8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

زلزال فوكوشيما يلوّث الحضارة النووية

لدى استضافة عواصم العالم الكبرى العام الماضي قمما ومؤتمرات لتسويق الطاقة النووية المدنية، طغت على تلك الاجتماعات مواضيع حظر انتشار الاسلحة النووية وتخفيض الترسانات النووية الموجودة وحماية المواد النووية من الوقوع في ايدي الارهابيين، غير ان موضوع الامن النووي وحماية المفاعلات من غضب الطبيعة الذي يمكن ان يتفجر في اي لحظة فلم يتم التطرق اليه بصورة جدية.
فمن مؤتمر باريس لدعم استخدام الطاقة النووية السلمية في خدمة البشرية الى قمة واشنطن لحماية المواد النووية وابعادها عن متناول الارهابيين، مرورا بمعاهدة وقعت بين الاميركيين والروس لخفض الترسانة النووية، والاجتماعات التي عقدتها الدول الست الكبرى للحوار مع ايران والعقوبات الجديدة التي فرضتها ضدها عبر مجلس الامن، بدا من الواضح ان العالم بأسره يقف على بوابة عصر الحضارة النووية. الا ان الكارثة الطبيعية، التي زلزلت اليابان قبل انقضاء الثلث الاول من العام الحالي اثر تعرض فوكوشيما التي تحوي محطة ومفاعلات نووية ضخمة لغضب الطبيعة، نشرت الرعب في قلوب المراهنين على هذه الطاقة الحديثة لاحداث خطوة عملاقة في تاريخ البشرية نحو عصر اكثر رفاهية وقادر على مواجهة تحديات عالمنا المعاصر، بحسب آرائهم.
وبوجود التحديات التي يشهدها كوكبنا سواء لجهة الاستهلاك السريع لموارد الطاقة الكلاسيكية (كالنفط والفحم.. الخ) او لجهة الاحتباس الحراري والتغير المناخي، لاح علم الذرة اليوم في الافق كحبل النجاة للبشرية.
لذا هرعت حكومات دول العالم الاول الى بذل ما في وسعها من اجل محو تأثير كلمة نووي (او ذري) على مسامع عامة الشعب التي سرعان ما تتراءى لها لدى سماعها هذه الكلمة صور الابادة الجماعية والدمار الهائل اللذين احدثتهما القنابل النووية الاميركية في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين خلال الحرب العالمية الثانية، او الكارثة التي تسبب بها انفجار مفاعل تشيرنوبيل النووي في الاتحاد السوفياتي السابق في العام 1986 والتشوهات الخلقية التي ما زالت تصيب مواليد هذه المنطقة حتى يومنا هذا.
الا ان الخطوات الحثيثة التي بذلت في العام الماضي، تمكن زلزال فوكوشيما من فرملتها الى حد بعيد مع ارتفاع صيحات البيئيين والخضر المحذرة من كوارث نووية قد تصيب البشرية ورفعهم شعارات سياسية، في وجه اليمينيين او الاشتراكيين من رجال الاعمال، تزعم بأن هؤلاء لا ينظرون الا الى افاداتهم المادية والشخصية الآنية ولا يكترثون الى ما يمكن ان يؤول اليه الامر مستقبلا في حال انتشار المفاعلات والمحطات النووية في جميع البلدان وحصول كوارث طبيعية مشابهة لمصيبة اليابان.
والسؤال الذي يطرح اليوم من جديد وبقوة: هل البشرية بأسرها ترى في هذه الطاقة طوق العبور الى الرفاهية والرخاء والحياة المثلى؟ بعد رؤية التسربات النووية وتلوث مياه طوكيو المكتظة بالسكان وغذائها باشعاعات نووية والذعر الذي يعيش مع اليابانيين منذ ساعة الزلزال. اغلبية البشر لديها جواب واحد هو لا. وهذا هو الجواب نفسه التي كانت تراه دول كبرى ايضا خلال قمة واشنطن النووية العام الماضي، ولكن شتان بين لا الشعوب ولا مصالح الدول.
فالـ لا الثانية قيلت العام الماضي تسويقا لمنظومة امنية تحمي المنشآت والمواد النووية من الارهاب. وقمة واشنطن 2010 عقدت في الاساس من اجل وضع اطر دولية من شأنها حماية الطاقة النووية من الوقوع في ايدي من يريدون استخدامها لـغايات شريرة، هذا ما اكده البيت الابيض والاليزيه ومراكز القرار الاخرى.
