شتان ما بين اجراء تحقيقات صحافية مشروعة وانتهاك خصوصيات عدد من المشاهير والناس العاديين بالتنصت على مكالماتهم الهاتفية والتجسس عليهم على مدار الساعة ومراقبة تحركاتهم. الفضائح التي كانت المورد الرئيسي للمكاسب المادية لأشهر صحيفة تابلويد في بريطانيا والعالم ذي نيوز اوف ذي ورلد (1843 ـ 2011) شملت خلال الاسبوع المنصرم اكبر فضيحة في تاريخ الاعلام العالمي. وبهذا تكون الصحيفة الشهيرة، التابعة لمجموعة نيوز انترناشونال الاعلامية التي يملكها رجل الاعمال والاعلام الكبير روبرت ميردوخ، قد قضت على نفسها بسلاحها التي استعملته على مدار السنين الماضية وهو الفضيحة.
أمس صدر العدد الاخير (يحمل الرقم 8674) من ذي نيوز اوف ذي ورلد تغلفه كلمتا شكرا ووداعا. 168 سنة من الخدمة الاعلامية انتهت بفضيحة مدوية كشفت الطريقة التي اصطادت فيها الصحيفة على مدى السنوات الماضية ضحاياها ولا سيما المشاهير منهم عبر هيكلية عمل مبنية على خرق شبكات الهواتف تسمح للصحافيين بالتنصت والتجسس على الضحايا الذين كانت الاقلام تنهش لحمهم بمجرد اكتشاف اي تفصيل (جنسي غالبا) قد يبدو فضائحيا في حال نشر في الشارع. وما سرع في وضع نهاية لأيام الصحيفة الفضائح المتتالية الاخيرة التي بدأت باكتشاف احد المحققين في احدى الجرائم التي راحت ضحيتها شابة بريطانية تدعى ميللي داولر ان الصحيفة كانت تتنصت على هاتف الضحية. ثم انفجرت فضيحة اخرى بأن الصحيفة ايضا تتنصت على عائلات الضحايا الذين سقطوا في اعتداءات السابع من تموز (2005) الارهابية في لندن. ولم تقف الامور عند هذا الحد بل ايضا وصلت نيوز اوف ذي ورلد الى حد التنصت على عائلات الجنود البريطانيين الذين يقتلون في افغانستان.
وتجمع امس مئات العاملين في الصحيفة في مقرها في وابينغ ـ لندن مع رئيس تحريرها كولين مايلر، وقد اغروروقت عيون العديد منهم بالدموع وهم يعلنون نهاية الصحيفة. في حين اعلن ميردوخ ان قرار اقفال الصحيفة نهائيا جاء بعد قرار جماعي لأسرة نيوز انترناشنال.
وكانت الصحيفة لفتت الانظار كثيرا خلال العقد الاخير بعد نشرها سلسلة من الفضائح لعل ابرزها عام 2008 فضيحة رئيس اتحاد رياضة السيارات (فيا) السابق ماكس موزلي التي ابرزت بشكل واضح الى اي مدى قد يذهب جواسيس (صحافيو) نيوز اوف ذي ورلد للايقاع بضحيتهم. عندما تمكنوا من تصوير موزلي في مشاهد جنسية مع خمس مومسات في احدى الشقق الخاصة. وكان موزلي فاز بقضية انتهاك الخصوصية التي رفعها ضد الصحيفة ولكن هذا لم يعد الحياة الى ابنه الكسندر الذي انتحر بسبب فضيحة والده.
وبالطبع ان سلسلة الفضائح الاخيرة كان لها ارتدادات سياسية ولا سيما على رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون الذي كان يعتمد في استراتيجيته السياسية الاعلامية على اندي كولسون رئيس التحرير السابق للصحيفة والذي غادر منصبه على رأسها في عام 2007 عندما بدأت فضائح التنصت بالظهور. وكان اضطر الى الاستقالة من مكتب كاميرون تحت وطأة الضغوط الشديدة عليه مطلع العام الجاري. وبعد انفجار صمام الثقة نهائيا بين البريطانيين والصحيفة بعد طوفان الفضائح الاخير، سجن كولسون منذ يومين ثم اطلق سراحه بكفالة وتستمر التحقيقات في دوافع التنصت وكيفية حدوثه، في حين عثر معارضو الحكومة وعلى رأسهم حزب العمال وزعيمه اد ميليباند على مادة دسمة لتوجيه انتقادات لاذعة تنال من سمعة وصدقية كاميرون الذي يجد نفسه اليوم في موقف دفاع عن النفس لا يخلو من حرج.
وتجدر الاشارة الى ان نيوز اوف ذي ورلد هي اكثر الصحف مبيعا في بريطانيا ولديها قاعدة شعبية يومية تفوق السبعة ملايين ونصف مليون قارئ. كما يشار الى ان بي سكاي بي (تضم سكاي نيوز)، التي يساهم فيها مردوخ وكانت ستصبح قريبا ضمن مجموعته، تعرضت امس لانحدار في قيمة الاسهم بنسبة 7,6 في المئة على خلفية هذه الاحداث. وطالب ميليباند مع وصول ميردوخ امس الى لندن بأن يتم تأجيل صفقة بيع بي سكاي بي لـنيوز انترناشنال.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.