه ابدا ففي جميع تظاهراتهم تُرفع أعلام ولافتات مؤيدة لإسرائيل، بما يؤكد بشكل واضح جدا الى من يدينون بولائهم اولا.
وفي عودة سريعة الى مجزرة اوسلو، لا بد من الاشارة الى سبب ملح لاستهداف حزب العمال النروجي عموما ورئيس الوزراء ينس ستولتنبرغ خصوصا. فستولتنبرغ كان هدفا دائما لصحافة اليمين الاسرائيلي فهو مثل ابيه ثورفالد الذي كان وزيرا سابقا لخارجية النروج احد الد اعداء الكيان الصهيوني على الساحة العالمية. فالاثنين داعمان بقوة لحق الشعب الفلسطيني وطالما طالبا بعقوبات دولية ضد اسرائيل وبمحاكمة قادتها كمجرمي حرب. ويعتقد على نطاق واسع في اروقة السياسة الاوروبية ان رئيس الوزراء النروجي يلعب دورا محوريا من اجل اعتراف اكبر عدد ممكن من الدول بالدولة الفلسطينية بحدود عام 1967.
اليهود في النروج يطلقون على ستولتنبرغ لقب النازي ولا يخفون ابدا كرهم المتجذر له. ولمن يرغب فعلا بقراءة عشرات المقالات الاسرائيلية المهاجمة لعائلة ستولتنبرغ بشراسة ما عليه الا ان يكتب في محرك البحث الالكتروني كلمتي ستولتنبرغ واسرائيل. ولا تنسوا عندما تطلعوا على نتائج البحث ان تشاهدوا الفيديو المنشور على يوتيوب منذ العام 2009. اسم الناشر ستولتنبرغ انتي كرايست اي ستولتنبرغ المسيح الدجال وهو على ما يبدو تابع للحركة الراديكالية المسيحية النروجية الداعمة لاسرائيل والكارهة للمسلمين والتي ينتمي اليها منفذ مجزرة الامس. ويقول الفيديو: آن الاوان للتخلص من ستولتنبرغ ووزرائه النازيين الكارهين لليهود لا سيما كريستين هالفورسن. لا تنسوا المجازر والمحارق التي ارتكبت خلال الحرب في النروج.
يشار هنا الى ان وزيرة التربية الحالية كريستين هالفورسن كانت وزيرة المالية سابقا وكانت دعت في العام 2006 النروجيين الى مقاطعة المنتجات الاسرائيلية تضامنا مع الفلسطينيين.
وستولتنبرغ ليس اول سياسي اسكندينافي مرموق يستهدف من قبل العدو نفسه، فالجميع لا يزال طبعا يذكر رئيس وزراء السويد العمالي المميز اولوف بالم الذي اغتيل عام 1986 ولم يعرف حينها من قام بالاعتداء. هل احد منكم لديه شك في هوية قاتل الرئيس الاميركي السابق جون كينيدي؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.