وتساءل زعماء الدول وقتها عما يمكن ان يحصل في حال وقوع النووي في ايدي الارهابيين، ونسب الى احد هؤلاء القادة قوله تخيلوا لو ان هجمات ارهابية كالتي حصلت في 11 ايلول حصلت بأسلحة نووية. هل يمكننا تحمل هول المصيبة؟ لا اظن انه يوجد شخص عاقل ومسالم واحد في هذا العالم يود رؤية الارهابيين يلهون بمواد نووية مثل البلوتونيوم او اليورانيوم المخصب بنسبة اعلى من عشرين في المئة.
هذا الواقع يؤرق جدا المستثمرين في هذه الطاقة والشركات الكبرى المتخصصة فيها، ويدق جرس انذار قد يفهم بان غضب الطبيعة في اليابان قد وأد مفهوم الحضارة النووية وهو لا يزال في المهد.
الخطر النووي في الشرق الاوسط
تجدر الاشارة الى ان الدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة وفرنسا كانت بدأت اتفاقيات تعاون في مجال الطاقة النووية المدنية مع دول عربية عدة بينها دول الخليج والاردن ومصر. وفي ظل اعتراف الولايات المتحدة بعدم جهوزيتها الكاملة لحماية منشآتها النووية من كوارث مشابهة لزلزال اليابان، لا بد وان تتأثر المشاريع في الشرق الاوسط بهذه الكارثة، خصوصا ان المنطقة تمر في هذه الفترة بثورات غضب بشرية قد تطيح هي بدورها بأي مشاريع نووية في المدى المنظور.
ويبقى هناك خطر محدق متمثل بالمنشآت النووية في كل من اسرائيل وايران، فبرغم ان الموقع الجيولوجي للأولى آمن نسبيا (آخر زلزال وقع يعود للعام 1927: زلزال ضرب فلسطين صبيحة يوم الاثنين الحادي عشر من تموز (يوليو) عام 1927 وخلف مئات القتلى والجرحى. بلغت شدة الزلزال 6,2 درجات على مقياس ريختر وتم تحديد مركزه لاحقاً قرب جسر دامية في غور الأردن على بعد نحو 25 كيلومتراً شرق نابلس). الا ان الثانية (ايران) تقع في منطقة مشهورة بتعرضها للهزات الارضية والزلازل بين الفترة والاخرى (بغض النظر عن الهزات المتوسطة التي توقع ضحايا، ايران تشهد زلزالا مدمرا جدا مرة كل 12 او 13 عاما: آخر ثلاثة زلازل مدمرة تعاقبت في اعوام 1978 و1990 و2003 الاول زلزال طبس تعرضت له مدينة طبس في محافظة يزد (شرق البلاد) في 16 ايلول (سبتمبر) عام 1978، بلغت قوة الزلزال 7,8 على مقياس ريختر، ودمر المدينة بشكل كامل متسببا في مقتل تسعة آلاف من سكان المدينة البالغ عددهم 13 الف نسمة آنذاك، كما خلف الزلزال آثارا في محيط القرى المجاورة لطبس، وبلغت الحصيلة النهائية للضحايا اكثر من 15 الف قتيل.
الثاني، زلزال جيلان بقوة 7,4 على مقياس ريختر هز محافظتيي جيلان وزنجان (شمال غرب إيران) في 21 حزيران (يونيو) 1990، وخلف الزلزال دمارا لما يقارب الـ 700 قرية وتسبب في مقتل نحو 500 الف شخص وجرح 60 الفا وتشريد نصف مليون آخرين. الثالث، زلزال بَم ضرب مدينة بم شرق محافظة كرمان صباح 26 كانون الاول (ديسمبر) 2003، بقوة 6,6 درجات، وخلف نحو 42 الف قتيل و50 الف جريح وشرد اكثر من عشرة آلاف شخص.
واشار المراقبون آنذاك ان العدد الحقيقي للضحايا أعلى مما صرحت به المصادر الحكومية، كونه دمر ما يقارب من تسعين في المئة من منشآت المدينة بما فيها قلعة بم الأثرية التي يزيد عمرها على 2500 سنة.
حسابيا في حال استمرت الارقام بالتواتر على المنوال ذاته يتوقع حصول زلزال مدمر في ايران قرابة العام 2015. وأي انفجار نووي فيها ربما يعرض سكان منطقة الخليج بأسرها لمخاطر جمة. وهذا ما يعطي سببا وجيها آخر لوضع حد لمشاريع ايران النووية سواء مدنية كانت ام عسكرية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00